]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

بغداد هنالك...وبغداد هنا...

بواسطة: hamzah mohammed  |  بتاريخ: 2012-08-07 ، الوقت: 19:42:50
  • تقييم المقالة:
حينما تقرأ عن بغداد، وتراثها، وماضيها الذهبي، فانك لابد ان تقرأ حكايات "الف ليلة وليلة" المليئة بالفلسفة، والمفعمة بالثقافة، فهذه الحكايات او القصص كانها قارب يحملك بين ثناياه ويسير بك في نهري دجلة والفرات العظيمين وعلى جانية المجاذيف الخشبية التي تترنم بامواج مياههما العذبين، او هي مركبة مزينة بالاجراس المعدنية تسحبها الخيول العربية الاصيلة لتمر بين الازقة القديمة، والاحياء التراثية، والمنازل المتجاورة بالبنيان والمتقابلة في منافذ الدخول والخروج على حدٍ سواء. وقد ضمت الف ليلة وليلة اعداد كبيرة من الحكايات التي مزجت بين الجد والمرح جامعتاً بين مجالات الحياة المتنوعة (الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية)، في فسيفساء جميلة التشكيل او كقوس قزح في سماء بغداد العظيمة. ومن هذه القصص الرائعة حكاية "علي بابا والاربعين حرامي"، حيث كان علي بابا مزارعاً بسيطاً يسكن في احد بيوتات بغداد في احدى زواياها المطلة على شاطئي دجلة الخالد، وكان له زوجاً ذكية تمثل المرأة العربية الانموذج في المجتمع العربي الاصيل. وفي احد الايام وبينما كان علي بابا قافلاً راجعاً من حقله الى مسكنه فإذا به يشاهد مجموعة من الخيالة الذين يخفون وجوههم، وملامحهم وهم متجهون نحو التلال وهم يحملون الاكياس المتدلية تحت ارجلهم فوق ظهور خيلهم، وقد امتزجت هذه اللوحة مع لوحة احمرار الشمس في الافق وميلها الى الغروب، وعندها علم علي بابا ان هؤلاء مجموعة من اللصوص المجتمعون على هيئة عصابة منتظمة ولهم رئيس يقودهم نحو تنفيذ عمليات السرقة، والاحتيال، واللصوصية فضلاً عن قطع الطرق وسلب الناس اموالهم، وامتعتهم، وجميع هذه الاعمال المشينة كانت تجري في المساء والليل وفي اوقات الظلمة والعتمة بعيداً عن اعين الناس وحراس بغداد وجنودها، وبكافة وسائل التخفي عن انظار الناس. وحين هم علي بابا ان يبتعد عن المغارة والعصابة استشعر به احد افرادها، لكنه اهمل الموضوع وتركه بناءاً على طلب رئيسه الذي مابرح يعد الاموال والحاجيات التي سرقوها من بغداد (ام العواصم). وعند رحيل الشمس وحلول الظلام وتلؤلؤ النجوم في سماء بغداد، وصل علي بابا الى بيته تعباً، ومنهكاً، ومندهشاً حيث كانت في استقباله زوجته "جمانة"، وقد اعدت له الطعام، والماء، والخبز العربي اللذيذ، فاخبرها بما شاهد ورأى في ذلك اليوم المدهش في تلك المغارة العجيبة وما كانت تصنعه تلك العصابة وما حملته من اكياس الاموال، والحلي الذهبية، وغيرهما... ولكن شدة التعب غلب عليه ونام وهو يحلم بما رأه وشاهده، وبقت جمانة بعد انتهاء العشاء ونوم زوجها تجمع الاواني والاكواب الفخارية وهي تلمع بعيينيها متخيلتاً اياها كأنها الذهب والفضة في تلك المغارة البعيدة. وفي الصباح الباكر خرج علي بابا الى عمله مجدداً كبقية الايام وقد صادف ان رأى جاره الحسود الذي يقع الى الجانب الشرقي من بيته، فقد كان ذلك الجار يحمل الغيض، والحقد، ويفيض باللؤم على جاره، لكن علي بابا كان يتجاوز تلك السلبيات بناءاً على عقله الحضاري الذي يحمله، والعرف الاجتماعي لكون حق الجار على الجار واجب، لكن ذلك الجار كان لايحمل تلك الصفات التي يحملها علي بابا العربي، البغدادي، التي تعلمها من سلفه، ومجتمعه مع كونه مزارعاً، وفلاحاً بسيطاً لكنه كان يحمل المبادئ والقيم والعادات العربية الاصيلة. فقد اخبر علي بابا جاره بما رأى في تلك الليلة وهو مطمأن في داخله من فعل جاره الذي يسكن الى جانبه منذ فترة طويلة جداً، فعمد الجار على كشف السر وقام بالوشاية على ما سمعه من حديث علي بابا فتكلم عن السر في السوق فتناقلت الاخبار على مسامع الناس والرجال فوصل الخبر اليقين الى تلك العصابة فوضعوا علامة مميزة على بيت علي بابا، إلا ان زوجته كانت فطنة فعملت على وضع تلك العلامة على بيت الجار الواشي الحقود بعد ان علمت بما فعله بزوجها، فجائت العصابة وقتلت ليلاً الجار الواشي فوقع في شر اعماله، وفي الصباح تفاجئ افراد من العصابة بوجود علي بابا ماشياً في الاسواق ومتحدثاً مع رجالاتها، فاجتمعت العصابة مرة ثانية لتدبير حيلة آخرى اشد من الاولى فأتفقوا على ان يختبؤا في اواني كبيرة مصنوعة من الفخار وتغلق افواهها من الاعلى وحين دخل الى بيت على بابا رئيسهم طلب منه ان يبيت تلك الليلة فقبل ذلك لكون العرب يكرمون الضيف، ويرحبون به، وحين ذهب جمانة لاحضار الزاد من صندوق الطعام لاعداد العشاء الى الضيف سمعت الحديث الذي كان يدور بين افراد العصابة المختبئين في الاواني التي كان يحملها الضيف فعلمت بكيدهم وقامت بغلي الزيت وعجلت بسكبه وهو حار على رؤس العصابة حتى فارقوا الحياة، وقد اسرعت جمانة واخبرت زوجها بما صنعت بتلك العصابة الهوجاء الذي قيد بدوره رئيس العصابة واصطحبه الى جنود بغداد وحامين عزتها، فتخلصت بغداد من تلك العصابة البائدة وشرها المظلم وامن الناس على حياتهم واموالهم. هكذا كانت حتى العصابات، نعم حتى العصابات واللصوص لهم حياء ويتخفون من الناس والمجتمع والعرف حتى لا يرنوهم حين يسرقون او يتلصصون على اموال الناس ليس خوفاً فقط، وهم يخرجون في الليل وفي عتمة المساء وفي ايام البرد القارص علهم لا يجدون احد يرهم من بني جنسهم، مع كون اللصوص والحرامية ليس لهم مبدأ، او قيماً، او عادات يتمسكون بها لكنهم مع ذلك يخفون ملامح وجوههم ويخفون تفاصيل اجسادهم لعلة الحياء القليل "او قد يكون كثيراً" الذي يحملونه آن ذلك...اما اليوم فلا حياء ولا خجل فاللصوص، والسراق، والعصابات المنظمة تجوب بغداد وتتجول بها صباحاً جهاراً وتحت اشعة الشمس وفي ازقتها، وشوارعها، وكل تفاصيلها وهي محمية بكافة القوانين، والشرائع التي وضعتها وسنتها لنفسها وتحمل ما طاب لها من انواع الاسلحة الحديثة، والمتطورة ومختلف الاعتدة في لوحات يومية همجية، بربرية، شعوبية، قبيحة بشكلها وشكل حاملها، وفاعلها ولا تحمل ذرتاً من خجل، او حياء، او اي قيماً، او عرفاً، في حالة مأسوية لا يمكن معرفة نتيجتها او متى نهايتها ومع استمرار الدعم الكامل لتلك العصابات من خلال الاموال والاعلام بما فيه الصحف، والمجلات، والاذاعات، والقنوات التلفازية، والفضائيات في مشهد يومي مريع تخضبت منه لحى المسنين، والشيوخ بدموعهم، وادهشت الطفل الرضيع في احضان امهاتهم...فصبراً يا بغداد صبراً فإن ابائك لم يموتوا إنما هم في غفلة من امرهم.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق