]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ملاح تائه في بحور الشعر !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-10 ، الوقت: 10:23:22
  • تقييم المقالة:

 

 

في بداية الأمر ، تمنيت أن أقول الشعر ، وأكتبه ؛ لا لأني شاعر مطبوع ، مقتدر ، أو لأني أتوفر على ميزة من ميزات الشعراء ، أو أنه توجد عندي ملكة من ملكاتهم ؛ ولكن لأني محب للشعر ، ومعجب بالشعراء ، على رغم أني لست قارئا ملحا للشعر كله : القديم والحديث .. الحر والمقيد .. والقصائد والدواوين جميعا . ولكن أقرأ الشعر الجيد فقط .

وعندما اقرأ هذا النوع من الشعر ، أحب الشعر والشعراء ، وأتمنى أن أكون مثلهم ، وأصبح من معاشرهم ، وأملك الشعر ، أو يملكني هو ؛ والمرء عندما يحب شيئا ما يرغب أن يملكه ، أو يصبح هو ملكا لذلك الشيء ؛ مثل المرأة التي تحبها تماما ، فتنزع إلى تمليكها ، أو تصبح أنت ملكا لها ...!!

غير أن الشعر أقوى من المرأة بكثير ، وأكثر منها عنادا ، وامتناعا ، وتمنعا ؛ فهو لا يتخلى عن أنفته ، وعزته ، وكبريائه ، وشموخه ، لأي كان ... فالمرأة قد تروضها بإصرار ، وتراودها باستمرار ، فتستجيب لك بحكم الغريزة ، ودافع العاطفة . أما الشعر فحين يمتنع فإنه يمتنع ، ويتمنع إلى الأبد ، ولو جاوزت بحوره ، واقتحمت أبياته صدرها وعجزها ، وقدمت نفسك قربانا لجميع عروضه وضروبه ، ووضعت لبك وفؤادك مكيالين في أوزانه .

ولذا نفضت يدي من الشعر ، أو هو الذي نفض يده مني ، وبعث لي عن طريق بريده العاجل ، أحد أغراضه المعتد بنفسه ، ليقول لي في بلاغ رسمي ، وبلغة لا تخلو من النذير والتحذير ، والسخرية والتهكم :

ـ يا شعرور .. إياك أن تدن من بحور الشعر ، وتستحم في الطويلة منها .. والمديدة .. والوافرة .. والكاملة .. والسريعة .. والخفيفة ... فهي عميقة جدا ، وأنت لا تعرف فن العوم ، وإلا اجتثت عقلك وقلبك حورياته الشرسة ، فغدوت تائها ، ضائعا ، لم تتدارك الأولين ، ولا تتدارك الآخرين ...!!

فقط عليك أن تبسط بدنك البسيط على رمله قليلا ، وتزحف نحو شعرائه الصيادين المهرة ، الذين يصطادون من بحوره المتنوعة ، بأدواتهم الخاصة ، وبمعداتهم القديمة والحديثة ، القصائد والأشعار ، باستعطاف وتزلف ، كأنما أصابتك علة في إحدى رجليك ، أو كلتيهما ، فأصبحت مبتورا ، أو مقطوعا ، أو ربما محذوفا ، وتقتضب من شباكهم المختلفة ، باستئذان ، أحلى قصائدهم ، وأعلى أبياتهم ، فتشفى . ولا تنسى أنك مجرد مملوك ضعيف ، لا حول له ولا طول ، مطيع للشعر ، وخادم للشعراء . والمملوك يطيع مالكه ، ويمتثل لأوامره ، ويجتنب نواهيه ، في جميع الأوقات والظروف ، حتى وإن لم يفهمه في بعض الأوقات ، ولم يرض في بعض الظروف ..!!

رفعت رأسي ، التي تدلت رقبتها ، طول تهكم هذا الغرض ، ومدة قراءته للبلاغ الرسمي ، وقلت في نفسي بتفاؤل :

ـ على رغم أني فشلت في أن اصطاد ، من بحورك ، أيها الشعر ، ولو قصيدة واحدة وصغيرة ، إلا أنه قد يأتي يوم ، أو ليلة ، يلهمني فيه ربي قول الشعر ، فأغمس الصنارة في عيني وقلبي ، وأمزج الطعم بالدمع والدم ، وأصطاد أكبر ، وأعظم ، وأحلى قصيدة .. قصيدة واحدة :

من أجل نفسي ، التي تتوق إلى قول الشعر ..

من أجل فتاتي ، التي رفضت سماع الشعر ..

من أجل وطني ، الذي افتقد حرارة وصدق وإخلاص الشعر ..

من أجل الفقراء ، الذين ليست لديهم فرصة لقراءة الشعر ..

من أجل الأغنياء ، الذين ليست لديهم رغبة في انتشار الشعر ..

ومن أجل الشعر ، حبا في الشعر .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق