]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صديقي بروميثيوس .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-18 ، الوقت: 11:17:14
  • تقييم المقالة:

 

 

 

« حسن » هو نافذتي الوحيدة ، التي أشرعها كل نهار على العالم ؛ لأشاهد ما يجري من أحداث وحوادث ، وأتابع ما يتم من خطوب وطرائف ... من خلالها أكون على علم وبينة ، بما يزاوله الناس وغير الناس ، وبما يكونون عليه من أحوال وأهوال ، وبما يأتون ويدعون من أقوال وأفعال ... وأنا أعتبر نفسي مدينا له بأشياء كثيرة ؛ فلولاه لما اطلعت على مختلف الجرائد الوطنية ، والصحف العربية ، وعلى أنواع المجلات والدوريات ، التي تأتي من كل أطراف المعمورة ... ولعل العرب ، هم وحدهم ، الذين رددوا هذا المعنى الجليل ، عرفانا منهم بالجميل : « من علمني حرفا صرت له عبدا » !!

فأنا لسوء حظي ، أشكو من مرض ( فقر المال ) ، الذي نتج عن ( شلل العمل ) ، ومصاب في نفس الوقت بشهية مفتوحة إلى القراءة ، إلى درجة النهم ، يطلق عليها الأطباء اسم ( البوليميا ) ...!!

ولست أضيق من هذه ( البوليميا ) ، أو أشكو منها ؛ لكوني أؤمن أن « القراءة والمعرفة هي إحدى الانتصارات القليلة ، التي يمارسها الإنسان مع نفسه ، في وقت تكاثرت فيه المعارك الخاسرة » !!

وقد أقضي يوما كاملا دون طعام ، ولكن لا أقضيه دون مطالعة ... ولا أحد يموت جوعا ، ولكن كثيرين يموتون جهلا ؛ وهو أخطر أنواع الموت في حضارتنا المعاصرة ...!!!

والجوع ، على رغم بعض المآسي الإنسانية ، التي تشهدها بعض البلدان والقارات ، وعلى رغم بعض الثورات والانتفاضات ، التي أثارها في الماضي ، والتي سميت في سجلات التاريخ ( ثورات الخبز ) ، لم يكن أصلا ، في يوم من الأيام ، مشكلة أساسية ، حقيقية ، وإنما المشكلة مشكلة سياسات ، ومشكلات الإنتاج وإعادة الإنتاج ، والصرف غير العقلاني ، وسيئات الأنظمة الاقتصادية ، وفشل التطوير الزراعي ، والتوزيع السيئ للثروات ، والإدارة غير الرشيدة للموارد ، و... و... فهو نتيجة لكل هذه السلبيات ، ولا يكون مشكلة في حد ذاته إلا عند الذين يفكرون ببطونهم ، ويقيسون الأحوال ، والظروف ، والأوضاع ، بأمعائهم ومصارينهم الغليظة ...!!!

أما الذين يفكرون بعقولهم ، ويحسنون التفكير ، فإنهم بإمكانهم أن يحلوا جميع المشاكل ، ومن بينها مشكلة الجوع هذه ، والتي يسببها أصحاب البطون ( المفكرة ) ، والجشعة ، والنهمة .

ولكن الجهل يكون مشكلة ، وأي مشكلة ، يستعصى على الحل ، إذا انتشر على نطاق واسع ، واستفحل بين أوساط الناس ، وتمكن منهم تمكنا عظيما ، وحينئذ لا يمكن القضاء عليه إلا بالقضاء على هؤلاء الجهلة الجاهلين أنفسهم .. !!

وقديما قال الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم التغلبي :

ألا لا يجهلن أحد علينا

فنجهل فوق جهل الجاهلينا .

كما قال هرمس الحكيم :

ـ من عرف الجهل كان عاقلا ، ومن جهله كان جاهلا ، ومن جهل صورة الحكمة جهل صورة ذاته ، ومن جهل ذاته كان بغير ذاته أجهل .

وبذلك تشتعل المعارك ، وتنشب الحروب ، وتحدث الفتن والكوارث ، وتسقط الضحايا ، وتجري الدماء على الأرض ... غير أنه للفجيعة الكبرى ، والسخرية المرة ، يكون أغلب الضحايا من الذين قد يقضون أيامهم دون طعام ، ولا يقضونها دون مطالعة !!!

وأعود إلى « حسن » ، وأشهد أنه طبيبي الرحيم ، أزور عيادته ( مكتبة الهلال ) ، كل صباح أو مساء ؛ فيمد لي كف الرحمة والشفاء ، ويسعفني بالعلاج والأدوية ( الجرائد والمجلات ) ، ويفعل ذلك دون أن يقبض مني ثمن أتعابه ، ومتاعبه !!

أقول : « متاعبه » ؛ لأن حسن ليس سيد المكتبة ، وإنما هو يعمل فيها خادما ... وعليه ، فإنني في هذا المقام أجد كلمة ( خادم ) خيرا من كلمة ( سيد ) ؛ فسيد الناس خادمهم !!!

وبسبب تعامله الشهم هذا ، يحلو لي أن أشبهه بـبروميثيوس ، ذلك الكائن الأسطوري ، الذي كان الإله زيوس يستخدمه في خلق الناس من الماء والطين ، وقد شعر بالعطف نحو البشر ، فسرق لهم النار المقدسة ، نار ( المعرفة ) من السماء ، وأعطاها لهم !!!

وهذا لا يعني أن « حسن » يخون مستخدمه ، ويسرقه ... كلا على الإطلاق ؛ فهو من هذه الناحية شخص نظيف ، عفيف ، وشريف . وإنما هو يعير لي ما أحب أن أقرأه ، وأطلع عليه ، على أساس أن أعيد ما آخذه بسرعة ، وقبل أن يحزم المرجعات ، ويسلمها بعد مراجعة الأعداد ، وحساب المبيعات ، إلى شركات التوزيع ...

إنه بروميثيوس من نوع آخر : ذكي ، ووفي ، ومخلص لجميع الأطراف ؛ بحيث يوفق بين تفانيه في خدمة الإله زيوس ، وبين عطفه نحو البشر ، ولا يعرض نفسه لنقمة الإله وغضبه ، فيعاقبه على ذلك ، بأن يقيده بالسلاسل ، في جبال القوقاز ، ويوكل به نسرا ، يرعى كبده طول اليوم ، وتتجدد الكبد ، في أثناء الليل ، ليتجدد عذابه في النهار !!

إن الكتب والأسفار ، وسواها مما تخطه أيمان الأدباء والمفكرين والفلاسفة ، هي وحدها التي تذهب عني وحشة المكان ، وضيق الزمان ، وتنسيني كدر الحياة ، وقسوة الأنام ، وتخفف عن فؤادي شيئا من وطأة الأحزان الشديدة ، وتزيح عن كاهلي قليلا من ثقل الهموم العنيدة ... ولولاها لضقت ذرعا بالحياة والناس ، بقوة عاتية ، قد تدفعني ، في بعض الأحيان ، إلى التفكير في إزهاق روحي ، أو اختيار الوحدة ، وهجر الأقارب والمعارف كل الهجر ، كحل وملاذ ؛ لأنني في أعماق باطني أمقت الحياة ، وأخشى المستقبل ، وأتقي شرور الناس ... لذا أجد نفسي ، على رغم الفاقة والخصاصة ، أقتني الكتب بإفراط واضح ، وألتهمها بنهم بين ، آناء الليل وأطراف النهار ، عسى أن أنسى أحزاني ، وأتخلص من همومي ، وأسلم من الشر والأذى ... ولكن هيهات ، هيهات ؛ فالكتاب ليس دائما خير جليس في الزمان ، كما قال المتنبي ( 303ه/354ه) ؛ وإنما الجليس الطبيعي هو الإنسان !!

ولكن أعود ، وأتساءل ، من جديد :

وأنى أجد الإنسان / الإنسان .. وليس الإنسان / الشيطان .. أو الإنسان / الحيوان ؟!    


... المقالة التالية »
  • لطيفة خالد | 2012-08-22
    لا شىء اروع من صحبة الاخيار والكتاب وان كان خير جليس الا انه لا بديل للانسان هو روح متوقدة ....اخي الخضر مقالك ملىء بالعظات والعبر واذكرك يا من طوعت الكلام لصالح المعلم  بمقال الصالون الثاني للاستاذ احمد عكاش غدا الخميس .....
  • أحمد عكاش | 2012-08-19
    بسم الله الرحمن الرحيم

    كل عام وأنتم  والأمّة المسلمةبألف خير

    أعاده الله عليكم باليُمنِ والبركة والسلام عليكم ورحمة الله.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق