]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

همس الثعابين

بواسطة: wilden  |  بتاريخ: 2012-08-19 ، الوقت: 22:55:55
  • تقييم المقالة:

همس الثعابين

بقلم: ولدان 

    

      تتابعت الصيحات بشكل متقطع حتى ظن الجيران أن مكروها ما قد حل ببيت العم سعيد، حاول الشبان فتح الباب الذي كان موصدا بإحكام من الداخل لكنهم لم يفلحوا، فاكتفوا بالاستمرار في الدق بقوة عل من بالداخل ينتبه ويفتح لهم الباب ليستطلعوا سبب هذا الصياح الذي يشبه إلى حد بعيد نداء الاستغاثة، وبعد برهة وجيزة من الزمن سمعوا صوت القفل وهو ينفتح ببطء، فتدافع الشبان إلى الداخل وقد سمت على وجوههم علامات الحيرة والهلع الممزوج بقليل من الفضول, وما إن ولجوا قاعة الاستقبال حتى وجدوا "دنيا" جاثية على ركبتيها وقد احمر وجهها وتورمت عيناها من شدة البكاء الذي أخذت حدته تقل شيئا فشيئا ، وبينما كانت لا تزال على حالها ذاك تئن تارة وتنوح تارة أخرى،  كان عمي سعيد مستلقيا بجانبها على بساط رفيع مصنوع يدويا من بقايا القماش والأغطية القديمة لا يحرك ساكنا، نظر الشبان في وجوه بعضهم البعض وفهموا أن الأمر يتعدى وجوب سرعة تدخلهم، فلقد فاءت روح عمي سعيد إلى خالقها وما بقي عليهم من واجب اتجاه ابنتيه سوى أن يهدئوا النفوس الثائرة ويضمنوا لهما حسن دفنه والاهتمام بتجهيزات العزاء.......

     كانت "دنيا" في تلك اللحظات لا ترى أحدا ممن هم حولها ولا تميز هوية الواقفين أمامها بل لم تكترث لهيئتها ولا لتصرفاتها التي كانت في بعض الأحيان تبدوا جنونية وغير معقولة تماما، فأحيانا تسترسل في البكاء وتلطم وجهها، وأحيانا أخرى تنهض مسرعة وتحاول الخروج من البيت إلى سقيفة العمارة لتصرخ بأعلى صوتها، وكأنها تريد بذلك أن تحسس الجميع بألمها الذي لم يطقه صدرها ليتشاركه معها الآخرون، أما أختها "شبيلة" فقد كانت هادئة بطريقة غريبة، فبالرغم من ألمها وحسرتها على والدها الذي خلفها وأختها وحيدتين بدون معين، إلا أنها استطاعت أن توكل إلى جارهم "الهادي" مهمة استخراج إذن الدفن من دار البلدية والاتصال بالحانوتي الذي قام بتغسيل والده قبل شهرين، وبعد أن تمكنت شبيلة من كبح جماح أختها الكبرى وتهدئتها تفرق الشبان من البيت ليفسحوا المجال  لجموع النسوة الآتي تدفقن إلى البيت ما إن سمعن خبر وفاة العم سعيد....

       مر الوقت بسرعة وانطفأت جمرة الحزن من قلب "دنيا" واستطاعت أن تتعايش مع واقعها الجديد، فقررت أن تواصل دراستها وتخرج إلى العالم لتذود عن نفسها بعد أن انقطع عنها ما كان يعيلها، وفي يوم من الأيام رجعت "دنيا" إلى البيت مسرورة تحمل بين بيدها بعض قطع الحلوى المجمدة التي تفضلها "شبيلة" وما إن فتحت لها الباب حتى علمت أنه حل بأختها أمر يسرها، فأسرّت في قلبها ما تكهنت به وانتظرت حتى تبادر "دنيا" فتخبرها به، وانتظرت ثم انتظرت وطال انتظارها إلا أن "دنيا" لم تفصح عن ما حدث معها وجعلها تبدوا سعيدة فرحة على غير ما عهدته منها في الأشهر الماضية، فأوجست "شبيلة" في نفسها خيفة  من أن تكون أختها الكبرى قد ألفت الانطواء واتخذت لنفسها طريقا غير الذي شبت عليه، فبالرغم من أنها تكبرها بأربع سنوات إلا أن "شبيلة" كانت دائما ما تتسم بالهدوء والرصانة والتعقل، فقليلا ما كانت تفصح عن مشاعرها وعن مخططاتها ومشاريعها، تميل دوما إلى لعب دور أكبر من سنها، فلطالما رافقت والدتها في حياتها إلى كل المناسبات الاجتماعية سواء كانت أفراحا أو أحزانا.... حتى أن تفكيرها ونمط حياتها كان يبدوا قديم الطراز لا يليق بشابة لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، فاشتد انغلاقها أكثر بعد وفاة والدها، حتى أنها لم تبارح باب المنزل بعدها سوى مرتين فقط !!.... وكانتا للضرورة القصوى.

وعندما همت "دنيا " للخلود إلى النوم تكلمت أخيرا وقالت لأختها: كنت أشكك دوما في ما يقولونه عادة عندما تحل المصائب تباعا على شخص ما ويستبشرون بحلول الفرج من بعدها ويرددون: "رب ضارة نافعة" لكنني اليوم تأكدت أن مصابنا في والدتنا ومن بعدها والدنا بفترة قصيرة قد جاء من بعده الفرج ، فاليوم تقدم جارنا الهادي لخطبتي وأنا التي كنت قد يئست من الزواج وأنا في مثل هذه السن.....

      أحست شبيلة بوخز مؤلم في قلبها كاد أن يوقفه عن النبض، نظرت لأختها وكأنها لم تصدق ما سمعته أذناها وقالت أتقصدين الهادي نفسه ابن عمي الطاهر رحمه الله؟؟؟؟؟

 دنيا: اجل ومن غيره، لقد وجدته أمام مدخل الشركة عندما كنت أهم بالعودة إلى المنزل، تحدث معي للحظات وكان مباشرا في سؤاله لي بطلب الزواج، وعلى ما أظن يا أختي فأنا لن أطيل كثيرا في البقاء معك في هذا البيت لأن "الهادي" قال أنه سيستعجل بكل المراسيم الضرورية بعد موافقتي طبعا لأكون زوجته.

 سألتها شبيلة بنبرة مستاءة وكأنها تتمنى من أختها أن تكون إجابتها بالرفض القاطع وقالت لها مترددة: هل قبلت عرضه بالزواج؟؟؟؟؟؟

   دنيا: بالطبع سأقبل، لكنني لم أشأ أن أرد عليه في حينها خشية أن يظن أنني فتاة متهورة ولا تفكر....

ارتاحت "شبيلة" قليلا من قلقها بعدما بث كلام "دنيا" في قلبها بعضا من الأمل وقالت لأختها بعدما رسمت على وجهها ابتسامة صفراء وقالت: حسن ما فعلت، عليك أن لا تتسرعي في قرارك، خذي كل وقتك.......

 

             طال جواب "دنيا" واحتار "الهادي" في السبب، أيا تراها مترددة؟؟؟ أم أن قلبها يحوزه شخص غيره؟؟ فكر "الهادي" طويلا ثم عقد عزمه على أن يقصد أختها "شبيلة" ويسألها ما بال أختها لم ترد على سؤاله وتركته في حيرة وقلق لأيام، فبالتأكيد سيجد عندها خبر اليقين.

 

        كانت الحيرة التي زرعتها "دنيا " في نفس "الهادي" هي نفسها "الحيرة التي أحست بها "دنيا" اتجاه موقف أختها كلما همت بإخباره بردها الايجابي وقبولها غير المشروط بالارتباط به، كانت "شبيلة" كل يوم تزيد من الضغط على أختها كي لا تتسرع وتعطي الرجل الجواب الشافي وكانت تنتهز أي فرصة متاحة لتزرع في قلب "دنيا" الشك في نوايا جارهم، فتلمح لأختها عن وجوب الحذر من الوقوع في فخ من يتربصون بالفتيات اللواتي تقدم بهن العمر ويستغلونهن ثم يرمونهن رمية الكلاب.

       

من جهتها كانت "شبيلة" أيضا واقعة في حيرتها وتعيش رعبا في نفسها مخافة أن تكتشف أختها ملعوبها أو تفشل خطتها في تفريقهما وإبعاد فكرة الزواج عن رأسيهما، فلطالما كانت "شبيلة" تظن في نفسها أن "الهادي" يهتم لأمرها هي، فقد كان قبلا يقصدها في أي أمر يحتاجه من والدها وظنت أنه بذلك يتحجج لمقابلتها، تنهدت في سرها وكتمت ما استنتجته من سوء تقديرها واستكبرت عن الحق وتعالت وتسارعت نبضات قلبها وازدادت حنقا على أختها وعلى ذلك المدعي الذي حسب ظنها استبدلها بـ "دنيا" بعدما اشتم من بعيد رائحة المال تلفها من كل جانب،  فهناك دخلها الشهري الذي مجزيا في سلم الرواتب والأجور.....

 وبينما هي تحدث نفسها بصمت دق الباب فحاولت أن تتجاهله لتتابع نسج أفكارها، لكن الطارق عاود الدق على الباب بإصرار، توجهت نحو الباب تطبع على وجهها ملامح الغضب والاستياء الشديدين وما ان فتحت الباب حتى تحولت تلك الملامح الضبابية فجأة إلى ابتسامة وردية عريضة، كان "الهادي" متوترا متذبذبا، تهرب الكلمات من فمه فيحاول جمعها في جمل مفيدة لتفهم "شبيلة" ما يريد وتحس بمدى قلقه وتساعده، طلب منها الاستفسار من أختها حول سبب تأخرها في الرد عليه وعزها في الطلب حتى كاد يترجاها، فأمسكت بيده واستغلت الفرصة لتوطد ثقته بها وقالت: لا عليك سأرى ما خطبها وأعلمك لكن.......

الهادي: لكن ماذا؟؟؟؟؟

شبيلة: كيف لي أن أجدك؟؟؟ فأنا لا أخرج من البيت إلا نادرا، كما أنني لا أتجرأ على الصعود الى بيتكم والبحث عنك لمحادثتك؟؟ !!!!

الهادي: آه...... صحيح، ليس في هذا أية مشكلة، سأترك لك رقمي الشخصي اتصلي بي في أي وقت تشائين، المهم عندي هو الحصول على جواب، وبالأخص جواب ايجابي.

نظرت إليه "شبيلة" وابتسمت وقالت:  لا تقلق، بإذن الله تعالى، لن يحصل إلا ما أريد....

     في وقت الظهيرة من اليوم الموالي اتصلت "شبيلة" ب" الهادي" وقالت له: لقد فكرت قبل ان أهم بالتحدث مع أختي حول موضوعك أن اقترح عليك شيئا ربما سيفيدك في التقرب من أختي إن أنا لمست منها ترددا من جانبها اتجاهك، وارتأيت لو أنني أتوسط بينكما وأكون حلقة الوصل بينكما فتتعرفا على بعضكما البعض بطريقة أفضل....ثم أضافت: أختي خجولة جدا وقد تفوت على نفسها فرصة التعرف على شخص طيب مثلك جراء خوفها وترددها.

    كنت أفكر في طريقة تجعلني أستطيع أن أقربها منك وأقربك منها من دون أن تشعر أو أن تحس...... ماذا لو أننا نتواصل يوميا واخبرك عنها كل ما تريد أن تعرفه واحكي لك عن طباعها ومزاجها في أوقات السعادة والغضب، ربما ستجد بذلك طريقة تستطيع من خلالها كسب ودها؟؟؟؟ عليك فقط بالصبر وأنا علي كل العمل....ما رأيك؟؟؟؟

     فكر "الهادي" قليلا في اقتراح" شبيلة" ولم يجد مانعا في مجاراتها مادام سيصل في النهاية الى هدفه ومراده..

كانت "شبيلة" تلعب بمهارة على الحبلين فتارة كانت تبث سمها في قلب أختها أتجاه "الهادي" وامثاله من الانتهازيين، وتارة أخرى كانت تحكي ل "الهادي" عن مساوء أختها أكثر من ايجابياتها بينما تبين له الفرق الشاسع بينها وبين "دنيا" بطريقة غير مباشرة لتجعله يعيد التفكير فيما يريد.

ومرت الأيام وأصبحت "دنيا" لا تحتمل رؤية " الهادي" ولو من بعيد، بينما كانت شبيلة تستغل ذلك الكره وتتقرب من جارها شيئا فشيئا حتى صار لا يطيق صبرا على قطع الحديث معها وتمادى في هواه حتى صار الكل يعرف بعلاقتهما الا اختها "دنيا".        

 وذات يوم وبينما "دنيا" في طريق العودة الى المنزل صادفته بمدخل البناية ولم يكن هناك من مخرج سوى تبادل الحديث معه، فتشجعت وسألته عن سبب غيابه وانقطاع اخباره ظنا منها أنها ستحرجه وتكشف ملعوبه ونواياه السيئة اتجاهها، فأجابها بسخرية أنه قد غير رأيه فيها وعدد لها خصالها السيئة الواحدة تلو الأخرى ظنا منه أنه يدافع عن اختياره السليم "شبيلة"الذي اكتشفه متأخرا....

دهشت "دنيا" وسألته عن مصدر معلوماته فأخبرها أنه يعلم تحركاتها بالبيت خطوة بخطوة وأن أختها انقذته من جحيم كان سيرمي بنفسه فيه من دون تفكير.... 

     تأسفت "دنيا" وقالت له بعدما تيقنت أن أختها قد غدرت بها: هنيئا لكما ببعضكما البعض، فأنا حتى وان كنت قد ظلمت على يد أختي ولكل شخص أسبابه، فأنا لا أحزن أبدا على شخص جعل من أذنيه مصبا لهمس الثعابين.    

                   

 

  • | 2012-09-20
    غاليتي ولدان ..
    تؤامة قلبي ,,حماك الله حيثما كنت ,,,
    اشتقت لك فلا سبيل لرؤياك الا من خلال الحرف هنا ,,واني لاشكر المولى لانها وسيلتي بايصال تحيتي وحبي لك فأنت ما زلت تلك الابنة والاخت التي تواصلت معها بفكر واحد رغم بعد المسافات
    هنا في القصة قضايا اجتماعية, طرحت بعضا منها في قصتك
    لن ادخل كثيرا لكن ,,,كانت لي رؤية في تلك الحكاية ,,تلك الانانية التي في طبع الناس,حاليا ليس لي  رد على القصة الان بسبب ضيق الوقت وتلك الاوجاع المستمرة ,,ستعود الى ما كتبتي ونرد فانت لي حرف قصصي يكتب ما اشعر
    محبتي واشواقي اكبر
    طيف

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق