]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كيف نرعى الطفل الموهوب؟!

بواسطة: عبدالعظيم عبدالغني المظفر  |  بتاريخ: 2012-08-20 ، الوقت: 04:48:00
  • تقييم المقالة:
كيف نرعى الطفل الموهوب ؟!!

 

                                                             بقلم / عبدالعظيم عبدالغني المظفر

يلاحظ كل معلم أن 4% من متوسط الأطفال الذين تجمعهم تحت سقف واحد من حيث السن هم اكثر تفوقا من زملائهم .

هؤلاء الأطفال هم النابهون أو النابغون ، ويعتبرهم علم النفس أطفالا شواذا . لأنهم شذوا عن الأطفال في مثل سنهم ، لا فرق في أن يكون هذا إلا شذوذاً نحو التقدم أو التأخر ، ولهذا أيضا نعتبر المتأخرين أو ضعفاء العقول شواذا ومن هنا قال الأقدمون في أمثالهم ( العبقرية والجنون صنوان ) قاصدين من ذلك انهما سواء في الشذوذ فكلاهما شذ عن وسطّي أمثاله .

ولا نستطيع أن نضع حدا فاصلا للطفل الموهوب بحيث نفرقه عن غيره ، لأننا نعرف العبقرية أو التفوق في الذكاء أمر منسي فالطفل الذكي بالنسبة لمجموعة من الأطفال قد يكون عاديا أو متأخرا بالنسبة لمجموعة أخرى .

ولكنه يمكننا أن نلجأ إلى أسس عامة دون أن ندخل في التفاصيل ، فنحن نعرف من مقاييس الذكاء أن الطفل الذي يحصل على مائة درجة بنتيجة اختبار ذكائه هو طفل متوسط وان الذي يحصل على أقل من مائة درجة هو طفل متأخر أو ضعيف , أما الذي يحصل على اكثر من مائة درجة فهو طفل ذكي ، وكلما ارتفع عدد الدرجات التي حصل عليها في مقياس الذكاء كان للعبقرية والموهبة اقرب .

وقد استخدم(Terman) هذه الطريقة فعين (140) درجة كحد أدنى للأطفال الموهوبين الذين هم في الحادية عشرة من العمر أو لمن هم دون ذلك ، أما الاتجاه الحديث فيميل إلى اعتبار الحد الأدنى لحاصل ذكاء الموهوبين (150 ) درجة .

والواقع أن الطفل الموهوب ينم عن نفسه منذ صغره إذا لعب ترأس اللاعبين وإذا درس بزّ الدارسين ، يتصدر للحكم بين زملائه الصبيان ، ويشعر من حوله أنه خلق ليكون سيدا لا مسودا .

ولكي نفهم الطفل المتفوق في ذكائه لابد أن نعدد تلك الصفات والقابليات التي تتوافر له عادة والتي تميزه عن أقرانه وزملائه :

    انه يتفوق قليلا في النواحي الجسدية بالنسبة للزملاء في مثل سنه ، سواء كان ذلك في الطول أمّ في الوزن أمّ في الصحة العامة . الطفل الموهوب أقدر من غيره على تركيز انتباهه في موضوع ما لمدة طويلة نسبيا ، وهنا نلاحظ أن انتباهه عميق وشامل ولمدة طويلة . اكبر مظهر للنبوغ هو القدرة على الابتكار والخلق ، ولما كانت النظم المدرسية لا تساعد الطفل على تخطي نظمها وطرقها بأتباع دوافعه ورغباته . لذلك كانت النظم المدرسية عاملا قويا على قتل البرعم قبل تفتحه .

 

    يستطيع اكثر من غيره أن يرقى من مستوى الأمور المادية الى الأمور المعنوية المجردة . انه مستعد للتكيف بصورة جيدة للحياة الاجتماعية ما لم تكن ظروف بيئية سيئة جدا .

ويذكر ( ويلس . ن . بوتر ) انه ألاّ يغيب عن بالنا أننا نتكلم بصورة عامة، وأننا يمكن أن نقع على شواذ لهذه الأحكام ، مثال ذلك أننا جميعا قد تعرفنا على أشخاص متفوقين في الذكاء وكانوا فاشلين في صلاتهم الاجتماعية أو محرومين من الاستقرار الانفعالي ولكن هذه الشواذ لا تنفي القواعد التي وضعها علماء النفس اعتمادا على الدراسات الصحيحة .

إن هذه الاستعدادات العقلية التي تتميز بالنبوغ والموهبة استعدادات فطرية وراثية لا يكتسبها الإنسان بتربية أو مران ومثلها مثل الانحطاط العقلي الذي لا يصلحه تعليم أو تدريب .

ولقد أجرى كثير من الباحثين أمثال ( جولتون ) و( وود) مجموعات من الإحصائيات لإثبات أن النبوغ وراثي فهناك العائلة التي نبغ فيه أكثر من موسيقي واحد ، أو التي يظهر فيها عدد من رجال الاختراع أو من الرياضيين .و لا يكون النبوغ موزعا بل هو ينحصر عادة في ناحية خاصة , لذلك كان من الصعوبة في اكتشاف هذه الناحية إذا لم تتهيأ الظروف المناسبة لظهورها ولما كان النبوغ جزئيا بديهيا أن يختل التوازن في بقية استعدادات هذا الطفل, حتى انه ليظهر بمظهر العاجز عليها .

فالطفل الحاذق في الأشغال اليدوية الدقيقة يظهر دون المتوسط في درس التاريخ مثلا والذي يبدو عنده مقدرة في فنون الإنشاء او الخطابة قد يبدو عنده عجز فاضح في الرياضيات مثلا .         

 وليس ضروريا أن يكون الطفل النابغ متفوقا في حياته المدرسية لأن الفحوص المدرسية تعتمد على ناحية واحدة وهي قياس الذاكرة وتأتي الأسئلة لتقيس كمية ما حفظ لا مقدار ما فهم ووعي ، فالأسئلة الحالية مقياس مثالي للذاكرة فقط دون الاهتمام بالمحاكمة والتفكير واستثمار المواهب .

ولذلك فالفحوص الحالية لا يجوز اعتبارها مقياسا نحكم به على ذكاء الأطفال بل هي على العكس تقتل ما عند الطالب من حيوية وتطفئ هذه الشعلة الوقادة وتخلق لنا شخصيات مريضة تعيش في دوامة نفسية قوامها مجموعة من الأزمات النفسية والإجماعية .

إن الأطفال الموهوبين يعيشون في دوامة من المشاكل جسمية وعاطفية وتربوية واجتماعية منشؤها تلك الفروق التي تميزهم عن غيرهم .

    من الناحية الجسمية :

يميل الأطفال الموهوبون بسبب تفوقهم على أقرانهم في الذكاء إلى معاشرة أكبر منهم وأغنى منهم بالمهارات الجسمية والتجارب وتكون النتيجة أن يشعر الطفل الموهوب بأنه مقصر في الفعاليات الجسمية .

ومن الناحية الآنية فإن الأطفال الموهوبين المتفوقين في ذكائهم يميلون عادة للأعمال العقلية ويتجنبون الألعاب الرياضية الجسدية يشعرون أنهم مقصرون في هذه النواحي الجسمية لغيرهم .    

    من الناحية التربوية

لا يهتم مجتمعنا عادة بالأطفال الموهوبين ولا يشجعهم ولا يثير فيهم الطاقات الداخلية للخلق والابتكار وهو يعاملهم كغيرهم لا فرق و لا ميزة   وهنا يجد مثل هؤلاء الأطفال أن البيئة لا تقدرهم حق قدرهم و لا تعترف لهم بنواحي تفوقهم على غيرهم مما يجعلهم يصابون بنكسة أو صدمة تقتل فيهم عوامل الإبداع وطمس معالم عبقريتهم .

    من الناحية التعليمية

يجلس الطفل الموهوب مع زملائه دونه في المستوى العقلي ، ثم يأتي المعلم ليقرر الدرس بأسلوب إلقائي جاف وهنا يصبح هذا الطفل قطبا سلبيا في الدروس التعليمية ، والطفل الموهوب بحاجة للنشاط والتفاعل ليصرف هذه الطاقات التي تعتلج في خفايا نفسه وقد يتصرف للعبث والفوضى كوسيلة تجعله ينشط ويتفاعل . وليت الفرق عند هذا الحد ، فإن برامجنا لا تراعي الفروق الفردية بين التلاميذ .

وكان على واضع المنهج أن يضع في اعتباره أنه يضع منهجا لمجموعة من الأفراد بينهم الذكي النابغ والمتوسط العادي والضعيف المتأخر لا أن يكون التركيز على فئة المتوسطين فقط .

إن المعلم يقرر في الدرس بشكل يتناسب مع المستوى العقلي للطفل المتوسط أما الطفل الموهوب فإنه يشعر أن المادة تافهة ، وأن المعلومات دون مستواه بكثير وهنا ينصرف عن الدرس ويستغرق في الشرود وأحلام اليقظة ويكره

المدرسة والتعليم وربما كان السبب في انصراف كثير من الأطفال الموهوبين عن الدراسة

أيها المربون :

لقد ثبت أن عمل التربية ليس تخريج الأوساط من التلاميذ إلى الحياة والوقوف عند هذا الحد ، بل أضحى عمل التربية في أسمى معانيه وأجل مراميه اكتشاف العبقريات الكامنة والاستعداد الخفي ، فالحياة لا تقاس أو يجب أن تقاس بعمقها وقيمتها وليس يكسب التاريخ والحياة عمقا مثل العبقريات التي سمت لتدل على المجد وتهدي للهدى .

والمجتمع يحتاج إلى أقدر أعضائه ليتسلموا القيادة والنفوذ ، ولكن مجتمعنا يخسر نسبة كبيرة من قابليات الأفراد الموهوبين في الوقت الحاضر لأنه لم تتيسر له فرص النمو الكافية أو لأنه لا يستغلها الاستغلال الكافي أو لأنه يسيء استغلالها . وكل منا يشاهد أننا نخسر بإسرافنا في التعليم الجامعي عناصر ممتازة تفشل في التعليم وتتجه بذكائها إلى ميادين  أخرى لتظهر فيها قوتها في صورة نضال وكفاح ، وكثيرا ما نجد هذه العناصر الطيبة تنقلب إلى جراثيم فاسدة تضر بالمجتمع لأنها لم تجد التشجيع الكافي والتوجيه الصحيح وفسح المجال أمام البراعم المتفتحة على الحياة . وليست  المجرمين المتفوقين في استعمال الحيلة والمكر والدهاء إلا نماذج لأطفال موهوبين لم يجدوا البيئة والتوجيه السديد . ولو نظرنا لمدارسنا الحالية لوجدنا أنها تقسم التلاميذ حسب أعمارهم فقط دون النظر لذكائهم ومن ذلك نلاحظ أن صفا كهذا يتقدم بسرعة أضعف

أفراده ، لأن التلاميذ الأغبياء يؤخرون الأذكياء ويصبحون معرضين لاكتساب عادات البطء والتكاسل في أعمالهم ، ذلك لأننا نلتزم الولد الذي يستطيع أن يهضم ما يقال له بأن يجلس صابرا في الوقت الذي نعيد فيه موضوع الدراسة للأغبياء ونسهب في شرحه علاوة عن أننا نلغي عنصر التنافس بهذا الوضع .

وعلى هذا الأساس قامت الدول الراقية بإنشاء مدارس أو شعب نموذجية للأذكياء ، يكون التلاميذ فيها متساوين في أعمارهم ومتفوقين في ذكائهم ويأخذون فيها برنامجا خاصا وضع بشكل يتفق مع مواهبهم واستعداداتهم العقلية العالية .

 

 

أيها المربون .,

إن الأطفال الموهوبين ثروات بشرية لا يمكن تقدير قيمتها ، وهي ليست ملكا لكم ولكنها ملك للمجتمع الذي نشأوا فيه فلا تضيعوا هذه الثروات العظيمة . أشبعوا هواياتهم وإنتاجهم وخذوا بأيديهم لتخلقوا منهم عباقرة الأمة وأفذاذ المجتمع .

قد أشرت سابقا الى صلاحية التوصيل والتقدير فإن المربي سواء كان تدريسي أو ولي أمر هو فنان في طريقة إيصال المعلومات أياً كانت  إلى الطالب أو الطفل بشكل أو بأخر وأن أخفق في التوصيل فإن ذلك المربي أو المعلم يكون صغيرا في عين الطفل او المراهق الموهوب ولا يعد يستلم منه أي شيء ويكون له تمرد على كل ما يلقى له من صحيح أو خطاء .

أما الذين ينعم الله عليهم بتفكير أوسع منهم يتجهون لاستثمار مواهبهم بالاتجاه الصحيح كقيام أعمال ناجحة أو مشاريع ناجحة أو الاستفادة من مواهبهم في شتى ميادين الحياة فأنا أعرف مهندسين أصبحوا عازفين وأطباء اصبحوا مقاولين . وكثير من الناس الذين أوجدوا أبوابا نافعة لمهاراتهم للاستفادة منها فأنا أعرف طبيبا للأسنان فتح له مزرعة وتربية وتسمين الحيوانات وأصبح العيش في عيشة ترضي طموحه وأفكاره . وهكذا وليس كل من الموهوبين يندفعون اندفاعات خاطئة ولكن عمليات ترويضهم وتحويلهم إلى أشخاص نافعين بالمجتمع أفضل من انحرافهم إلى طرق سيئة

 

 

البحث مستل من كتاب تربية الشباب ج1 / لنفس الكاتب

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


البحث مستل من كتاب تربية الشباب ج1/ لنفس الكاتب


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق