]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صوت الذهب القيثارةمن السماء الشيخ عبدالباسط عبدالصمد

بواسطة: احمد سيد محمود  |  بتاريخ: 2012-08-14 ، الوقت: 16:16:38
  • تقييم المقالة:
صوت الذهب القيثارةمن السماء
الشيخ عبدالباسط عبدالصمد
بقلم احمد سيد محمود
ولادته ونسبه : ولد القارىء الشيخعبدالباسط محمد عبدالصمد عام 1927 بقرية المراعزة التابعة لمدينة أرمنت بمحافظة قناآنذاك (الأقصر ) الآن . حيث نشأ في بقعة طاهرة تهتم بالقرآن الكريم حفظاً وتجويدا ..فالجدالشيخ عبدالصمد كان من الأتقياء والحفظة المشهود لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويدهبالأحكام , .. والوالد هو الشيخ محمد عبدالصمد , كان أحد المجودين المجيدين للقرآنحفظا وتجويدأ.
 كان ميلادهبداية تاريخ حقيقي لقريته ولمدينة أرمنت التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه. التحقالطفل الموهوب عبدالباسط بكتّاب الشيخ الأمير بأرمنت فاستقبله شيخه أحسن ما يكونالإستقبال , لأنه توسم فيه كل المؤهلات القرآنية التي أصقلت من خلال سماعه القرآنيتلى بالبيت ليل نهار بكرة وأصيلا. لاحظ الشيخ (( الأمير )) على تلميذه الموهوب أنهيتميزبجملة من المواهب والنبوغ تتمثل في سرعة استيعابه لما أخذه من القرآن وشدةانتباهه وحرصه على متابعة شيخه بشغف وحب , ودقة التحكم في مخارج الألفاظ والوقفوالابتداء وعذوبة في الصوت تشنف الآذان بالسماع والاستماع .. وأثناء عودته إلىالبيت كان يرتل ما سمعه من الشيخ رفعت بصوته القوي الجميل متمتعاً بأداء طيب يستوقفكل ذي سمع حتى الملائكة الأبرار.

يقول الشيخ عبدالباسط في مذكراته: (( .. كان سني عشر سنوات أتممت خلالها حفظ القرآن الذي كان يتدفق على لساني كالنهر الجاريوكان والدي موظفاً بوزارة المواصلات , وكان جدي من العلماء .. فطلبت منهما أن أتعلمالقراءات فأشارا علي أن أذهب إلى مدينة طنطا بالوجه البحري لأتلقى علوم القرآنوالقراءات على يد الشيخ (( محمد سليم )) ولكن المسافة بين أرمنت إحدى مدن جنوب مصروبين طنطا إحدى مدن الوجه البحري كانت بعيدة جداً . ولكن الأمر كان متعلقاً بصياغةمستقبلي ورسم معالمه مما جعلني أستعد للسفر , وقبل التوجه إلى طنطا بيوم واحد علمنابوصول الشيخ محمد سليم إلى (( أرمنت )) ليستقر بها مدرساً للقراءات بالمعهد الدينيبأرمنت واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به لأنهم يعلمون قدراته وإمكاناتهلأنه من أهل العلم والقرآن , وكأن القدر ساق إلينا هذا الرجل في الوقت المناسب.. وأقام له أهل البلاد جمعية للمحافظة على القرآن الكريم (( بأصفون المطاعنة )) فكانيحفظ القرآن ويعلم علومه والقراءات . فذهبت إليه وراجعت عليه القرآن كله ثم حفظتالشاطبية التي هي المتن الخاص بعلم القراءات السبع.

بعد أن وصل الشيخعبدالباسط الثانية عشرة من العمر إنهالت عليه الدعوات من كل مدن وقرى محافظة قناوخاصة أصفون المطاعنة بمساعدة الشيخ محمد سليم الذي زكّى الشيخ عبدالباسط في كلمكان يذهب إليه .. وشهادة الشيخ سليم كانت محل ثقة الناس جميعاً.

زيارتهللسيدة زينب في ذكرى مولدها : في عام 1950م ذهب ليزور آل بيت رسول الله (ص) وعترتهالطاهرين وكانت المناسبة التي قدم من أجلها مع أحد أقربائه الصعايدة هي الإحتفالبمولد السيدة زينب .. والذي كان يحييه عمالقة القراء المشاهير كالشيخ عبدالفتاحالشعشاعي والشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ عبدالعظيم زاهر والشيخ أبوالعينين شعيشعوغيرهم من كوكبة قراء الرعيل الأول بالإذاعة. بعد منتصف الليل والمسجد الزينبي يموجبأوفاج من المحبين لآل البيت القادمين من كل مكان من أرجاء مصر كلها .. إستأذن أحدأقارب الشيخ عبدالباسط القائمين على الحفل أن يقدم لهم هذا الفتى الموهوب ليقرأ عشردقائق فأذن له وبدأ في التلاوة وسط جموع غفيرة وكانت التلاوة من سورة الأحزاب .. عمالصمت أرجاء المسجد واتجهت الأنظار إلى القارىء الصغير الذي تجرأ وجلس مكان كبارالقراء ..   فأقبل يتلو من قوله تعالى في سورة الأحزاب: "إن الله وملائكتهيصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما" وفتح الله عليه،وأسبغ عليه من نعمه، فكأنه لم يقرأ من قبل بمثل هذا الأداء، فجذب الأسماع، وأرهفتواجتمعت عليه القلوب وخشعت، وسيطر صوته الندي على أنفاس الحاضرين، فأقبلوا عليه وهملا يصدقون أن هذا صوت رجل مغمور، ساقته الأقدار إليهم فيملؤهم إعجاباوتقديرا. ولكن ما هي إلا لحظات وانتقل السكون إلى ضجيج وصيحات رجت المسجد (( اللهأكبر )) , (( ربنا يفتح عليك )) إلى آخره من العبارات التي تصدر من القلوب مباشرةمن غير مونتاج.. وبدلاً من القراءة عشر دقائق امتدت إلى أكثر من ساعة ونصف خيلللحاضرين أن أعمدة المسجد وجدرانه وثرياته انفعلت مع الحاضرين وكأنهم يسمعون أصواتالصخور تهتز وتسبح بحمد ربها مع كل آية تتلى بصوت شجي ملائكي يحمل النور ويهزالوجدان بهيبة ورهبة وجلال.

الشيخ الضباع يقدم الشيخ عبدالباسط للإذاعة : معنهاية عام 1951 طلب الشيخ الضباع من الشيخ عبدالباسط أن يتقدم إلى الإذاعة كقارىءبها ولكن الشيخ عبدالباسط أراد أن يؤجل هذا الموضوع نظراً لارتباطه بالصعيد وأهلهولأن الإذاعة تحتاج إلى ترتيب خاص . ولكن ترتيب الله وإرادته فوق كل ترتيب وإرادة. كان الشيخ الضباع قد حصل على تسجيل لتلاوة الشيخ عبدالباسط بالمولد الزينبي والذيبه خطف الأضواء من المشاهير وتملك الألباب وقدم هذا التسجيل للجنة الإذاعة فانبهرالجميع بالأداء القوي العالي الرفيع المحكم المتمكن وتم اعتماد الشيخ عبدالباسطبالإذاعة عام 1951 ليكون أحد النجوم اللامعة والكواكب النيرة المضيئة بقوة في سماءالتلاوة.

بعد الشهرة التي حققها الشيخ عبدالباسط في بضعة أشهر كان لابد منإقامة دائمة بالقاهرة مع أسرته التي نقلها من الصعيد إلى حي السيدة زينب ليسعدبجوار حفيدة الرسول (ص) والتي تسببت في شهرته والتحاقه بالإذاعة وتقديمه كهديةللعالم والمسلمين والإسلام على حد قول ملايين الناس . بسبب إلتحاقه بالإذاعة زادالإقبال على شراء أجهزة الراديو وتضاعف إنتاجها وانتشرت بمعظم البيوت للإستماع إلىصوت الشيخ عبدالباسط وكان الذي يمتلك (( راديو )) في منطقة أو قرية من القرى كانيقوم برفع صوت الراديو لأعلى درجة حتى يتمكن الجيران من سماع الشيخ عبدالباسط وهمبمنازلهم وخاصة كل يوم سبت على موجات البرنامج العام من الثامنة وحتى الثامنةوالنصف مساءً . بالإضافة إلى الحفلات الخارجية التي كانت تذاع على الهواء مباشرة منالمساجد الكبرى.

زياراته المتعددة إلى دول العالم : بدأ الشيخ عبدالباسطرحلته الإذاعية في رحاب القرآن الكريم منذ عام 1952م فانهالت عليه الدعوات من شتىبقاع الدنيا في شهر رمضان وغير شهر رمضان .. كانت بعض الدعوات توجه إليه ليسللإحتفال بمناسبة معينة وإنما كانت الدعوة للحضور إلى الدولة التي أرسلت إليهلإقامة حفل بغير مناسبة وإذا سألتهم عن المناسبة التي من أجلها حضر الشيخ عبدالباسطفكان ردهم (( بأن المناسبة هو وجود الشيخ عبدالباسط )) فكان الإحتفال به ومن أجلهلأنه كان يضفي جواً من البهجة والفرحة على المكان الذي يحل به .. وهذا يظهر من خلالاستقبال شعوب دول العالم له استقبالاً رسمياً على المستوى القيادي والحكومي والشعبي.. حيث استقبله الرئيس الباكستاني في أرض المطار وصافحه وهو ينزل من الطائرة .. وفيجاكرتا بدولة أندونيسيا قرأ القرآن الكريم بأكبر مساجدها فامتلأت جنبات المسجدبالحاضرين وامتد المجلس خارج المسجد لمسافة كيلو متر مربع فامتلأ الميدان المقابلللمسجد بأكثر من ربع مليون مسلم يستمعون إليه وقوفا على الأقدام حتى مطلع الفجر.

وفي جنوب أفريقيا عندما علم المسئولون بوصوله أرسلوا إليه فريق عمل إعلاميمن رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون لإجراء لقاءات معه ومعرفة رأيه عما إذا كانتهناك تفرقة عنصرية أم لا من وجهة نظره , فكان أذكى منهم وأسند كل شيء إلى زميلهوابن بلده ورفيق رحلته القارىء الشيخ أحمد الرزيقي الذي رد عليهم بكل لباقة وأنهىاللقاء بوعي ودبلوماسية أضافت إلى أهل القرآن مكاسب لا حد لها فرضت احترامهم علىالجميع.

كانت أول زيارة للشيخ عبدالباسط خارج مصر بعد التحاقه بالإذاعة عام1952 زار خلالها السعودية لأداء فريضة الحج ومعه والده .. واعتبر السعوديون هذهالزيارة مهيأة من قبل الله فهي فرصة يجب أن تجنى منها الثمار , فطلبوا منه أن يسجلعدة تسجيلات للمملكة لتذاع عبر موجات الإذاعة .. لم يتردد الشيخ عبدالباسط وقامبتسجيل عدة تلاوات للمملكة العربية السعودية أشهرها التي سجلت بالحرم المكي والمسجدالنبوي الشريف (( لقب بعدها بصوت مكة )) .. ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي زارفيها السعودية وإنما تعددت الزيارات ما بين دعوات رسمية وبعثات وزيارات لحج بيتالله الحرام.

ومن بين الدول التي زارها (( الهند )) لإحياء احتفال دينيكبير أقامه أحد الأغنياء المسلمين هناك .. فوجيء الشيخ عبدالباسط بجميع الحاضرينيخلعون الأحذية ويقفون على الأرض وقد حنّوا رؤوسهم إلى أسفل ينظرون محل السجودوأعينهم تفيض من الدمع يبكون إلى أن انتهى من التلاوة وعيناه تذرفان الدمع تأثراًبهذا الموقف الخاشع . لم يقتصر الشيخ عبدالباسط في سفره على الدول العربيةوالإسلامية فقط وإنما جاب العالم شرقاً وغرباً .. شمالاً وجنوباً وصولاً إلىالمسلمين في أي مكان من أرض الله الواسعة .. ومن أشهر المساجد التي قرأ بها القرآنهي المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة بالسعودية والمسجدالأقصى بالقدس وكذلك المسجد الإبراهيمي بالخليل بفلسطين والمسجد الأموي بدمشق وأشهرالمساجد بآسيا وإفريقيا والولايات المتحدة وفرنسا ولندن والهند ومعظم دول العالم, فلم تخل جريدة رسمية أو غير رسمية من صورة وتعليقات تظهر أنه أسطورة تستحق التقديروالإحترام.وقدطاف الشيخ معظم الدول العربية والإسلامية، وسجل لها القرآن الكريم، وكانت بعضتسجيلاته بالقراءات السبع، و مع الأربعة العظام: الشيخ محمود خليل الحصري، ومصطفىإسماعيل، ومحمد صدّيق المنشاوي، ومحمود علي البنا، وقد استقبل المسلمون في العالمهذه التسجيلات الخمسة للقرآن بالإعجاب والثناء، ولا تزال أصوات هؤلاء الخمسة تزدادتألقا مع الأيام، ولم يزحزحها عن الصدارة عشرات الأصوات التي اشتهرت، على الرغم منأن بعضها يلقى دعمًا قويًا، ولكنها إرادة الله في أن يرزق القبول لأصوات بعض عباده،وكأنه اصطفاهم لهذه المهمة الجليلة.



تكريمه : يعتبر الشيخ عبدالباسط القارىء الوحيد الذي نال منالتكريم حظاً لم يحصل عليه أحد بهذا القدر من الشهرة والمنزلة التي تربع بها علىعرش تلاوة القرآن الكريم لما يقرب من نصف قرن من الزمان نال خلالها قدر من الحبالذي جعل منه أسطورة لن تتأثر بمرور السنين بل كلما مر عليها الزمان زادت قيمتهاوارتفع قدرها كالجواهر النفيسة ولم ينس حياً ولا ميتاً فكان تكريمه حياً عام 1956عندما كرمته سوريا بمنحه وسام الاستحقاق ووسام الأرز من لبنان والوسام الذهبي منماليزيا ووسام من السنغال وآخر من المغرب وآخر الأوسمة التي حصل عليها كان بعدرحيله من الرئيس محمد حسن مبارك في الاحتفال بليلة القدر عام 1990م.

رحلتهمع المرض والوفاة : تمكن مرض السكر منه وكان يحاول مقاومته بالحرص الشديد والإلتزامفي تناول الطعام والمشروبات ولكن تاضمن الكسل الكبدي مع السكر فلم يستطع أن يقاومهذين المرضين الخطيرين فأصيب بالتهاب كبدي قبل رحيله بأقل من شهر فدخل مستشفىالدكتور بدران بالجيزة إلا أن صحته تدهورت مما دفع أبناءه والأطباء إلى نصحه بالسفرإلى الخارج ليعالج بلندن حيث مكث بها أسبوعاً وكان بصحبته ابنه طارق فطلب منه أنيعود به إلى مصر وكأنه أحسّ أن نهار العمر قد ذهب , وعيد اللقاء قد اقترب . فماالحياة إلا ساعة ثم تنقضي , فالقرآن أعظم كرامة أكرم الله بها عبده وأجل عطيةأعطاها إياه فهو الذي استمال القلوب وقد شغفها طرباً وطار بها فسافرت إلىالنعيمالمقيم بجنات النعيم , وقد غمر القلوب حباً وسحبهم إلى الشجن فحنت إلى الخيروالإيمان وكان سبباً في هداية كثير من القلوب القاسية وكم اهتدى بتلاوته كثير منالحائرين فبلغ الرسالة القرآنية بصوته العذب الجميل كما أمره ربه فاستجاب وأطاعكالملائكة يفعلون ما يؤمرون.

وكان رحيله ويوم وداعه بمثابة صاعقة وقعتبقلوب ملايين المسلمين في كل مكان من أرجاء الدنيا وشيّعه عشرات الألاف من المحبينلصوته وأدائه وشخصه على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وكانت جنازته وطنية ورسمية علىالمستويين المحلي والعالمي فحضر تشييع الجنازة جميع سفراء دول العالم نيابة عنشعوبهم وملوك ورؤساء دولهم تقديراً لدوره . في مجال الدعوة بكافة أشكالها حيث كانسبباً في توطيد العلاقات بين كثير من شعوب دول العالم ليصبح يوم 30 نوفمبر من كلعام يوم تكريم لهذا القارىء العظيم ليذكّر المسلمين بيوم الأربعاء 30/11/1988م الذيتوقف عنه وجود المرحوم الشيخ عبدالباسط بين أحياء الدنيا ليفتح حياةً


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق