]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رؤية جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية

بواسطة: على حسن السعدنى  |  بتاريخ: 2012-08-21 ، الوقت: 17:10:21
  • تقييم المقالة:

على حسن السعدنى يكتب

رؤية جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية  

القراءة التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية لم تعد تصلح على مستوى الشرق الأوسط أو على المستوى العالمي.

ومن منظور جديد قد يساعدنا على فهم أفضل للسياسات الخارجية الأمريكية والسلوك الأمريكي الخارجي في الشرق الأوسط والعالم.

حيث تنطلق القراءة التحليلية للسياسة الخارجية الأمريكية من محاولة أولية لتفسير مانراه على انه تضاؤل بل تأكل دور وزارة الخارجية الأمريكية في توجيه السياسة الخارجية وتعاظم دور وزارة الدفاع والمجالس المختلفة المرتبطة بها في إدارة سياسة أمريكا الخارجية.

النظرة التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية تركز على اسقاط قديمة لدور وزارات الخارجية ومن هم على رأسها ، ومتابعة سلوكهم السياسي كأسس أولية لفهم السياسة الخارجية لأي دولة. ولكن الملاحظ أن أمريكا دولة مختلفة لذا فهي تحتاج إلى قراءة مختلفة ، ليس فقط بإضافة عوامل أخرى لها دور في تشكيل السياسة مثل الكونجرس وجماعات الضغط وغيرها ، ولكن بتبني منظور جديد تماماً ، منظرور يضع وزارة الدفاع الأمريكية وجهاز الأمن القومي كمحور ومحرك للسياسة الخارجية الأمريكية وهذا يحتاج إلى تبرير وشرح في أن واحد . تبري يوضح لنا الأسس التي تبني عليها النظرية الجديدة في فهم السياسة الخارجية الأمريكية.

حتى الذين يقدرون دور الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة، وينظرون إليها على أناه روما الجديدة أي إمبراطورية لا تعلن عن نفسها، حتى هؤلاء مازالوا سجنا إسقاط المنظور الإمبراطوري على فهم السياسة الخارجية الأمريكية ، إذ يحاول كثير منهم فهم السلوك الأمريكي في إطار سلوك الإمبراطورية البريطانية في القرنين الفائتين ، رغم ما بين الامبراطوريتين من اختلاف واضح.

وإذ قارنا السلوك البريطاني والأمريكي تجاه الخليج العربي وجنوب أسيا مثلا سنحس بالفارق ، وكذلك يتضح لنا الخلط ، خلط لا يقع اللوم فيه على محللين سياسيين أجانب فقط ولكن كذلك يقع بعض المحللين الأمريكيين أيضا، وهنا أذكر واقعة حدثت في نقاش دار في وزارة الخارجية الأمريكية، إذ قال أحد اعضاء مجلس الأمن القومي ، ما نصه : "أن أمريكا تحمل راية الامبراطورية البريطانية في الخليج " . و نتطرق في مقاربته هذه غلى أن ما حدث في الخليج هو المعادل الموضوعي لعملية التسليم والتسلم ن حيث رحل البريطانيون من الخليج وتسلمت أمريكا مهما بريطانيا، في هذه المنطقة الحيوية من العالم ، ربما هذا التشبيه على علاته يبدو وجذاباً، ولكن هيهات بين السلوك البريطاني ، في الخليج أو الشرق الأدنى وجنوب أسيا وسلوك الولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت أولى الملاحظات على هذا الطرح يومها ، هو أن أمريكا لا تمتلك حتى الآن في بيروقراطية وزارة خارجيتها ما يقابل "مكتب الهند" في وزارة الخارجية البريطانية ، مكتب كان يدير شئون مستعمرة الهند وكذلك الخليج العربي ، مكتب كان يقوم على خدمته مستشرقون أكفاء يعرفون شئون المستعمرات وكذلك لغاتها ، وكثير منهم عاش في تلك البلاد عمر غير قصير، كما أنه ليس لدى أمريكا موظف خارجيتها يقابل لورنس العرب, أو الكابتن شكسبير، أو جون فيلبي من الرجال الذي خبروا منطقة الخليج وتعرفوا على أهلها وعاداتهم ومزاجهم السياسي، كل ذلك رغم موجود وزارة الخارجية الأمريكية، كل ما هنالك هو وجود مكتب ما يسمى بشئون الشرق الأدنى ، وهو مكتب غير مشهود له بالجدية وغالباً هو مهمش في صنع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه تلك المناطق الحساسة من العالم.

ولكن لماذا هذا التهميش وما دلالته؟

الاعتقاد السائد أن تهميش دور وزارة الخارجية الأمريكية لمصلحة وزارة الدفاع ومجالس الدفاع والأمن القومي. هذا التهميش راجع لتحول في الرؤية الأمريكية ، وكذلك تحول في استراتيجية امريكا العالمية وخصوصاً في الفترة ما بعد نهاية الحرب الباردة.

قراءة هذا التحول وهذا النقلة من تصور دبلوماسي للعالم إلى تصور دفاعي، بحت هي التي تقود إلى تبني المنظور الجديد لتفسير السياسة الخارجية الأمريكية ، منظور يكون الدفاع هو حجر الزاوية فيه.

الأسباب الأولية المبررة لهذا المنظور الجديد، الذي يكون فيها رامسفليد أهم من باول كمفتاح للسياسة الخارجية الأمريكية ، ويكون تومي فرانكس قائد المنطقة المركزية أهم فيه من بيرنز او ساترفيلد ، ينطلق من رؤية مغايرة لسياسة أمريكا العالمية فالناظر إلى سياسة أمريكا ورؤيتها للعالم الآن، خصوصا هؤلاء الذين يهتمون بالاستراتيجية الأمريكية يدرك ويدركون أن العالم مقسم إلى مناطق عسكرية أمريكية في إطار ست قيادات إقليمية ، وتقع منطقة الشرق الأدنى وجنوب أسيا مثلا في إطار ما يسمى القيادة المركزية CENTCOMالتي تقع تحت قيادة الجنرال تومي فرانكس وهي منطقة تمتد من مصر حتى المغرب غربا وحتى الهند في الاتجاه الاخر ، كذلك تشمل باكستان والهند والسعودية وأفغانستان و جنوباً حتى السودان ، اما المنطقة من شرق مصر التي تشمل اسرائيل فهي تقع ضمن المنطقة العسكرية الأوروبية، أو القيادة الأوربية EUROCOMوهي قيادة أساسية ضمن القيادات الست. ثم تأتي بعد ذلك قيادة المحيط الهادي او الباسفيك كوم ، إلى آخر هذه القيادات التي ترتبط مباشرة بالقيادة المشتركة التي تصل بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع.

في هذه التقسيمة العالمية يكون قائد القيادة الإقليمية أكثر فعالية وتأثيراً على رئيس الجمهورية من وزير الخارجية ، وكان ذلك واضحاً عندما رأينا تومي فرانكس مع الرئيس في مزرعته في تكساس ي بداية الحرب الأمريكية- الافغانية ، ويأتي كذلك دور نائب وزير الدفاع للسياسة السيد بول ولفوتز في مركز متقدم في هذه المنظومة ويقف على قمة هذا الهرم الدفاعي دونالد رامسفيلد ، تدريجيا يسيطر العسكر على السياسة الخارجية الأمريكية،ومقدراتها ليس بشكل انقلابي كما يدعى البعض و لكن بشكل استراتيجي ، وكذلك من خلال تغيير محددات السياسة الأمريكية ونقل الثقل المعلوماتي و الدفاعي وكذلك السياسي الخاص بأمن الولايات المتحدة بعيداً عن وزارة الخارجية وتركيزه في وزارة الدفاع.

ترى ما هي دلالات ذلك على العالم وعلى منطقة الشرق الأوسط والدور العربية تحديداً.

يعني هذا الطرح أول ما يعني ان الحديث إلى وزارة الخارجية الأمريكية هو مضيعة للوقت ، إذ تحولت الخارجية الأمريكية إلى مركز علاقات عامة لما يرسم في وزارة الدفاع ، ومن هنا يجب التركيز على وزارة الدفاع أكثر من وزارة الخارجية.

ذلك يعني أيضاً أن العلاقات العسكرية قد تكون هي المحور اكثر من العلاقات الدبلوماسية وهنا يحدث انقلاب مماثل في الجهة الأخرى لما هو حادث في الحالة الأمريكية ، إذ ربما نرى على المستوى البيروقراطي أن الملحق العسكري لدولة ما لدى أمريكا قد يحظى باهتمام اكثر من سفير تلك الدولة ، وقد يضطر ذلك بعض الدول لكي ترسل سفراء لأمريكا ممن هم خبراء عسكريون لا دبلوماسيون، أو مزيج من الاثنين ، وبدا هذا التغيير يحدث في السفارات دول استوعبت هذا التغير ، فسفارة دولة كاسرائيل دائما مليئة بالجنرالات أو من هم عسكريون كذلك الحال بالنسبة لكثير من دول أسيا وأمريكا اللاتينة ، هذا التحول البيروقراطي في مركز الثقل في السياسة الخارجية الأمريكية إلى الدفاع لابد أن يقابله تحول بيروقراطي في الدول التي تتعامل مع هذه الدولة ، وهذا سيقلب الأمور تدريجياً لنرى عسكرة الخارجية ، فبنفس الطريقة التي اختارت بها امريكا جنرالا مثل باول ليقود وزارة خارجيتها سنجد ثنائيا لهذا التيار في دول عديدة.

النقطة الأساسية هنا هي أن القيادات الإقليمية للعسكرية الأمريكية ستسحوذ تدريجياً على دور الخارجية الأمريكية ، وبذلك يصبح دور رجل كتومي فرانكس في منطقتنا أكبر أهمية من أي شخص في الخارجية الأمريكية بما في ذلك الجنرال باول.

إن فهم السياسة الخارجية الأمريكية في إطار انتقال هذا الثقل من الخارجية إلى الدفاع وفي إطار تقسيم امريكا للعالم بشكل عسكري تحت سيطرة القيادات الأقليمية (ريجتال كوماندس) هي البداية الصحيحة لفهم السلوك الأمريكي في الحقبة المقبلة.

 

 


من كتابى  فن ادارة الازمات صادر عن دار الهانية للطبعة والتوزيع


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق