]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

مقديشو بين الرمضان الماضي والحاضر

بواسطة: شرحبيل  |  بتاريخ: 2012-08-12 ، الوقت: 12:09:46
  • تقييم المقالة:

 

قمت بزيارة إلى العاصمة مقديشو بعد غيابي منها مدة ؛ غادرتها بعد ما عشت فيها معظم أيام الحروب الأهلية ، منذ التسعينيات إلى عام 2003م ، حينها كنا نشعر أن المدينة تتحسن يوما بعد يوم ؛ التعليم والإقتصاد كانا صدر ما يشهد النمو النسبي في مقديشو تليهما الحالة الأمنية ثم التواصل الإجتماعي .

وجاءت المحاكم الإسلامية فحكمت مقديشو ستة أشهر شهد الجميع أنها نجحت في المجال الأمني الذي كان – ومازال -  الحاجة الأولى والتي يتطلع لها جميع أهالي المدينة الجريحة من لدن إنهيار الحكومة المركزية الصومالية إلى يوم الناس هذا ، ولكن سرعان ما تحول الأمن إلى فوصى عارمة عمت المدينة ؛ بعد دخول القوات الإثيوبية مع جيوش حكومة العقيد الراحل عبد الله يوسف أحمد (الرئيس الصومالي السابق ) ، ودخلت المدينة مرحلة جديدة حرجة ، حيث رقصت فوق تراب مقديشو وبين أهلها قوات الحبشة  قوات العدو التاريخي ، وارتكبت الجرائم الوحشية ضد الإنسانية، وأقامت مجازر بشعة ، ودمرت المدينة بمن فيها،  ورغم اصطفافهم مع الحكومة الصومالية الفيدرالية المؤقتة في ذلك الوقت إلا أنها كانت وصمة عار في جبين الصوماليين بصفة عامة وأهالي مقديشو بصفة خاصة .

وخرج الإثيوبيون بعد تدميرهم وتخريبهم للبلاد والعباد ، وجاء الرئيس شريف وظهر معه الشباب المجاهدون ؛ واندلعت الحروب وتزامن معهم الجفاف والمجاعات وافتتحت صفحة سوداء ، الريح لا تزال تعصف بالخارج والداخل ، وأزيز المدفع  مازال مرفوعا , وينشر دخانه رائحة كريهة بين المواطنين  ، والأزمة تتعقد ، والحياة منهارة ، والأمة ضعيفة ، والعدو لئيم وحشي ، وبعض المواطنين غير واعين لما يرتكبون من حماقات ضد أمتهم ، السياسة محتلة ، والسيادة غائبة ، والوضع مأسوي ، والمشهد رهيب ومرعب.

لكن شمس الأمل انبلجت وانتعشت السياسة من جديد ؛ ووصلت إلى العاصمة قبل يومين من الرمضان الماضي  وكان أغلب الشعب يأوي إلى المخيمات والأحياء الجديدة في ضواحي مقديشو ، وإن كان هناك قلة يسكنون في المدينة ، وبعد أيام أعلنت حركة الشباب المجاهدين إنسحابها من العاصمة ، وتجولت في أنحاء منها وشاهدت المدينة بصورة تحزن الصديق وتسر العدى ، وخطر في ذاكرتي أن أكتب شيئا ما عن هاتيك المصائب المتزامنة من اقتتال ونزوح ومجاعات وضيق أمل ، فأسرعت إلى القلم لأستعين به في همومي ، و سطرت سطورا في دفتري الخاص معنونا : " مقديشو بين سموم القذائف وجراثيم السياسة ووباء الجفاف والمجاعة " ثم شرعت في الكتابة :

" منذ عقدين ونيف تشهد العاصمة الصومالية تحولات متنوعة وتيارات مختلفة ، وتقلبات متتابعة ، فهذه التنقلات الكثيرة جعلت أهالي مقديشو يتمرسون ويتدربون على الأزمات.

ما إن تهدأ موجة من العاصفة المدمرة حتى تهب أخرى أشد عنفا تتابع فلول النازحين في المخيمات أو الباقين ممن نجو من الأولى في مساكنهم فتفتح عليهم بابا جديدا من المصائب ، تراهم في العراء بائسون ، وفي المخيمات مضطرون ، لا حيلة ولا قوة لهم من هذه الكوارث لسان حالهم : " ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها  واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك سلطانا نصيرا " .

أما صورة مقديشو فهي خاوية على عروشها ، خربة ترى الركام يغلب في معظم أحيائها ، لا أهل ولادار ، لا أمن ولا سلام ، لا نظام ولا تعليم ، العنف والفوضى والظلم والفساد يظهرون في كل مكان وقوة البندق هو الفيصل والسيد في هنا "

الدمار الرهيب يظهر في كل بقاعها ، وآثار الرصاص تبرز في منازلها ، والحصون الإصطناعية تتواجد في كل الطرق ، الدموع تجري منك دون شعور ، والألم يزداد كلما سرت إلى اليمين أو إلى الشمال ، الأنكأ عند ما تشعر أن المتضرر من الجانبين المتقاتلين من أبناء جلدك ؛ من أبناء الصومال ؛  وأشد منهم أن الأزمة حلت على الشعب البريء والمقهور ظلما ؛ وقتها تذرف عيناك ولولا أن البكاء لا تجدي لبكيت أسفا على المأساة  ليلا ونهارا.

وفكرت مليا فكرهت أن أنشر هذه الصورة القاتمة ، ويغلب في نفسي في الآونة الأخيرة الطابع التأميلي وحب الحديث عن الخير وبالمقابل أكره الحديث عن اليأس والشر .

وشاء الله أن تقرّ عيني في مقديشو لابسة ثوبا أجمل من الرمضان الأول ، تعود الحياة تدريجيا ، المدينة عامرة ، ويقوم الناس بترميم مساكنهم وبناء منازل جدد ، ويفتتح محلات تجارية ، وتهدأ المدينة نسبيا تمهيدا لأمن عام – بإذن الله – يسود الصومال أكتعا ، وتعيد المراكز التعليمية رونقها من جديد .

الأنوار مضيئة ، والأحياء المهجورة عامرة ، وقصبات المياه المقطوعة شغالة ، والشوارع المغلقة مفتوحة ، الجو ممطر ، وبعثات المصادقة على الدستور مكتظة بالفنادق ، والمغتربين الطامعين في السياسية يسبحون في الشواطئ ، والأطفال يلعبون في الملاعب ، والكل على أمل على أن يتم الله هذا النور .

كانت  مقديشو قد شهدت السنة الماضية نقلة نوعية من نواح شتى ، منها السياسية والإقتصادية ، والتعليمية وفي مجال الأمن ، مما قد يبشر بمستقبل باهر ، رغم انتظار الجميع بالمخاض العسير بالمرحلة الإنتقالية ، مرحلة الخروج من الحكومة المؤقتة إلى الحكومة الرسمية ، في أجواء يسودها الغموض وتفتقر إلى الشفافية والنزاهة ، كما يوجد في الوطن قوات أجنبية تراعي مصالح حكومية وأخرى للشعب ، وإن اعتبرها البعض بالغازية والمحتلة .

السماء تمطر والجو جميل والشعب متفائل والسياسة متفتحة والأمل فوق كل الشعور والإحساس ، الأمل يقترب والنقطة البيضاء في المحيط الحكومي والمستقبل الزاهر يلمع من بعيد ، والكل يتشوق إلى معانقة السلام ، ويشرئب إلى العيش في مقديشو بثوبها الجديد ، ثوب الإخاء والتسامح ، ثوب المحبة والسلام .

 

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق