]]>
خواطر :
ظللتنى تحت ظل السيف ترهبنى...حتى استغثتُ بأهل اللهِ والمَدَدِ... ( مقطع من انستنا يا أنيس الروح والجسدِ)...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رسالة إلى صديق مغترب .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-19 ، الوقت: 14:16:09
  • تقييم المقالة:

 

 

صديقي ( س ) :

منذ أمد طويل لم نتراسل ، كأنها القطيعة ، أو الجفوة ، أو النسيان ، أو الهجر ، أو الإهمال ... وأرجو أن لا تكون ولا واحدة من هذه الأسباب هي السبب الرئيسي ، والحقيقي ؛ فمازالت أصداء الذكريات الجميلة تتردد في جدران رؤوسنا ، وما زال عبير ما مضى من الصحبة يتضوع في قلوبنا ، من حين لآخر .

في إحدى الليالي ، التي لفني فيها القنوط والملل ، سطعت صورتك في ذهني ، واشتقت إلى صوتك وضحكك ؛ فالتجأت إلى رسائلك القديمة ، وشرعت في قراءتها ، واحدة ، واحدة ... لم أستطع أن أقرأ واحدة منها دون أن أقهقه ، وكنت أقهقه عاليا ، ووحدي في الغرفة ، كما لو كنت مجنونا ... ثم بعدها اجتاحتني نوبة من الحزن شديدة ، وغمرتني موجة من الكآبة مديدة ، وتحسرت على الأيام المنطوية ، والليالي المنطفئة ، والذكريات الحلوة ، والمغامرات المجنونة ، والأمسيات العطرة ، والأحاديث المسلية ، و... و... وتبين لي حقيقة أنه « من سره زمن ساءته أزمان » !!

صديقي ( س ) :

يحق لي أن أعاتبك عتابا وديا ؛ فلقد كتبت لك ، في كثير من الفترات ، فلم ترد ، ولكنه لا يطيب لي العتاب ، ولا أحسنه ، أو بالأحرى لا يطاوعني في هذا المقام ، وفي هذه اللحظة بالذات ؛ فـ ( الغايب حجته معاه ) ، كما يقول إخواننا المصريون ؛ فقد تكون لك حجتك ، وأعذارك ، ومبرراتك ، لتأخرك عن الكتابة ، ولا أحب أن أقول عدم الكتابة !!

( على أي ) ، وهي عبارتك الأثيرة ، التي كنت تستهل بها أحاديثك إلينا ، كلما اجتمعنا ، وتحدثنا ، واتفقنا ، واختلفنا ، ورضينا ، وغضبنا ، وغنينا ، ورقصنا ، وعربدنا ، وارتكبنا حماقاتنا الصغيرة والكبيرة ...

( على أي ) ، كيف هي أحوالك ؟ وما هي أخبارك ؟ وما آخر أعمالك ؟

وبكلمة أعم وأشمل : كيف هي حياتك ، في تلك البلاد السعيدة ، التي يعشق فيها أهلها الحياة أروع العشق ، ويقضونها بأفضل العيش ، ويستمتعون بها حق الاستمتاع ، بعد كل هذه الشهور الطويلة من الغربة والاغتراب ؟!

وقد يساورك الفضول بدورك ، وتسأل :

ـ وأنت ما هي حياتك ؟!

آنئذ سأضحك ملء أشداقي ، وأقول :

ـ وهل تركتني حيا ، أو مرتبطا بالحياة ، أو بأي حياة ، حتى تسألني عن الحياة ، أو عن حياة ؟!

حياتي ، يا صديقي عذاب ، وأصبحت عبئا في هذا الوجود ، وتفتش عن قبر يناسبها ـ أو لا يناسبها ـ كي ترقد فيه بسلام ، أو حتى بآلام ، فلم تعثر عليه بعد ؛ فهي قد اغتسلت ، ولفت في كفن ، وصلى عليها الحاضرون ، وتركوها بلا قبر يضمها ... وذلك هو عذابها الأكبر والأخطر !!!

فلسفة ؟! : لا .. !

هذيان ؟! : ربما .. !!

جنون ؟ !: ممكن .. !!

ولكنها الحقيقة !!!

فهاهو شاعرك المفضل ، نزار قباني (1998/1923) ، يقول :

« لم تعد مشكلة الإنسان العربي أن يجد شقة يسكن فيها ، أو يتزوج فيها ، أو ينهي أيامه الأخيرة فيها .. إن المشكلة الكبرى التي يواجهها المواطن العربي هي أن يجد قبرا يدفن فيه .. فالأنظمة العربية ترفضك حيا ، وترفضك ميتا ... » .

ولعمري ، كم كان الروائي المصري ، أبو المعاطي أبو النجا ، بارعا ورائعا حين طرح في روايته ( الكلمات المتقاطعة ) ، هذا التساؤل الحاذق والخبيث :

« لماذا يحرص الناس على الموت في بلادهم ، مع أنهم أقل حرصا على الحياة فيها . أليس ذلك نوعا من الأنانية ؟! أم أنه ضرب جديد من الوطنية ؟! » .

ما رأيك ؟! وهل لديك لهذا التساؤل جواب واحد مقنع ؟ ...

صديقي ( س ) :

أتذكر أني حدثتك يوما ، في إحدى الرسائل الماضية ، حديثا عن الشباب ؟

عـد إلى ذلك الحديث مرة ثانية ، واقرأه من جديد ، وتصوره بوضوح أشد ، واستوعبه جيدا ؛ فما زلت مصرا على ذلك الحديث البائس ، اليائس ، ذي الشجون ، ومصمما على كل ما جاء فيه من ضيق ، وسخط ، وتذمر ، وإحباط ، وانكسار ، وانطواء ، واكتئاب ، وموت ... فلا يجب أن نضحك على أنفسنا ، وأن نتجاوز الحقائق ، ونقدم الشهادة الزور .. نعم ، نحن محبطون ، على رغم شرارات الأمل .. بعيدون عن الفعل ، طاقات معطلة ، وإمكانيات مهدرة ؛ لأن كل شيء أصبح حكرا على فئة واحدة ووحيدة . عجزنا عن الحلم والخيال .. عن النظر قدما إلى الأمام ؛ فكل شيء راكد ، والتغيير أصبح من المستحيلات . فإذا كان الشعراء ، قديما ، يأسفون على الشباب ، ويتمنون أن يعود ، فنحن ـ على العكس ـ نأسى عليه ، وندعو الله بكرة وأصيلا ، أن يفوت !!

وهذه مفارقة عجيبة ، مضحكة ، مبكية ؛ لأننا ، بكل بساطة ، لا تفيدنا هذه المرحلة المهمة من حياتنا ، ولا نفيدها .. ولا تحسن إلينا ، ولا نحسن إليها .. ولا نعرفها أصلا ، ولا تعرفنا قبلا !!

إياك ، ثم إياك أن تسألني عن الدراسة ؛ فقد غدوت كأنني لم أدرس قط .. !!

وأن تسألني عن العمل ؛ فإنني لا أعمل بعد ، ويبدو أنني لن أعمل عوض ( وللإشارة فعوض هذه تفيد الزمن المطلق ، وتعرب في النحو مفعول مطلق ) .. !!

وأن تسألني عن الحب ؛ فإنني لا أؤمن به ؛ فالحب يا صديقي كالحزن لا يعيش إلا لحظة البكاء .. أو لحظة الشبق . الحب بالفطنة اختنق !!

وإياك أن تسألني عن المستقلب ـ أقصد المستقبل ـ ؛ فإنني لا أفكر فيه إطلاقا ؛ وإلا كنت في عداد المجانين ، أو المفقودين ، أو المجرمين ، أو المنتحرين .. !!

وعن الأمل ، أو الرجاء ، ( أتذكر رجاء ؟ ) ؛ فإنني لا أصبو إليه ، أو إليها ؛ ( فرجاء قد تزوجت  !!) ، ولا تعذلني إن يئست فإنني أرى اليأس أعلى من رجاء المذلل !!

وحتى أسطورة قديمة تحكي أن آلهة الإغريق أرسلوا إلى إله آخر كانوا يكرهونه ، ويريدون أن ينتقموا منه ، حواء ومعها هدية ، عبارة عن صندوق ، وضعوا فيه كل شرور الإنسانية : المرض ، والفقر ، والجهل ، واليأس ... فتزوجها ذلك الإله الذي أعجب بها وأحبها، وقدمت له الصندوق ، وفتحه ، وخرجت كل الشرور ، ولكنه أقفل الصندوق في آخر لحظة .. أقفل الصندوق على شيء هو : الأمل .. الأمل في القضاء على المرض ، والفقر ، والجهل ، واليأس ...

وإياك أخيرا أن تسألني عن الحياة . وإن سألت سأضحك مرة أخرى ، أو سأبكي ، فسوف أقول : إنني لا أعيشها ، لا أعيشها ... !!!

صديقي ( س ) :

وداعا .. وإنا لله وإنا إليه راجعون .

انتبه : فقد يسحبك صديق مخلص إلى دائرة الاكتئاب ، العدو لا يفعل ذلك !!

ودمت سعيدا في البلاد السعيدة . 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق