]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ما هو اللغز المحير في السياسة الصومالية؟

بواسطة: شرحبيل  |  بتاريخ: 2012-08-12 ، الوقت: 12:14:15
  • تقييم المقالة:

 

ورد ما معناه في مقابلة إذاعة بي بي سي – قسم اللغة الصومالية -  مع محمد إبراهيم عقال - رحمه الله -  رئيس الوزراء الصومالي الأسبق ورئيس حكومة أرض الصومال ، السياسي المخضرم الذي شارك في الخامس من مايو عام 1960م المفاوضات (بين الصوماليين المطالبين بالإستقلال والبريطانيين المستعمرين) وأبرم الإتفاقية التي منحت بموجبها بريطانيا الإستقلال للمحافظات الشمالية في السادس والعشرين من يونيو:

" أظن أن الجميع قد علم  كما أظن أن الحكومة البريطانية قد سبق لها العزم لما تتخذه من قرار ؛ وكان من إرادتهم التأكد من أن الحرية والعيش في ظلال دولة صومالية مستقلة هل هي رغبة الجميع ؟ وهل هناك من هو أهل لإدارة البلاد وإقامة دولة وتنظيم الأمور وإدارة شؤون البلد الصومالي ؟ "

كما يبدو في الوهلة الأولى لكل مواطن صومالي سخرية المستعمرة البريطانية بالعقول الصومالية، وتحقير الساسة والمفكرين والقياديين الصوماليين، ولتبرير استعمارهم الذي يسفه الأمة باكملها، ويسترقها ويسعى أن يجعلها في ذيل الأمم ، مقابل مناضلين وأبطال صوماليين يكافحون ضد مؤامرات الأعداء، ويبذلون قصارى جهدهم في سبيل إخراجهم من البلد، وتحريرهم حتى آخر رمق ، طبعا طبيعة الإنسان تأبى إلا أن تنتصر لنفسها أو لحزبها، ثم بعد ذلك تختلف الأساليب والوسائل ، وتتعدد الغايات والأهداف.

لكن إذا أمعنا النظر إلى تلك الكلمات ونظرنا إلى واقعنا، أليس من المتوقع أن نستسلم أمام الحقائق؟ أليس من الغريب أن تعيش أمة عقدين وزيادة بدون دولة؟

حقا كان في الماضي رجال أبطال، قضوا الذي عليهم، وضحوا للوطن بكل غال، وبكل ما يمتلكونه من نفس ونفيس، ثم خلف من بعدهم أشباه رجال يتضاربون بالكراسي، وهم ضيوف في قاعات دول أخرى تعيش في نظام، يتشاجرون بالمناصب وهم عالة على غيرهم، أما أولئك الرجال الذين وجهت إليهم التهمة بمدى قدرتهم على إدارة بلادهم فهي في غير موضعها، فسلام على أولئك الأخيار،  إلا أن الأحياء منا الآن يمكن أن يستفسر ويوجه إليهم مثل هذه التساؤلات، فقد لا نجد جوابا شافيا وقد ينطبق بنا القول، رغم مرارته وقسوته، ورغم صدوره من عدو مستعمر.

 

 

ترى ما اللغز المحير في السياسة الصومالية ؟

عندما نتناول النقاش حول هذه المسألة الصعبة: لماذا لا يتفق الصوماليون على حل يؤدي إلى بناء حكومة قوية وراشدة ؟

أقول مازحا: لأن الأمة الصومالية بأكملها عباقرة وأذكياء، فكان من المفترض أن ينقسموا إلى طبقات في الذكاء، ولكن إذا تساوى الناس في النبوغ والعبقرية فكل منهم يرى أنه الأصلح للحكم، أو على الأقل أن اسرته أحق من غيرها، كأنها إرث من آبائهم ؛ فمن يكون القائد؟ كل يريدها لنفسه وتكون في أرض الواقع: " أنت أمير وأنا أمير فمن يسوق الحمار؟!" لا أحد يسوقها والحل النهائي أن تضيع رغم الحاجة إليها ؛ كذلك الكل أمير ابن أمير فمن يصلح لأن يكون شعبا ويزهد عن الحكم ؟ لا أحد ثم تضيع الدولة ويضيع الوطن والإنسان الذي لم يتمكن من أن يكون شعبا مطيعا، أو قائدا حكيما، يتمكن أن يكون قارع أبواب الدول طالبا الإستضافة ، والتمويل بل والبعض يذهب إليهم طالبا التسلح ليهلك ما بقي من الناس بعد حروب طاحنة ومجاعات مهلكة .

ثم توصلت إلى قناعة نسبية أن المشكلة تكمن في سياسة : " إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا " ، ما من أحد يرشح لنفسه عبأ مسؤولية الأمة إلا وعنده هذه الوصية، فالكل تطلب منه قبيلته التي اختارته ليكون برلمانا أو وزيرا أو رئيسا أن يسعى لمصالحهم حتى وإن يكنْ في ذلك على حساب الآخرين، وضياع حقوق الوطن ، وخراب الوطن وهلاك الناس ، بالإضافة إلى مصالحهم الشحصية ذات الأولوية عندهم ، فتصريحات متناقضة ، إلى صراعات محيرة ، إلى تراشقات عبر الإذاعات ، وفي النهاية إلى الإصطحاب معا والنزول في فنادق أمم عرفت للتنازل طعما لذيذا ، وللحياة معناها الحقيقي ، ولم يبق لشهوات النفس الجامحة مكان ، فقدموا مصلحة البلاد على سائر المصالح  ، ورغبات النفس  ، وطلبات القبائل ، ومطامع الأجانب ، فعاشوا في بلادهم أحرارا ، تسمو نفوسهم ؛ وتلذ العيش في بلادهم ؛ ويحيا الشعب في ظل التنمية والرفاهية.

الجميع عندما يخاطب يتحدث وكأنه الصومالي المخلص لدينه ووطنه وأمته ، يظهر خلاف ما يبطن ، ويقول خلاف ما ينوي فعله ، ويجهر بالصومالية ويخفي القبلية ، يحمل في لسانه الخير وفي أفعاله كل الشر ، لغز محير ، من يستطيع فكه؟

بعد القناعة على أن المشكلة ترجع إلى الوصية السابقة الذكر آنفا وهي وصية أهلكت اليهود بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ويتبعهم في ذلك كل هالك ، " وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ " ، إلا أن اللغز مازال محيرا لم نجد ما تطمئن إليه النفس فهل منكم من يفك هذا اللغز المحير؟

الخلاف بات سمة ملصقة في أذهان السياسيين ، وحب الرئاسة أصبح أمرا مسلما به عند كل أحد ، ومرجعية القبيلة صار أمرا مجمعا عليه ، والتجاهل عن الكفاءة أصبح شيئا طبيعيا ، والتنافس في مشاركة المؤتمرات للفرقاء الصوماليين للحديث عن المصالحة أمسى فخرا  للجميع ، وذهب الحياء عن التسول والتجوال  ، وطغى على العقول الماديات والمنافع الشخصية ،  فكل ما حققه الساسة الصوماليون أنهم احترفوا في مشاركة المؤتمرات خارج بلادهم ؛ والنزول في الفنادق الفاخرة ؛ وتجميع الشلنات التافهة ،  كالدورات لللهيئات والمؤسسات الخيرية تعطي لمشاركيها قدرا بسيطا من المال، فكذلك سيحصلون قروشا فانية في سبيل هتك عرض أمة بأكملها ، يصورونها سيدة المتسولين والفقراء ، ولم – ولن – تجدي شيئا تلك الأسفار ما لم نعش مع الحقيقة يوما واحدا ، فالمشكلة وإن كان لها علاقة مع دول الخارج فإنها تسير على أكتافنا ، ووقودها أبناؤنا ، وطباخوها ساستنا ، فهل من عقل نتدبر قبل فوات الأوان ؛ وقبل أن نندم في وقت لا ينفعه الندم !.

إن التغاضي عن الواقع يعني كطبيب يريد أن يصف دواءا لمريض وهو يريد أن لا يعلم السبب فهل يمكن له أن يعالج المرض ؟

إن التغابي عن الجادة يعني كمن يقف على حافة بئر يطمع أن يشرب الماء بفيه فهل يقدر ذلك ؟

إن الهروب من المسؤولية يعني عدم وجود إنسان مكلف يمكن تحميل المسؤولية على أعتاقه ، فهل بغياب المسؤول  يمكن لنا أن نكوّن دولة؟

يا معشر الصوماليون المثقفين والكتّاب خذوا أقلامكم ، وفكوا هذا اللغز ، وأنيروا الطريق بنور المعرفة وحضارة القلم ، وأسهبوا في هذا الموضوع  للحاجة الماسة به ، قبل المؤتمر المزمع عقده في أغسطس المقبل ليكون ذاك خاتمة العار وبداية المجد والعز إن شاء الله .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق