]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

همسات من وحي رغيف الخبز

بواسطة: Adnan Zowain  |  بتاريخ: 2012-08-07 ، الوقت: 20:38:49
  • تقييم المقالة:

الدكتور عدنان زوين

مجلة نضال الفلاحين ( تصدر من الاتحاد العام للفلاحين في سورية )

العدد الرابع / السنة الأولى / أيلول 1997

 

( همسات من وحي رغيف الخبر ) بما وهبه الله من ملكة العقل , استطاع الإنسان البدائي , إنسان ما قبل التاريخ , إن يسخر الفطنة في الوصول إلى الكثير من الحقائق المحيطة به , تارة بما يملك من دقة الملاحظة , وأخرى بما له من بعد نظر ثاقب , وقد يخطا من يتهم ذلك الإنسان بالجهل في التصرفات , والعشوائية في الأفعال .. والحقيقة كل الحقيقة , تكمن في إن كل ما توصلت إليه الإنسانية بثقافاتها البدائية وما اخترعته واكتشفته تلك الثقافات لم يكن مقترناً بالضرورة بعشوائية أو بمصادفة , كما إن امتلاك الثقافات الإنسانية للفطنة المجردة مرده – بطبيعة الحال – إلا إن ثمة شيء ما يكمن في اكتساب تلك الثقافات للمعرفة والمحافظة عليها دون عناء يذكر , رغم كل ما كانت تمليه الظروف المحيطة , بما لها من قسوة . ما من شك البتة في إن الذي استهوى الإنسان في مجتمعاته البدائية وما دفعه لاستقصاء الحقائق كان مرده ( في المقام الأول ) إشباع غرائزه وحب المعرفة وحسب , ولم يكن الأمر وليد هواية أو نزوة أيا كان شأنها , فمن المؤكد إن شعوره بالجوع دفعه كي يقيم أوده ويبحث ملياً عن غذاء يسد به رمقه , مثلما كانت غريزة الجنس لديه من قبل دافعاً في حتمية تبني فكرة البحث عمن تشاركه الحياة , كما اجتمعت غرائز الخوف وحب البقاء وراء مساعيه الجادة في العمل على حماية نفسه واقرأنه ضد عوارض الطبيعة , ذلك البدائي كان يرى بملء عينيه كل ما يدور من حوله , ويعزو الأسباب إلى طبيعتها في سبيل تلافي الأضرار تارة واستغلال المنافع تارة أخرى .. رأى النبات والشجر والأعشاب تنمو وتكبر وتزداد صلابة , فحاول إن يتمثل ذلك في ذاته , لقد كانت الهواجس تعينه دوماً في التوصل إلى معرفة الحقائق والكشف عن خفايا البيئة من حوله والتفاعل مع ظروفها , رأى الحيوان فأحس بأهميته فكان في بادئ أمره قناصاً , ثم أصبح بعد ذلك قناصاً وجامعاً , أحس باستئناس الحيوان له كلما أوقد ناراُ لأغراضه , فاتخذ من تدجين الحيوانات مهنة له ! كان يرى شروق الشمس وغروبها , وطلوع القمر وأفوله , كان يرى الكثير الكثير , وما زال على ذلك حتى التمس تقويماً ينضم به مواعيد نباتاته إن هي أزهرت أو أثمرت كما توصل – بما أملته السليقة وحب الاطلاع – إلى تحديد مواعيد الزراعة لنباتاته , كل ذلك في ضوء خبراته المكتسبة , بل لقد قطع الأشواط تلو الأخرى عندما تمخضت أفكاره فيما بعد وتفتقت ذهنيته عن اختراع الأدوات والآلات (!) فرغم بساطتها على سبيل المثال , ضمت تلك الأداة الصغيرة المسماة " المنجل " في طياتها خفايا كثيرة , ومثلت صنعته تلك عصارة فكر وخبرة يندر حصولهما في تلك الأحقاب الغابرة , وما أدل على ذلك من استمرار التغيرات التي شهدتها تلك الأداة بما يتلاءم ونوع النبات , لقد كان ذكائه الوقاد معيناً له في استنباط الجديد تحت ضلال اكتساب المعرفة .

وأين ما ولينا بوجوهنا , فثمة تساؤلات تلاحقنا ! إلا يجدر الحكم بتجرد مشفوع بالنزاهة والموضوعية مع إضفاء شيء من مظاهر التبجيل والحكمة لذلك الإنسان وهو في خضم حياته البدائية ؟ تلك التي رسخ معها – وبما لا يقبل الشك – مقولة الحكماء في إن " الثورات لا تصنعها الأحداث بل يصنعها الرجال " , وفي هذا السياق قيل إن أول المنجزات العملاقة وأعظمها قاطبة والتي توصل الإنسان لتحقيقها في مجتمعة البدائي تمثلت في اختراعه " رغيف الخبز " . وعلى الرغم من إن ذلك الحدث – الثورة لا يبدو ذا شأن للوهلة الأولى , وقد يمر علينا مر سحاب الصيف دون إن نكترث به وبأهميته . إلا إننا لو أمعنا النظر بعيداً , عمق جذور البشرية في تلك الأحقاب , وحتى قبيل إن يبدأ التاريخ حبوه مع إطلالة أولى الثقافات , لاتضح الأمر لنا في استنتاج عظمة هذا الإنتاج المعجزة " الرغيف " ذاك الذي ضمت سجلات الحفريات في ثناياها براءة اختراع له بما ينوف عن مئة من القرون خلت , في مكان ما من سهول بلاد الشام والرافدين وهي تنتصب قائمة عبر أبقية مدينة أريحا ! المكان الذي استوطنته أكثر الموجات البشرية قدماً .

 -   الاكتشاف   - 

كانت الزراعة باكورة الأعمال التي مارستها الثقافات البدائية بعد مرحلة القنص , كما كانت سبباً في تعزيز الثقافات لخبراتها في تلك الأزمان , ولكي يصل إلى وضع أولى المبادئ لصنعته رغيف الخبز ذاك , تتطلب الأمر من إنسان ما قبل التاريخ أن يطحن القمح أولا .. بل والاهم من هذا وذاك كان لزامناً عليه إن يصل ( بالسليقة غالباً ! ) إلى حقيقة مفادها إن القمح أفضل ما يتوفر من حوله قاطبة من مواد تناسب صنعته للرغيف . فكان قراره المحكم والرصين ! أهم ما توصل إليه بعد طول عناء , بداية اعتمد حبوب القمح لإتمام محاولاته , على الرغم من إنها بدت ساذجة في تلك الأحقاب , وحسبه انه كان يستمتع بما لذ وطاب من لحوم الطير وأشلاء الفرائس , وهنا تكمن نوعية النقلة ! فبعد إن استقر الرأي على تلك الحقيقة , أراد إن يخطوا – دون تردد – خطوته الحاسمة في إن يحيل حبوب القمح القاسية تلك التي عرفها وعمل على جمعها من قبل إلى طحين يسهل خلطه وجبله بالماء , ومن ثم صيرورته كتل من عجين ويبدو إن ذكائه أسعفه مره أخرى عندما عاد للأذهان تجربته القديمة في خلط التراب مع الماء ليحصل على جبلة من طين . صنع منها أنية أنضجها ( جففها ) فخاراً تحت أشعة شمس الصيف الحارقة . لقد كان الحل يكمن في قساوة حجر الصوان , الذي أراد له إن يكون أداة لطحن الحبوب , فكان له ما أراد في حجر الرحى وهكذا دواليك توالت الانجازات متلاحقات , وفي معرض الإشارة فحسب , فأنني أميل إلى أن الإنسان البدائي لم يدخل جهداً في تجريب صناعة العجين أو حتى تناوله مباشرة دون أن يعمل فيه تحميصاً وخبيزاً بنار موقدة البدائي , ويبدو إن محاولاته المتكررة قد أوصلته في نهاية المطاف إلى حقيقة مفادها " إن المادة الناتجة ( العجين ) قد لا تلائمة من أوجه عديدة إن تناولها كما هي " : - أولها في استحالة حفظ المادة وصعوبة التعامل معها , وأخرها في إنها كانت سبباً في معاناته ولمرات عديدة من عسر الهضم , وبشيء من تلبك المعدة ! لا احد يعرف على وجه التحديد , كيف ومتى استطاعت الثقافات البدائية إن تصل إلى الحقائق المتعلقة بفوائد وأهمية إنضاج العجين ؟ وبتعبير أخر خبزه بفعل النار , والحقيقة إنني أميل إلى أن ذلك الاكتشاف الرائع , إن صح لي تسميته كذلك , لم يكن البتة ثمرة لمساعي فرد بعينه أو أفراد معدودين , بل كان – على خلاف ذلك – نتاج سعي دءوب وجهد جبار للعديد من الأفراد في مجتمعاتها القبلية , وذلك في أحلك الظروف وأقساها , إن جاز لنا مقارنتها بتجرد مع الفترات اللاحقة لتطور المجتمعات البشرية , إن ذهنية الإنسان البدائي وهي تتفتق لتوصله إلى اكتشافات تلو الأخرى لم تمنحه فرصة البت في اعتماد نمط غذائي دون أخر , فقد كانت دافعاً له في أن يستنير الطريق قدماً , ويتفانى في السعي لتطوير رغيفه اليتيم ذاك , إذ لم يكن بمقدوره ( أو ربما لم يكن قد حاول أصلا ) إن يكبح جماع هوسه المتنامي , هذه المرة أيضا , للكشف عن الوسيلة المثلى لإنضاج الرغيف . إن الأفران التي نشاهد , أو تلك التي تستعمل في يومنا الحاضر ليست سوى حصيلة لسلسلة متضافرة من التطورات التي شهدها الفرن البدائي , ذاك الذي تطور في إحدى مراحله إلى تنور من الصلصال المفخور , ورغم الصدفة التي لعبت دوراً في إحدى أمسيات الشتاء الباردة إلى إن البدائي – وقد هدته الحيلة والحاجة – وهو يستمتع بالدفء قرب موقد النار , الذي أحاطته بكل ما أوتي من حرص بالأحجار والحصى , نقول هدته الحيلة لوضع بعض من كتل العجين فوق أحجار الموقد الذي أشعل ناره من بقايا أغصان وعيدان , وربما فعلت الأحجار الساخنة فعلها في تحميص كتل العجين تلك حتى بادت الرائحة المميزة للخبز المحمص تملئ أرجاء المكان , فكانت سبباً في استثارة حفيظته في التعرف على مذاق ذلك الشيء المحمص لأول وهلة . ولا باس من التنويه إلى نوع من أنواع الخبز يصنع في يومنا هذا في أفران مسطحه وممدودة ( أفقية ) يتم فرشها عادة بطبقة من الحصى الناعم , وبفعل لهيب من النار يسلط عليها , يسخن الحصى بواقع الحال , فان ازدياد حرارة الحصى كفيل بإنضاج الرغيف . كما وتجدر الإشارة إلى إن هذا النوع من أرغفة الخبز ما زال يصنع في بعض البلدان , ويعرف محلياً في كل من إيران وأفغانستان بخبز " سنكك " . إن ألسنك في اللغة كناية عن الحجر أو الحصى , كما هو مستخدم " بالفارسية " الإيرانية و " البوشتية " الأفغانية . نقول إن ذلك الرغيف الحجري يمتاز عادة بتشابه وجهيه , ولا يمكن والحالة تلك تمييز وجهة الأخر إلا من خلال الأخاديد والتقعرات  , تخطها حبات الحصى الساخن أثناء مرحلة الخبز . وقد تكون بدائية الإنسان قد أوصلته – وهذه المرة بمحض الصدفة  , والصدفة فقط – إلى حقيقة مردها , إن ترك خليط الطحين بالماء لبعض الوقت قد يكسبه حالة ما من الحالات الفيزيائية بما يضفيه عليه من صفات الانتفاخ والانتباج , وبما تسهل معه عملية الخبيز , وتمنح الخبز مذاقه المميز , كل ذلك بفعل تخمير العجين عندما يترك جانباً لبعض الوقت , وفي يومنا هذا , ورغم استخدامنا لما يعرف بالخميرة منذ عهد ليس بالبعيد , كنا نلجأ ( قد انتشار الخمائر المصنعة ) إلى خلط شيء من العجين المختمر مسبقاً مع العجين المراد تجهيز الخبز منه , وبما يكفي لإحداث التخمير خلال سويعات قليلة ولاسيما بعد حفظ الخليط في مكان دافئ ( حاجة نمو الخمائر ) . أعود لما فاتني – والعود كما قيل احمد – في إن صنعة رغيف الخبز بهيأته البدائية استلزمت بذل جهود مضنية , بيد إن مشاركة الأفران في القبيلة ولاسيما من قبل الذين تقاسموا الحرص والترقب معاً للوقوف على ما سوف تسفر عنه التجارب – كانت خير معين في خضم تلك الأحداث , وها هي الجهود تنصب مشتركة في إنتاج دقيق القمح , مادة الرغيف الأساسية , وفي مسعى لإنسان للحصول على مادة القمح بعينها , تتطلب الأمر من البدائي بذل جهود جمة , ساعة تمخضت النتائج عن العديد من التجارب الأخرى ! كانت فطنته وإدراكه الحسي المتنامي يسعفانه ويخدمانه باستمرار في تلك ( البحوث ) .   -  الأسطورة والحقيقة   - في عالم النظريات قيل أن أسطورة القمح أشبه ما تكون بالقصص الخرافية , بقصص الوراثة , نقول ابتداء , أينما وجدت الرحى , ووجد القمح , وجدت الحضارة , فلو اعتبرنا ارتباط الإنسان بالموضع والمكان من الضرورات , لتوصلنا إلى أن مثله في ذلك كمثل قمح الخبز , والذي يعزز وجه النظر هذه , هو إن القمح والماء يخلقان الحضارة أينما وكيفما ترافقا , إن القمح الذي وجد في قبور الفراعنة أو ذلك الذي اكتشف في أقبية مدينة ( أور ) لم يقع على عمق عشرات الأمتار فحسب , بل بعمق جذور تلك الحضارات , وحسبنا إن نذكر هنا جانباً من تلك الأساطير ونحن نتوغل عبر نفق الزمان , وقبل مئة قرن خلت , لم يكن القمح نباتاً غزيراً كالذي نعرف , بل كان كسائر الأعشاب البرية الكثيرة , وعن طريق المصادفة حصل تزاوج بين ذلك القمح مع كلا الماعز الطبيعي , نجم عنه نبات وفير الحب إذ إن التزاوج جعل النبات أكثر امتلاء وأكثر فقدرة للانتشار بفعل الرياح , إن قصة تطور القمح أصبحت أكثر غرابة بعد أن عملت المصادفة فعلتها ثانية بتزاوج النبات الأول مع كلا الماعز مرة أخرى نجم عنه ما يعرف بقمح الخبز الذي فقد مقدرة الانتشار بالهواء , وفي غفلة من الزمان , وقريباً من المصادفة والمفاجأة التقى الإنسان البدائي الراغب بالاستقرار في مكانه بالنبات الذي لا يتطاير بالرياح , فأصبح لديه قمح يقتات عليه , فكان اعتماد القمح على الإنسان في تكاثره وانتشاره , إذ أن قمح الخبز ذلك لا يمكن إن يتكاثر إلا بمساعدة الإنسان مما يترتب عليه حصاد سنبلة ونثر حبوبه , وبالتالي أمسى كل منهما يعتمد على الأخر , أليست قصة ملئها الخيال .  -  التجربة  -   استهل البدائي جمع الحبوب كلما كان ذلك ممكناً , ليعمل فيها خزناً في صويمعات ! لم تتجاوز كهفه الذي ضمه وأسرته بمخادعه العديدة ( كتلك الكهوف التي شاهدناها في منطقتي يبرود ومحرده ) نقول انه وكما المرات السابقة قادته قوة الملاحظة إلى الوصول إلى جملة من الحقائق فصعوبة جمع الحبوب ونفادها عاماً بعد أخر من جهة وضرورة قطع المسافات بعيداً عن نار موقده الذي شعر معه بالأمان , وعن كهفه وحيواناته التي عمل على تدجينها ردحاً من الزمن , لقد آن لصاحبنا الإنسان أ، يتلافى بذل جهود غير مثمرة لاسيما انه في حله وترحاله كان يتعرض للأذى سواء من الوحوش الكاسرة أو من عواقب الطبيعة , فكم أودت المخاطر بحياته وحياة بني جلدته , لقد قاده حسن التصرف مرة أخرى والتجربة مرات أخريات إلى اعتماد مبدأ تدجين النبات ( القمح ) , خاصة انه اكتسب ملاحظاته في أن تساقط الحبوب أثناء نتف النبات  ( اقتلاعها من الأرض ) يؤدي إلى إعادة ظهور نباتات جديدة كتلك التي شاهدها من قبل , فظل يرقبها حتى بانت سنابلها ونضج حبها وهي تغل عليه خيراً وفيراً , لقد أثر على نفسه ( والثقة تلازمه ) في ترك بعض الحبوب التي عمل على خزنها لقوته , كي يصار إلى نثرها على سطح الأرض بعد حين كما تذرو الرياح أوراق أشجار الخريف المتساقطة , ثم اهتزت الأرض وربت وانبتت من كل زوج بهيج , وتجلى جلال الله في الطبيعة . لقد استطاع الإنسان المزارع أن يمتع ناظريه بخضرة نباتات القمح تزهو من حوله بسنابلها في حقول قريبة من مخدعه ( الكهف ) ! وبحكم مداركه – ولأول مرة في تاريخ البشرية في مضمار التعليم – تعلم الكثير من تلك التجربة , وقد يكون ثمة شعور بالمتعة راود ( صاحبنا ) في متابعاته تلك , طالما كان الأمر ينطوي على ما يسد رمقه من أصناف الطعام جنباً إلى جنب مع ثمار الأشجار البرية ولحوم الطرائد والطيور , تلك التي لم يتوان لحظه في اصطيادها , وهي التي تنافسه دوماً على الموارد من حوله , وباتت غريمه الأول بما تسببه من متاعب لا قبل له عليها .  -  تنامي المعرفة  -   عبر مشاهداته التي قادته إلى وضع تفاسير منطقيه بإبعاد علمية , استطاع معها الإنسان المفكر أن يصل إلى بعض الحقائق , شاهد في النباتات اختلافاً , تلك التي جاهد وكافح في زراعتها , وقد أرجع الأسباب , كره أخرى إلى هاطل مطري وتنوع طبوغرافيا .... الخ , لقد شهدت تلك الاندفاعات تغيرات في مسار الإنسان والمجتمعات البدائية بد فترة ليست بالقصيرة – بمعايير القياس لتلك الحقب – حتى أمست طابعاً امتاز باستقصاء الحقائق في ضوء المشاهدات وتقويم الظواهر واعتماد مبدأ السبب والمسبب , وعمل المنطق أينما استوجب ذلك , ومنذ ذلك الحين فقط تمخضت الأحداث ليس في وضع أسس غير مدونه للعلوم وحسب , بل والى ظهور بوادر لانتشار المعرفة رغم بدائيتها , أو ليس من العدل إن نضفي عليه ذلك , لقد قيل " إذا أردت أن تعرف الطبيعة على حقيقتها فعليك العودة إلى الطبيعة " , إن الطبيعة , كما هي حبة القمح , عالم واسع وسع المحيطات , تحيطه هالة من أسرار وراثية لهندسة يصعب فك ألغازها . لا نبالغ القول إن الاستقصاء البدائي كان أساسا لنمو المعرفة , وان كان ذلك يتم في أجواء لم تنل البتة قسطاً من شروط البحث العلمي المتعارف عليها في يومنا هذا , وعلى أي حال , فقد تعلمت المجتمعات البدائية صنعة الرغيف وتناقلتها ولاسيما بعد أن شهدت القبائل والمجتمعات شيئاً من الاستقرار وتكوين المستوطنات البشرية , منذ بدايتها الأولى , لقد كانت ذات القبائل حتى عهد قريب من تلك الأحقاب تتجول وتنتقل لصيد ثمين تسد به الرمق أو لفراء وثير تستر به الجسد , وبات على أفرادها أن يمتلكوا كل ما يدعى أداة صيد يسهل حملها ونقلها , نقول أصبحت المجتمعات بأمس الحاجة لتمتهن صنعة الرغيف وتعمل زراعة للقمح وتدجينا للحيوان , ولتلبية ذلك استوجب الأمر الاستعانة بعدد وأدوات أثقل وزناً وأكبر حجماً , لقد كانت تلك الأدوات إحدى أهم المؤشرات نحو التطلع للاستيطان , وبعبارة أخرى التشبث بشيء من الاستقرار , كان لزاما على القبائل البدائية ان تتحمل عواقبه لا سيما انه (اي الاستقرار) اتاح للمجتمعات امكانية استثمار المزايا الكثيرة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية , وبوجه الخصوص ما يتعلق بادارة الموارد الطبيعية من حولها , نقول ان عوامل الاستقرار تلك اضفت على الانسان طابع الاستقرار في سلوكه الاجتماعي , ولا سيما في اتخاذه للقرارات الحاسمه , بما ينعكس عليه وعلى اقرانه من حتمية العمل الزراعي , لقد بدأ الانسان يتحكم بعض الشيء بظروف الطبيعة , ان لم يكن قد فضل تفادي الصراع مع تلك الظروف , على اقل تقدير , فخرج البدائي يغمره الزهو بمحراثة الخشبي يشق الارض متباهيا امام اقرانه , ولم لا وقد كانت تلك نقلة اخرى حددت طبيعة تعامله مع الاشياء ؟! نقول : في اعتماده محرثا بسيطا لا يعدو ان يكون اكثر من اداة خشبية على هيئة عتلة زودها بنصل قاطع ثم ادرك بالتجربة قساوة الحجر فاعتمده بديلا عن الخشب , مثلما صنع المنجل من قبل من حجر الصوان القاسي , وجاءت النقلة الاخرى عندما عرف فوائد الحيوانات الداجنة في سحبها للمحراث .. فبات يستكمل حلقات البحث (!) دواليك . لقد مارس اسلافنا من بني الانسان في تاملاتهم ومشاهدتهم كامل الحرية بالمعنى الدقيق للعبارة , فالقول ان ممارستهم كانت تخفي بين طياتها مظاهر فلسفة الامور والحقائق , هو قول لا تشوبة شائبة , فقد كانت لصناعة "المنجل" و "المحراث" و "الرغيف" و "تدجين الحيوان" و "زراعة القمح" في تلك الاحقاب , سيمات ثورية اتصفت بها , فالثورة الخضراء تلك التي انبثقت في عقد الستينات والتي جاز للبعض منا ارجاعها لمساعي الدكتور بورليك , كانت تلك الثورة بلا ريب تطورا مدهشا شهد له الجميع , القاصي والداني , وحسبنا ان نذكر بهذا الصدد ان ذلك التطور استمد جذوته من جذور تاصلت بما اتيح للانسان البدائي تقديمه , او ليس من الشهامة بمكان – والحالة تلك – ان يمنح ذلك الانسان قسطا من جائزة نوبل؟ الحقيقة , انني لست من اصدقاء الانسان البدائي كما قد يحلو للبعض ان يترك العنان لخيالة الغصب ان يحكم في ذلك (!) كما ولست ممن ينادي البته "بحقوق الانسان الحجري" بل انا ممن يدعون الى تفادي (التقدم) القهقري الى تلك العصور الموحشة , حيث يحاول البعض ان يقودنا اليها بالاكراه .  -  عناد ام عزيمة -  ورغم ان زراعته للقمح كانت عرضه لبعض سنوات الجدب , الا ان ذلك لم يحط من عزيمة البدائي في استكمال المسيرة , تلك التي جاءها من قبل خالي اليدين , بل كان في كل الامور يزداد خبرة , حتة اوصلته للوقوف على حقائق مثيرة ومعرفة كنهها , فمكنته من ان يضع ما يعرف اصلاحا في يومنا بنماذج (موديلات) للربط ما بين الانتاج وعوامله , بيد انه لم تح له فرصة تدوين ما توصلت اليه عبقرية , لافتقاره لاساليب الكتابة والتدوين , ومهما يكن من امر , فانه وضع بصماته ظاهرة , كما تناقلتها اسفار التراث الموروث عبر العصور , فالكهوف التي استوطن , والرسوم التي خط على جدرانها , لانواع الحيوان والنبات خير شاهد لتلك الاسفار , وبطبيعة الحال لم يكن التطور ليشمل قبائل دون اخرى , فعلى المسيرة الطويلة للبشرية , عملت المجتمعات البدائية باتجاة اعتماد الاساليب في ايصال المعرفة عبر الاجيال , وكان هناك ثمة شيئا يخالج ذلك البدائي في انه لا يقل فطنة وذكاء وتجربة عن اقرانة , طالما كان هو من وضع التصاميم بل وقام بتنفيذ اول محراث واول منجل واقام اول فرن (تنور) معتمدا الاسس والنواميس الطبيعية , ومستهدفا شق الارض لتتلائم ومهد بذرة قمح انعمت عليه وعلى اقرانه برغيف الخبز - الوراثة والتطور -   يؤكد المؤرخون في ضوء الحفريات على تطور (المنجل) المصنوع من حجر الصوان , فرغم بساطة المنجل البدائي , الا انه صمم ابتداء لجني نبات القمح بما يشبه عملية النتف (الاقتلاع) , ولاحقا بما يشبه عملية قطع (الحصاد) للنبات , فقد اتاح نصله غير المسنن فرصة حصاد الانواع البرية من الاقماح , دون عناء الا ان ذلك لم يدم طويلا , فقد تطور المنجل بنصله المسنن ليتلائم مع نباتات القمح المتطورة وراثيا باستمرار , فانفراط الحبوب اثناء عملية الحصاد كانت طبيعة للنباتات البرية ولم تكن للمنجل امكانية قطع السوق الجافة , الا اذا كان النصل مسننا , وهنا وقفه لا بد منها , ونحن على اعتاب القرن الحادي والعشرين , فقد تذكرنا تلك الادوات باسلافنا الذين كان لهم الفضل في وضع اسس الحضارات الزراعية , واستقرار المدنيات عبر التاريخ , ويكفيهم فخرا اننا مازلنا نستخدم المنجل والمحراث والتنور حتى يومنا الحاضر دون ان نجري عليها تغييرات جوهرية تذكر رغم مرور الاف السنين .    - عود على بدء -   ومرة اخرى اعود الى حديثي عن رغيف الخبز , ولست مبالغا القول في انه كان انجازا حضاريا لم يتح للتاريخ فرصة رصد عظمتة عبر القرون , ان صناعة المحراث والمنجل ورغيف الخبز في تلك الاحقاب لم تكن البته ادنى اهمية من اقامة صرح لاعظم مفاعل نووي يشهدة القرن العشرون (ناهيك عن معايير المقارنة تلك) بيد ان الفارق الوحيد الذي امكن رصدة في هذا المضمار يتمثل في ان من صنع الادوات البدائية تلك كان جسورا ومقداما يقضي وقته عاري الجسد , ويبحث عما يقيم به اوده ويكسو جسده , وعلى خلاف ذلك , فان من اقام المفاعل كان جبانا ومتخما , مكسو الجسد , يبحث وبإلحاح شديد عمن يسقيه مخدرا ويعري له جسده , بل هو يعمل بكل ما اوتي من قوه نحو ذلك الهدف ليزيل عن جسده ورقة التوت الاخيرة , التي لا تستر سوى ظلها , او لعله في كل هذا وذلك يحاول جاهدا ان يعيد للاذهان اصالته في العوده الى عري اسلافة القدامى ..  - الرغيف سلاح ماض -  لقد آل التطور في المجتمعات الى تطور صنعة الرغيف البدائي عبر العصور , حتى اعتبر رغيفا اثريا (!) ونحن اذ نشهد في يومنا الحاضر صنوفا من الرغيف , مختلفة الصنعة والمادة , بيد انها مازالت تحمل معالم ذلك الرغيف الاثري , وعبر التاريخ كان الرغيف سلاحا ماضيا , واليوم تتعاطاه الامم وفي سبيله تتفائل المجتمعات , وبسببه تداس المقدسات , ولاجله تنتهك البلدان والاعراض , وتشرد الجماعات , بل ويحكم بالجوع على شعوب امنة في اوطانها , وهو نفس ذلك الرغيف الذي تعلم اسلافنا من قبل فنون صنعة ضمانا لاستقرار الاوطان ونشر الخير في الربوع . في كل اشكاله وصفاته , مازال الرغيف دون تغير , وحسبه ان الهدف منه اشباع بطون خاوية , ليس لسواد العيون بل الى خوف من ان تثور تلك البطون الخاوية وتمحق كل شيء من حولها بسطوة من جوع او جموح من ضغب , اذا ما هي تركت يوما دون اشباع , والخطر كل الخطر في ان تثار البطون الخاوية لتسحق بجحافلها كل شيء حتى البطون غير الخاوية.

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق