]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اللغة و السياق « قصائد متوحشة » نموذجا ٢

بواسطة: NAZHA MOUATAZ BILLAH MENDES PAULA  |  بتاريخ: 2012-08-16 ، الوقت: 21:38:27
  • تقييم المقالة:

إن ميلنا إلى القول بأن الشعر انزياح عن المعيار كما هو ممثل في البلاغة الحديثة يفقدنا متعة الكشف عن العلاقات القائمة بين المفردات، لذلك سنعمد إلى اتجاه آخر يمكننا من تلمس مجمل العلاقات
التي يتشكل بها النص الشعري :  الأسلوبية
 لقاد أثرت نظرية النظم عند الجرجاني في النقد العربي،  لأنها جعلت من الفتنة و الإدهاش و الحسن
مرجعا لقراءتها. و بدورنا سنلجأ إلى هذه المرجعية للوقوف على العلاقات الرابطه بين الكلمات.
  و لكن قبل هذا ما هو السياق؟
  السياق كما يحدده ميشال ريفاتير: « نموذج لسني مقطوع بواسطة عنصر غير متوقع، مما يخلق
يحساسا بالتضاد داخل السياق. و لعل القيمة الأسلوبية لهذا التضاد لا تمكن في اعتباره عنصرا تفكيكيا، و إنما في العلاقات الرابطة بين العنصرين اللذين يتصادمان، فليست هنالك قيمة أسلوبية
دون اشتراكهما  معا في نص ما» (٢)
 ين تحديد ريفاتير للسياق سيمكننا من إدراك الآله التي شغلها نزار قباني من أجل  حياكة نصوصه
الشعرية:
  ١ ـ « كوني واثقة  سيدتي
 سيحبك آلاف غيري و ستتسلمين بريد الشوق
 لكنك لن تجدي بعدي
 رجلا يهواك بهذا العرق
 لن تجدي أبدا
 لا في الغرب
 و لا في الشرق» ( ص ٦٤)
٢ ـ « آه ...يا حريه أرسلها البحر  إلي
 آه يا رمحا  بأعماقي، و يا جرحي الطري
 آه يا رمحا بأعماقي، و يا جرحي الطري
 آه ..يا ناري
 و أمطاري
 و يا قرع الطبول الهمجي » (٥٩ )
 ٣ ـ « لن أطلب منك المنفى
 فيداك هما المنفى
 و هما أروع أشكال الحرية
 أنت السجان و أنت السجن
 و أنت قيودي الذهبية» ( ٤٢ )
 إن هذه النماذج  تتميز بسمات متعددة و لكننا سنقتصر في هذه المرحلة الأولى على رصد الإنقطاع
الناتج عن تنافر دلالي، إذ أن لا شيء  في ( أ ) الجملة الأولى يوحي بانتظار الجملة المتنافرة ، فيحس
القارىء بتنافر بين المقطعين يتطلب منه إعمال التأمل
 السياق           ـــــــــــــ           بداية  الانققطاع       ــــــــــــ         أساس الإنقطاع منطقيا
  يحبك آلاف غـيري ـــــــــ  لكنك لن تجدي بعدي رجلا   ـــــــــــ             الحب/ اللاحب
 آ...يا ناري      ــــــــــــ              و أمطاري            ــــــــــــــــــ        النار/ االأمطار
 يداك هما المنفى ـــــــــــ   و هما أروع أشكال الحرية  ـــــــــــــــــ              المنفى / الحرية
 نستخلص من هذا العرض أن الإنقطاع يفترض وجود قطبين ( أ ) و ( ب ) : السياق و التركيب
المضاد. و نلاحظ أن القطب ( ب ) يفاجىء القارىء بخرقه لبنية التوقع. و هو بذلك يستولي على دلالات القطب ( أ )  و يشطبها . و القطبان معا يفجران دلالات السياق في تركيب لفظي نحصل من
خلاله على المعادلة التالية كما يوضحها ريفاتير:
  س أ = س + م
 إن ريفاتير فطن إلى تركيبة النص الشعري و ما يميزه من تنوع دلالي، لذلك فقد لجأ إلى مصطلحين مهمين يحددان كيفية التنقل و أهميته في تقويه  الدلالات التي يطرحها الشاعر: و هذان المصحلحان هما  السياق الالأصغر و السياق الأكبر.
 
    السياق الأصغر:
  السياق الأصغر يتكون من العناصر التي تنتج التنافر بالقياس إليها، أي التي نستطيع بواسطتها معرفة مكامن اللاتوقع، و بذلك يمتلك السياق الأصغر ثلاث خصائص  جوهرية .
 ١ ـ  الوظيفة البنيوية، لأن قطب لمجموعة ثنائية تتعارض مكوناتها .
 ٢ ـ ليس له تأثير بمعزل عن القطب الآخر.
 ٣ ـ إنه محدود في المجال بعلاقته مع هذا القطب (٣)
 و للسياق الأصغر حالتان:
 الحالة الأولى: الشذوذ بالقياس إلى لفظة أو تركيب يقدمة  السياق نفسة،حيث يتحول هذا الشذوذ إلى تضاد
(٤)
  إن الحالة الأولى للسياق الأصغر يتميز ببروز اللتوقع، أي الحصول النفي الدلالي و ليس النفي اللفظي.
  و إذا قمنا باستعاده النماذج الشعرية السابقه نحصل على
 دلالات السياق الأصغر       ــــــــــــــــــــــــــــــــــ             العنصر الغير متوقع
  سيحبك آلاف غيري = وفرة المحبين    ــــــــــــــــ    لن تجدي بعدي رجلا = انعدام المحبين
 آه.. يا ناري = الوهج و السخونة و الحرقة  ــــــــــ   و أمطاري = الماء و السيولة و الخصب
 يداك هما المنفى = القوة والطغيان     ــــــــــ    هما أروع أشكال الحريه=الرقة و الحنان و التسامح
 من خلال النماذج السابقه  يتضح الموقع الذي يحتله السياق الأصغر في تبيان عناصر التنافر و اللاتوقع. فهو متتالية لفظية ـ  نموذج لسني متسلسل ـ تخلخلها لفظة أخرى تخلق التشويش في السياق و تزعزع بنية الفهم لدى القارىء.
  لكن لماذا يعمد الشاعر إلى عدم إيضاح الدلالة مباشرة دون خلق التشويش لدى القارىء؟
 لا يجب أن ننسى أننا أمام نوع أدبي متميز هو الشعر. و الشعر لا يخفي إلا لكي يكشف، و لا يجب إلا لكي يبين. و لكن قبل ذلك علينا أن نمر عبر طقس رفع النقاب و معاينة اللمعان و مناطق الجمال.
 فالشاعر في لحظة القول المختمر الذي يشكل بؤرة وعيه و إدركه، يتمنى على القارىء أن يحس بكل العناصر التي تتحرك في عالمه الشعري بنفس الحساسية التي حركته هو بالذات. و من ثمة كان التركيز على العنصر اللامتوقع لتحريك الشهية و تحريك الخيال.
    السياق الأكبر
 يمكننا أن نعرف السياق الأكبر بكونه جزأ  من الططاب الأدبي الذي يسبق الحدث  الأسلوبي و يتموضع خارجه.
 إن أهميه السياق الأكبر تبدو واضحة حين تبرز الحدث الأسلوبي، كما أنها تدعم الأثر الأسلوبي و تقويه .إنه يوسع المضاد المبني من طرف السياق الأصغر و يتحكم في التأثيرات التي تنجم عن السمات الأسلوبية، إما بخلق فسح فيما بينها أو رد هذالفسح بحيث يتحول التكتل السمات الأسلوبية إلى إشباع تتحقق بواسطته المتوالية الأسلوبية
 إن أهميه السياق الأكبر تبدو واضحة حين تبرز الحدث الأسلوبي، كما أنها تدعم الأثر الأسلوبي و تقويه .إنه يوسع المضاد المبني من طرف السياق الأصغر و يتحكم في التأثيرات التي تنجم عن السمات الأسلوبية، إما بخلق فسح فيما بينها أو رد هذالفسح بحيث يتحول التكتل السمات الأسلوبية إلى إشباع تتحقق بواسطته المتوالية الأسلوبية.
 و السياق الأكبرحالتان يتميز أحدهما بعودة السياق إلى الظهور مباشرة بعد الحدث الأسلوبي، ويتميز الثاني بكون الحدث الأسلوبي فيه يمنع السياق الأكبر من العودة إلى الظهور و بشكل نقطة انطلاق لأحداث أسلوبية مماثلة له. و نتيجة الإشباع الي تحدش تتحول إلى مجرد سياق يمهد لظهور حدث أسلوبي آخر.
 إن الحالة الأولى للسياق التي  يعود فيها مباشرة بعد الحدث االأسلوبي قد لا تكون عودة نهائية بل غالبا  ما تشكل نقطة انطلاق لحدث أسلوبي آخر.
 سنحاول أن نضع خطاطة لهذين  النمطين من السياق الأكبر لتحقيق فهم  أشمل : النمط الأول سنشير إليه بحرف ( أ ) و النمط الثاني بحرف ( ب )
    أ)   س   ك  ـــــــــــــــــ    ح        س  ـــــــــــــــــــــ   س ك
         س   ك  ـــــــــــــــــ    ح        س  ــــــــــــــــــ س ك نقطة انطلاق لحدث جديد
    ب) س   ك ــــــــــــــــــــــــ ح  س   ــــــــــــ ح س  ـــــــــ ح س  ـــــــــــ  إشباع ــــ ح س.
 
 ما نلاحظه على الديوان هو أن نمطي السياق الأكبر لا يتميزان بوضوحها، ذلك أننا نجد قصيدة مثلا « مع بيروتية » لا تخلو من تراكب بين وجهي السياق الأكبر:
 « بيروت تغيب بأكملها رملا،
 و سماء، و بيوتا،
 تحت الجفنين المنسبلين:
 بيروت. أفتش عن بيروت
 على أهدابك و الشفتين
 فأراها طيرا بحريا
 و أراها عقدا ماسيا
 وأراها إمرأة فاتنة تلبس قبعة من ريش
 تشبك دبوسا ذهبيا،
            ( ص ٧٤/٧٥ )
 إن السياق « تغيب بأكملها » يخترق مباشره بواسطه المضاد « فأراها ». و ما نستطيع تأكيده في هذا
النموذج هو أن السياق الأكبر كلما كان قويا عاد إلع الظهور.
 لقد تجمعت لدينا مجموعه من المعايير الملتوية و المتنافرة، سنحاول معالجة هذه التعابير من قرب لفهم بلاغة الانزياح.
 و ما نود تحقيقه في محاولتنا التحليلية هو اكتشاف الطريقة التي تمكن القارىء من الانتقال من مرحلة
التنافر و التضاد إلى مرحلة المجاز، التي من خلالها يستطيع المتنافر و المضاد أن يحقق انسجاما
و تلاؤما مع السياق. و هو ما يطلق عليه جون كوهن التنافر و مجال آخر خارج الجملة يسميه كوهن بانعدام الاتساق.
 حينما نذكر جون كوهن فإننا بذلك نعلن عودتنا إلى البلاغة المعاصرة، لكن قد يسأل القرىء لماذا
هذا التنقل بين البلاغة المعاصرة و الأسلوبية؟
 إن الأسلوبية في حقيقة الأمر تتجاوز البلاغة « ينها تدرس في الخطاب اللسني عناصره التي استعملت لتفرض على فاك الرموز طريقه التفكير مركب الرموز، بمعنى أنها تدرس فعل التواصل ليس باعتباره حاملا لبصمات شخصية المتكلم و باعتباره مثيرا لاهتمام المتلقي. »
 من ثمة فالأسلوب هو « معطى فيزيقي ملتصق بذاتية الكاتب و بصميميته السرية إنه لغة الإحشاء،
الدفقه العزيزية المنبثقة من ميثولوجيا « الأنا » و من أحلامها  و عقدها و ذكرياتها، لذلك فإن الأسلوب هو ما يكشف روعه الكاتب و طقوسيته « ينه سجنه و عزلته » (٥)
 بذلك يتميز الأسلوب الشعري بسمات بلاغية، هذه السمات تتكون من التضاد الدلالي كما يحدد ذلك
جون كوهن.
 ما هي الركائز  التي ينطلق منها جون كوهن في تحليله البلاغي؟ : إن  هذه الركائز هي ثمرة زواجج شرعي بين المنطق ممثلا في بلانشي و اللسانيات ممثلة في غريماس حيث يتفقان على وجود تنظيم سداسي للبنية العقلية و البنية الأصلية للدلالة. و من ثمة فهو يرى أن التراكيب التي ننجزها لا تخرج على الشكل السداسي التالي:
                                           التناقض القوي
                           كبير(أ)                 (س) صغير
                                 لا (س)           لا (أ)

                                            متوسط
 نستشف من التنظيم السداسي أن جون كوهن يحدد درجتين في التضاد، فالصيغة « صغي » هي نفي قوي ل « كبير »، في حين أن « متوسط » هي النفي الضعيف للإثنين معا. إذن فالصيغتان «كبير »
و « صغير »، يشكلان قطبي التضاد القوي، في حين تشكل الصغة « متوسط » القطب المحايد، و يمكن أن يشار إليه  بنفي مزدوج هو « لا صغير و لا كبير » من أجل الكشف عن هذه  السمات سنستعمل بعض العلامات المساعدة في التحليل (أ) و (ج) و هما تحصل على  الخطاطتين التاليتين:
( س أ ): سمة أسلوبيه):
   س أ  = (أ) # (ج)
  تضاد = (+) #  (ـــ)
 


2_ Essai de stylistique structural= seuil p 57 _ m : Riffaterre 

3 _  نفسه ص  69

4 _  نفسه ص 80

5_  رولان بارث ـ الدرجة الصفر في الكتابة ـ ترجمة محمد برادة ص 13
 

 

 

13 رولان بارث ـ الدرجة الصفر في الكتابة ـ ترجمة محمد برادة ص  13  13    1313


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق