]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ثقافة الامام السيد موسى الصدر والآخر

بواسطة: طارق شمس  |  بتاريخ: 2012-08-22 ، الوقت: 14:15:44
  • تقييم المقالة:
ثقافة الامام السيد موسى الصدر والآخر

 

د. طارق شمس

دائما ما نقراء عن الحياة السياسية للامام السيد موسى الصدر، لكن هذا الرجل العظيم لم يصل الى المرتبة التي وصلها ، الا من خلال شخصية خاصة وطريقة عمل وتفكير أوجدت موسى الصدر القائد ، الذي قلب الموازين خلال عقود قليلة من الزمن.

الا أن هذه الشخصية ، ولكي نفهمها لا بد من الاطلاع على البعض من جوانبها الثقافية البعيدة عن السياسة ، وان ارتبطت هذه بتلك أحيانا كثيرة .

وفي هذا يقول المرحوم الدكتور عدنان فحص ، الذي رافق الامام ردحا من الزمن ، في كتابه " الامام السيد موسى الصدر السيرة والفكر " : " ان السياسة التي مارسها الامام من عام 1969 الى العام 1975 ، كانت سياسة اجتماعية تهدف الى تحقيق نتائج اجتماعية ، وكانت السياسة  مرحلة محدودة للوصول الى مطالب حياتية للفئات المحرومة ....ولا يخلو الامر في بعض الاحيان من التحرك السياسي لرفع الظلم ومقاومة سلطة الاقطاع السياسي..."

ثقافة الامام السيد موسى الصدر :

كان الامام السيد موسى الصدر ، قارئا من الطراز الاول ، وكانت قراءاته سريعة تفوق قدرة الانسان العادي ، فقد نقل عنه انتقاضه لبعض من كان معه  خلال مطالعته احدى الكتب ، حيث سألهم : كم يستغرق من الوقت قراءة كتاب كالذي أطالعه ؟ فأجابوه : عدة ايام . عندها قال ان كتابا مثل الذي أحمله لا يستغرق مني أكثر من جهد أربع ساعات ...لقد كان الامام الصدر نهما للعلوم والمعارف كافة ، وكانت تربطه علاقات وطيدة بالنخب المثقفة وبالعديد من المفكرين ، حيث الجلسات الطويلة التي كانت تطرح العديد من العلوم الانسانية ومختلف أنواع العلوم الاخرى . ومن هؤلاء المفكرين السيد ميشال الاسمر ، رئيس الندوة اللبنانية ، وكان شخصية فكرية وثقافية ، وعلى صلة دائمة بالامام الصدر ، حيث كانت تأخذهم الأحاديث والنقاشات الفكرية في سهرات طويلة ، ويقول ميشال الاسمر انه كان يتجنب السياسة والخوض فيها ، الا ان اعجابه بشخصية الامام الصدر دفعته ليتجاوز الحدود التي رسمها لنفسه.

كما أن الرئيس السابق للجمهورية اللبنانية ، شارل الحلو ، تحدث أنه كان له مع السيد الصدر نوع من التجاذب الفكري والسياسي والاجتماعي ، وكانت خصوصا في الصلات الفكرية وقضايا الثقافة المعاصرة والانسان المعاصر وحوارات حول قضايا الفكر السياسي.

لقد امتلك الامام الصدر ذاكرة قوية ساعدته في محاضراته وفي النقاشات مع كبار المسؤلين في العالم ، أستوعب بسهولة الافكار والثقافات ، وكانت اكثر محاضراته غير مكتوبة او ملخصة . وفي ذلك يقول أحد من رافقه الى ندوة علمية ، ان الامام الصدر سأله وهم على الطريق : ماذا تحب أن نقول في هذه المحاضرة ...وقال : ان الافكار تأتيه بسرعة وتتزاحم التحليلات في الذهن وتندفع نحو الموضوع ...

وهذا ما دفع بالمؤسسات والمراكز العلمية والثقافية ، الى استضافته في محاضرات كان يلقيها بحضور عدد كبير من المثقفين من كافة المناطق اللبنانية ، " ... فقد تميز الامام الصدر بالاضافة الى اطلاعه الواسع وتحليلاته للأفكار العلمية والايديولوجيات المختلفة ، بطريقة عرض دقيقة ، فيطرح آراء العلماء والمفكرين الغربيين والشرقيين ، ويحلل بطريقة منطقية وعلمية ، ثم ينتقل الى الأفكار العامة التي تناقض ركيزة المواضيع المطروحة ، ليطرح بعدها رأيه الشخصي بأسلوب مرن مع قوة التعبير والسلاسة والسهولة وعمق الايحاء ، ثم يشد المستمع نحو المآسي الاجتماعية التي تعاني منها بعض المناطق ، وتقصير السلطة ورجالاتها ، والمخاطر التي تحيط بلبنان ...".

كان السيد موسى الصدر و اثناء القائه للمحاضرات ، يراقب الحضور بلمحة سريعة وخاطفة من دون أن يشعر أحد ، كان يراقب حتى تعابير وتقاسيم الوجوه ليتأكد  من بقاء المستمع معه ، ومدى تأثير كلماته ، وبالتالي يزن هذه الكلمات بشكل يربط عقول الحاضرين وعواطفهم معه ، حتى يصل الى الغاية من المحاضرة . وفي هذا يقول بعض من شارك في احدى محاضرات الامام الصدر : " ان السيد يملك مقدرة عجيبة في دفع الطرق العلمية نحو الخط الايجابي ".

"...لقد خلق الامام الصدر تيارا فكريا جديدا وخاصا في امد محدود ، واخترق الذهنية اللبنانية ، بما حملته أفكاره من اطلالات غنية بشكلها ومضمونها ، وبما حملته هذه الأفكار من تجديد وحكمة وخيال وموهبة ، منطلقة من اساس اسلامي واجتماعي واصلاحي لا يهادن ولا يساير ولا يتزلف ، يدفع نحو الاصلاح الاجتماعي والتسامح وقبول الآخر انطلاقا من "كون جوهر الاديان تعني خدمة الانسان ومحبة الانسان ومقاومة التعصب والتزمت والانغلاق والتحجر ...".

وحبذا في عصرنا هذا لو عمدنا الى اعادة احياء هذا النمط الفكري ، من خلال مدارسنا ومؤسساتنا ، واعادة قولبته في اطاره الذي عبره يصل الى الاجيال التي لم تقراء الامام الصدر الا من خلال الصور واليافطات ، وهذه تسقط عند أول حلول للامطار والرياح العاتية...

هذا الرجل المثقف ، العالم ، أستطاع بأسلوبه أن يجذب حتى من عادوه أو لم يتفقوا معه في السياسة ، فقد تميز الامام الصدرأنه كان "...اجتماعيا مرحا لديه مجموعات كبيرة من النوادر والأخبار الفكاهية ...كان يتمتع بقدرة قوية في تكييف جو الجلسات والاجتماعات الى الغاية التي يريده...كانت لغته تعبر عن صدق العاطفة والسلاسة وروعة الاداء ...شديد الاهتمام بالكلمات التي لا تؤذي احدا..يحب المزاح الرفيع و يستمتع بالاخبار والنوادر الحلوة ويضحك كثيرا لها ويجيب بعفوية وسرعة بديهة على جميع ما يلزم من النوادر والاخبار ..."

 ومن ذلك ، انه وحين اشترى الامام الصدر مبنى بيت الطائفة في الحازمية ،و كان قصرا قديما يدعى قصر القدسي ، وبقي فترة طويلة متروكا ومهجورا ، حتى انتشرت الشائعات بأن القصر مسكون با لاشباح والعفاريت ، حتى أن العديد من الناس كانت تخشى الدخول اليه أو تبتعد عن المرور بجانبه ، وكان السيد يستمع الى هذه الشائعات ويبتسم قائلا : أننا مهتمون بترويض الأشباح ، ولنجرب حظنا مع هذا القصر المناسب ".

وعلى أثر الخلاف حول تحديد يوم عيد الفطر كالعادة ، وعلى الرغم من سعي الامام الصدر الى توحيد بداية ونهاية شهر رمضان مع المفتي الشهيد حسن خالد  من دون جدوى  ، سأل الامام المدير العام في المجلس الشيعي ، الشيخ محمود فرحات، عن أول يوم صيام في شهر رمضان ، وكان حينها يوم الخميس ، فأجابه الشيخ: بدأت الصيام قبل نهار الخميس بيوم . عندها قال الامام مبتسما : اذن أنت مقلد للمفتي...

وعنه أيضا ، أنه كان يعقد مؤتمرا صحفيا عام 1973 بحضور نقيب الصحافة حينها الاستاذ رياض طه ، وصودف وجود أحد رجال الدين الى جانبه  الذي قاطع الامام وبدأ يعرض مزايا جنوب لبنان ، وترك الامام الصدر رجل الدين هذا حتى انهى كلامه ، ثم نظر اليه مبتسما وقال : عندما ينتهي مؤتمرنا مولانا يبدأ مؤتمركم...

كما كان شديد الملاحظة اثناء محاضراته ، ولا يحب ان يؤذي احدا بكلمة  حتى ولو  أثار ضجة  داخل قاعة المحاضرات ، وفي هذا ينقل ان الامام الصدر كان يشرح كيفية صلاة الميت  في مسجد بيت الطائفة ، فلاحظ  أن احد الحضور يتحدث مع زميله ، فألتفت اليه وقال : يا استاذ نعلمكم ان صلاة الميت ربما كانت الحاجة اليها ضرورية ، أتذكر وفدا لبنانيا توجه الى موسكو وهناك توفي احد اعضاء الوفد ..فما كان من الدكتور امين الحافظ وكان نائبا ، الا أن صلى على المرحوم صلاة الميت ..

هذه بعض المواقف البسيطة التي ميزت شخصية الامام موسى الصدر وثقافته ، والتي أظهرت أسلوبا بارعا في التعامل مع الآخر ، من اي طائفة او منطقة انتمى .

 وفي وصف شخصية الامام الصدر، لا نجد أفضل من المطران بولس الخوري  الذي قال عن الامام الصدر :" قامة طويلة ، طلعة بهية ، عينان ساحرتان ، شخصية جذابة ، ثقافة عالية ، لغات كثيرة ، دائرة معارف ، جمال جسدي تلاقى مع جمال روحي ، وأكتمال الجمالات بفضيلة التواضع ..."

في الختام ، ولا يوجد مكان لنختم به حديثنا عن الامام السيد موسى الصدر ، الذي قرأناه فأصبح لنا صديقا ورفيقا ، كما أصبح أستاذنا ومرشدنا ، انه الحلم الذي مر سريعا من امامنا فترك آثارا لا تمحى ، وغرس محبته في قلوبنا . وكم نحن بحاجة الى ان ننقل هذا الاحساس تجاه الامام الصدر الى أجيالنا الصاعدة ، التي تواجه "بقصف العقول " ، في حرب مدمرة تعمل على ابادة تراثنا وثقافتنا ، وتخلق أجنبيا نحن أنجبناه .

 في الواقع نحن اليوم بأمس الحاجة الى نشر تعاليم وأفكار الامام الصدر ، بل وتقمص شخصيته من قبل الزعامات والقيادات الروحية والزمنية في حاضرنا ، فأين نحن اليوم من مسيرة المحبة وفكر الاصلاح الذي دعا اليه الامام الصدر ؟ في الواقع اقولها بحسرة ، علينا اليوم ان ندق ناقوس الخطر وان نعجل كي نلحق بقطار الحضارة السريع ، قبل ان يفوتنا هذا القطار وتبقى منا الصور واليافطات ومجلدات من ورق مزقتها اسنان هذا القطار .

 

د. طارق شمس _ النبطية  _ دكتوراة في التاريخ الاسلامي .

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق