]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

الإنسان شعاع من الإرادة المطلقة

بواسطة: Hasan Alnajjar  |  بتاريخ: 2012-08-06 ، الوقت: 10:39:59
  • تقييم المقالة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإنسان شعاع من الإرادة المطلقة

       إن القلب كالغرس ,إذا أهمل الإنسان غرسه من دون أن يسقيه ماءا فسوف يصبح جافا ويابسا ,وغير نافعا ,وسوف لن نرى فيه أية صورة توحي بالحياة والحيوية ,فكذلك القلب تماما ,لكنه لا يسقى بالماء وإنما بالحكمة والمعرفة ,إلا أن أغلب تلك الحكم هي العميقة والرفيعة ,فالكلام عن الإنسان هو من أعلى الحكم ,كما إن علم النفس الإنساني من أوسع وأعقد العلوم ,لكن برأيي المتواضع هذا العلم يحتاج إلى نور داخلي ,فإن افتقد الإنسان في وجدانه هذا النور فهو كالأعمى الذي يلمس بيديه الأزهار فيعرف شكلَها وحجمَها وطولَها وسُمُك أوراقِها ,لكنه لا يحسُّ جمالَ ألوانِها .

        إن عبارة (الإنسان شعاع من الإرادة المطلقة) مرادفة لـ { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(1) , فكلاهما يحملان نفس المقصود ,الذي يرتبط المبحث به .

        الإنسان قفزة في عالم الماديات.

        {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ }(2).

        إن عالم الماديات في البداية كان عبارة عن أجسام تحركها القوانين الفيزياوية ,تدب عليها كائنات بسيطة مسيّرة ,وتنبت على سطحها نباتات_وهي مخلوقات مسيّرة أيضا_ ,ثم بعض الحيوانات المسيّرة .

        لقد عمدنا إلى تكرار كلمة(مسيرة) , لأنه من خلال هذه الكلمة نعرف لماذا الإنسان قفزة في عالم الماديات أو لماذا سجدت الملائكة لآدم .

        فهكذا كان العالم المادي (وأيضا يُقال أن الملائكة _مخلوقات العالم الملكوتي_ مسيّرة ) , والعالم المادي عبّر عنه الخالق بـ (الأرض) ,في الآية الأولى المذكورة أعلاه.

       لكن فجأة يخلق الله تعالى حيوانا يحمل في كيانه وذاته شعاع من الإرادة الإلهية المطلقة ,أي يحمل في داخله قابلية الخلافة في عالم المادة ,فلذا كان الإنسان قفزة في العالم الذي كان يخلو إلا من الموجودات المسيرة.

       الإنسان لا روح ولا جسد

        {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ                                         فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }(3) .

         من المتحدث عنه في الآية ؟

         إذا كان الروح , فقد قال تعالى (ونفخت فيه من روحي) , فكلمة (فيه) يقصد منها غير الروح . وإذا كان هو الجسد فقال تعالى (بشرا من صلصال) , فالجسد (الصلصال) هو مادة ذلك الشيء , وكذلك (سويته) , فهي تشير إلى مفعول به ,ومثلها قولنا (جعلته ثلجا) ,فهنالك مفعولان للفعل(جعلتُ) ,وليس من المعقول أن المفعول الأول هو نفس الثلج وإنما هو الماء , اذن فالمتحدث عنه ليس الروح ولا الجسد .

      واستنتجنا من خلال فهمنا القاصر بأن الإنسان هو الروح والجسد مجتمعان ,وليس هو الروح فقط ,أو الجسد فقط ,بل هو أعلى منهما .

      الحياة دور لكن الموت بداية الاستمرارية        

      {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(4).

      إن الحياة المقصودة في العنوان ,تمثلها في الآية كلمتان (فأحياكم ثم يميتكم) ,إنها حياتنا الأولى ,لكنها حلقة تتوسط سلسلة كما نرى في الآية ,أو دور في ضمن عملية .

      فكل عملية كما نعرف تنتج عن عدة أدوار ,فمثلا عملية المشي تنتج من ثلاثة أدوار على الأقل ,دور الدماغ في إرسال الإيعازات العصبية ,ثم دور عضلات الرجلين في تحريك العظام ,ثم دور العظام . ومسيرة الإنسان عبارة عن عملية تنتج من اجتماع عدة أدوار ,الحياة الأولى ثم الموت ,إلا أن العمليات يكون دورها الأخير بداية لاستمرارية العملية ,فعندما قلنا ثم دور العظام توقفنا ولم نقل شيئا ,لأنه بداية للانطلاق والاستمرارية ,فهكذا هو الموت ,فدور الدماغ قد انتهى عندما ارسل الإيعاز ,لكن تستمر حركة الرجلين ,أي يجوز أن لا نعتبر دورا للعظام , ولا نعتبر الموت دورا .

      إذن الحياة دورنا الوحيد ,وفيه يبرز اختيارنا ,ارادتنا ,ففي الجنة لنا إرادة وهي أن نريد فاكهة أو لحم طير ,أو أننا نختار الطعام ,لكن اختيار نوع المسيرة ,يختلف كثيرا عن اختيار الطعام وما شابه ,فدور الحياة هو اختيار نوع المسيرة ,والآخرة أو ما بعد الموت ,إنما هو المسيرة ,الدماغ يختار شكل المشي ,كالمشي المتزن ,والمشي المستخف ,والعضلات والعظم يقومان بالمشي ,مسيرة الإنسان تنصب في عالم الآخرة ,لكن دور الإنسان المؤثر في المسيرة هو في الحياة الدنيا. وهكذا نميز إرادة الإنسان في الدنيا , عن إرادته في الآخرة.

      الجسد هو طينة.

      {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }(5).

       إن سؤاله تعالى لإبليس عن سبب عدم السجود ,إنما دليل على أن خلقة الإنسان من طين لم يكن مبررا للتكبر على آدم ,أو لم يقلل من قدره ,لأن الجسد يسكنه شعاع الإرادة ,ويحمل صفة من صفات الله تعالى وهي الاختيار ,أما بعد الموت فإذا أردنا أن نشير للإنسان الذي توفاه الله فلا يحق لنا أن نشير لتلك الطينة الخامدة ,أو لتلك العظام البالية ,فهل يعقل أن كيان الإنسان ووجوده يتحول إلى تراب ,كلا إنما (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(6) .

      لذلك فإن الإنسان قد يقع في الحيرة إذا مات أحد الأشخاص الذين عاشرهم ,فهل إن الذي كان يكلمه ويتعامل معه ويفهمه .. اليوم يكون عظاما !! ,وبالتالي تزداد معرفة الإنسان للإنسان الآخر عندما يودع جسده ,حيث يعرف بأن هذه الطينة كان ذلك الإنسان ماسكا بها ,ومحركا لأيديها وعينيها ودماغها .. ومصدرا للصوت من خلال حنجرتها ,والآن قد افلتت الطينة من يدي ذلك الإنسان ,وهو لا زال موجودا ,لكن بدون وسيلة للتواصل معنا .

 

      حبل التواصل هو حقيقة الحياة.

     {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(6).   

      إننا لن نعرف حقيقة الحياة إلا بعد معرفتنا لحقيقة الموت ,مثلما أننا لا نعرف حقيقة النهار إلا بعد معرفتنا لحقيقة الليل .فحقيقة الموت هي مفارقة الإحساس بالعالم المادي ,إذن حقيقة الحياة هي الإحساس بالعالم المادي ,فالجسد ليس إلا عبارة عن حبل للتواصل ,أو آلة للإحساس ,فالحياة تعني وجود هذه الحواس كلها أو بعضها .

      فالعقل إذا وعى ما حوله من محسوسات ,قام بتشكيل شخصية الإنسان على أساس ما تولد في باطن الإنسان من انطباع وصور لتلك المحسوسات ,فتعقل الإنسان للأشياء لا يعني دخولها لعقله عن طريق الحواس ,وإنما تعني صورتها وهي في داخل العقل ,أي انطباع العقل عنها .

     ومن هنا فللإنسان عقلان :

     العقل الحيواني والعقل الإنساني

     {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(7).

     {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }(8).

     {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ }(9).

     كلنا نرى تلك الآيات ,وكلنا سرنا في الأرض ,وكلنا ننظر إلى السماء فوقنا ,لكن المشكلة تكمن في ما ينطبع في عقولنا عن تلك الآيات ,ونتيجة ذلك السير ,وبعد تلك النظرة إلى السماء , (تعقلون) تعني تعون ما يكمن خلف تلك الأمور التي تدخل إلى حواسكم .

     فالعقل الحيواني هو الذي يعي الصور والأصوات والروائح ,والعقل الإنساني هو الذي يعي ما خلفها ,يعي حكمتها وعبرتها .

     وفي نفس الوقت فهنالك للإنسان ذكاء حيواني وذكاء إنساني ,فالذكاء الحيواني يدفعه لمعرفة الأمور المادية ,مثلا هنالك أطفال يدركون بسرعة أن النار مؤلمة ,وهنالك آخرين يدركون أن إيذاء الأطفال من الخطأ ,فالإدراك الأول هو من الذكاء الحيواني ,والإدراك الثاني هو من الذكاء الإنساني . أي إن الذكاء الحيواني يتحكم بحركات الإنسان ,لكن الذكاء الإنساني يتحكم بأسلوب حركاته أي بأخلاقه .

     العقل الحيواني يؤكل في القبر ,لكن العقل الإنساني ملازم للروح عند مسائلة البرزخ ,فعندما يتعقل الإنسان بأن وجود الله حق ,سوف لن ينسى ذلك بعدما يموت . وهذا ما ميّز الإنسان عن الحيوان.

 

 

     التعقل الإنساني أمام طريقين.

     {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ }(10).

       التعقل الإنساني لا يصيب دائما ,فإذا كان هنالك قصور في الإدراك عند الإنسان كالطفل و الصبي غالبا ,فإن الأمور التي يراها الإنسان ويسمعها تكون صورها وانطباعاتها في داخله وهما ,أما إذا كان لديه الإدراك فتكون فهما .

سعادة وحزن الإنسان          

{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }(11).

{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }(12).

      إن السعادة تعني الميل إلى الطمأنينة(السكون) ,وكل سكون ينتج من الانسجام والتوافق ,أما الحزن فيعني الميل إلى الاضطراب ,وكل اضطراب ينتج من التناقض .

      إن المسيرة المادية للإنسان متقلبة ,أي فيها العديد من التناقضات ,أما المسيرة المعنوية التي ترتبط بعلاقته مع الله فلا تناقضات فيها . والاستنتاج مما تقدم هو أن الإنسان الحزين هو المتعلق بالمسيرة المادية ,حيث يواجه تناقضات وتقلبات تدعوه إلى الاضطراب النفسي ,أما الإنسان السعيد ,فهو أيضا يواجه تلك التناقضات ,لكن بما أن همه هو مسيرته نحوالله فهو لن يكون مضطربا كالأول .

      كما إن من أهم التناقضات التي يعاني منها الإنسان المضطرب التناقض الذي بين الانحراف أو الكفر ,والفطرة السليمة التي عند كل إنسان ,فهذا التناقض بحد ذاته يصنع الجزء الأكبر من الاضطراب الذي يكون عند الإنسان الضال.

      أما الآيتين الكريمتين ,ففي الآية الأولى الفرح ممدوح ,لأنه الفرح المتعلق بالمسيرة المعنوية ,أما الثانية فالفرح متعلق بالمسيرة المادية ,وهو المذموم الذي لا يحبه الله تعالى .

علاقة الإنسان مع الأشياء

      إن علاقة الإنسان بسواه تعتمد على ثلاثة أمور , أو بتعبير آخر تنقسم إلى ثلاث علاقات , وهي :

1_ علاقة المصدر (التكوين) : وهي التي تتعلق بالمصدر والأصل , مثلا علاقة الإنسان بالإنسان أقوى منها بالحيوان , للأختلاف المصدري والتكويني , وكذلك فعلاقته مع الحيوان أقوى منها مع النبات .

2_علاقة المعرفة : وهي المتعلقة بمعرفة , مثلا إذا كان الإنسان أكثر معرفة بصديق من صديق آخر فعلاقته بالأول أقوى منها بالآخر , أي إن المصدر والتكوين لا يكفيان وإنما المعرفة تزيد من قوة العلاقة .

3_ علاقة التكامل : وبعد أن عرف الإنسان الآخرين فإنه سوف يشخص أكثرهم مساعدة على سد حوائجه ونواقصه , أي أكثر خدمة في تكامله , لكن عندما نقول تكامله نعني وصوله إلى مطلوبه , أي أن تكامله قد يكون في طريق السوء أو طريق الخير , فمثلا علاقة الزوج بالزوجة أقوى من علاقته بالأخ أو الأخت , لأن الزوج تحقق تكاملا أعلى من الذي يحققه الأخ والصديق والرفيق .

علاقة الإنسان بالله

(( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد )) (13)

       حسب الآية الكريمة فإن علاقة الله تعالى بالإنسان فضلاً عن كونها أقرب من علاقة المجتمع بالإنسان هي أقوى من علاقته بنفسه !

       وتفوقها في القرب على علاقة المجتمع بالإنسان أكثر سهولة للاستيعاب من تفوقها على علاقة المجتمع بنفسه . ولتوضيح المسألة يجب استعمال العلاقات الثلاثة المذكورة أعلاه .

      فمن حيث علاقة المصدرية الله تعالى هو سبب وجود الإنسان , أما الناس فليس أي واحد منهم سبب وجود الإنسان , أي لم يخلق أحدهم الإنسان , فالرجل ليس هو الذي يخلق المني , والدليل قوله تعالى : (( أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون )) (14) .

      وكذلك الأم , فالخالق هو الله وحده , وأما نفس الإنسان فهي لم تخلقه .

      وأما من حيث علاقة المعرفة , فإن الله تعالى يحيط بذات الإنسان تماما (ونعلم ما توسوس به نفسه) , فالوسواس النفسي هو من أخفى الأشياء في باطن وجوف الإنسان , ومع هذا فالله تعالى يحيط به معرفة , وأما الناس فلا أحد منهم يحيط بذات الإنسان حتى أقربهم إليه , كالزوج والأم والأب والأخ والصديق ...

      وحتى الإنسان فهو لا يحيط بذاته معرفة , والدليل أن الكثير من الناس لديهم أخطاء يجهلونها , وحاجات فيهم مخفية عنهم .

      أما علاقة التكامل , فإن الحاجة الأساسية للإنسان وهي الكمال , لا يسدها سوى الكامل وهو الله تعالى , فهي علاقة تغني الإنسان عن بقية العلاقات , أما الناس فلا أحد منهم يملك الكمال لكي يسد هذه الحاجة عند الإنسان , وأما نفس الإنسان فليس له أن يستغني بما عندها , إنما هي فقيرة .

      والنتيجة هي أنه لا توجد علاقة أقرب من علاقة الإنسان بالله تعالى , فهي أقرب من علاقته بنفسه , حيث أنها علاقة خالق ومخلوق , عالم ومعلوم , مغني وفقير .

 

التعارف والتكامل بين البشرية     

      إن الكلام المتقدم يفتح نافذة لتفسير الآية الكريمة :

((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) (15)

      إن الله تعالى خلق الذرات بشحنات مختلفة , بعضها يميل إلى فقد الإلكترونات وبعضها إلى الاكتساب , بتعبير آخر أن بعضها موجب وبعضها سالب , والسبب هو لكي تتحد هذه العناصر أو تتكامل , وهذا يؤدي إلى تطور المعادن والعناصر واكتسابها صفات جديدة في الطبيعة , ولو كانت كلها ذات شحنة واحدة لما تلاقت الذرات فتتكامل العناصر وتتطور .

      وهذه صورة تبسط خلقة البشرية , فكل إنسان خلق الله عالما خاصا به , وجعل له شخصية ورؤية خاصة , ولو أنفقنا ما في الأرض جميعا على أن نوحد رؤية إنسان تماما مع رؤية إنسان آخر ما استطعنا ذلك .

      لو سألنا لماذا هذا الاختلاف بين كل إنسان وإنسان , ولماذا كل إنسان له منظار وعالم خاص به , تجيبنا الآية الكريمة المذكورة أعلاه , والجواب هو لتعارفوا , ولو سألنا ما الغاية من التعارف , فالجواب نفس الغاية التي لأجلها جعل الله الذرات تتلاقى وتأخذ شحنات بعضها البعض , والغاية لكي تتكامل , فلو خلق الله إنسانا مطابقا لك تماما في الشخصية والرؤية والعالم الخاص به فإنك لن تنسجم معه , لأنه لا يضيف شيئا على ذاتك , حيث كل ما عنده موجود عندك .

      وهذا الكلام لا يناقض كلامنا السابق عن علاقة الإنسان بالله , عندما ذكرنا بأن الإنسان لا يبلغ الكمال إلا بالله , حيث إن الله وضع عدة طرق للسير نحوه من ضمنها التعامل مع البشرية , و أنه تعالى لم يلق العلم والحكمة في قلوب كل البشرية وإنما بعضها , والبقية تأخذ تلك العلوم الإلهية عن طريق أولئك الأفراد .

      ولا يحق للإنسان كره الآخرين لو اختلفوا معه في الرؤية والرأي , لأن هذا ناتج من ذلك الاختلاف التكويني الذي أراده الله للبشرية , وواجب الإنسان أن يسعى لتصحيح رؤيته لو كان فيها خطأ أو إضافة أمور جديدة لها من خلال رؤى الآخرين , أو العكس , أي أنه هو الذي يصحح رؤاهم .

      وعليك أن لا تحزن لأنه لا يوجد إنسان ينطبق عالمه ورؤيته على عالمك ورؤيتك ونظرك , لأن الله يريد من وراء هذا الاختلاف أن تفيد الآخرين وتخدمهم من خلال عالمك ورؤيتك , و تستخدم ما موجود في عوالمهم لعالمك ورؤيتك .

      وتكملة الآية هي أن هذه الاختلافات بين البشرية لا تفضل إنسانا على آخر , لأنها خارجة عن إرادتهما , فمثلا الإنسان الذي يخلق في مجتمع فاضل ليس له فضل على الإنسان الذي يخلق في مجتمع منغمس في الرذائل , وإنما خيرهما هو الأتقى , فحتى ذلك المخلوق في مجتمع فاضل له إرادته واختياره المستقل عن مجتمعه , فقد يختار طريق الرذيلة . هذه الاختلافات تؤثر في التعارف لا في التفاضل .

الألفة بين الناس

      إن كلامنا السابق يفتح لنا نافذة لتفسير الآية الكريمة :

(( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم )) (16) .

      ذكرنا أنه لو أنفقنا ما في الأرض جميعا على أن نوحد رؤية إنسان تماما مع رؤية إنسان آخر لما استطعنا ذلك , حيث أنه يوجد اختلاف خلقه الله تعالى في البشرية , وبما أنه قد وجد عند البشرية بإرادة الله , فهو لا ينعدم بإرادة إنسان , وإنما بإرادة الله , أي إن الله ثبته بحيث لا يزيله إنسان حتى الرسول(ص) إلا بإذن الله .

      فالتآلف لا يعني المحبة والمودة فقط , حيث هنالك أشخاص يحب بعضهم بعضا , لكن لو جئنا إلى رؤاهم وآرائهم لوجدنا قلوبهم شتى كما عبر القرآن الكريم , ((تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)) (17) .

      التآلف هو وحدة الرؤية والرأي , وهذا ليس بالأمر الهين , فأرواح البشرية مستقلة , وكل إنسان له ذات وشخصي وعالم وشعور وإرادة وطريق واختيار خاص .

الزواج وأهميته

      إن من ضمن آية التعارف قوله تعالى (( من ذكر وأنثى)) , والسبب أيضا هو ((لتعارفوا)) , أما بين الناس بصورة عامة فقد عرفنا الغاية من التعارف , لكن بقي أن نعرف الغاية من التعارف بين الذكر والأنثى خصوصا , والتعارف بالتأكيد بالزواج , والغاية نفسها وهي التكامل. وهذا يؤدي إلى تفسير الآية الكريمة ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها)) (18) .

      ومعناها أنه في كلي الرجل والمرأة فراغ وحاجة , وكل منهما يسد فراغ وحاجة الآخر , وإن لم يتزوجا فلا أحد يسدهما عند كلي الطرفين , حيث تبقى شخصية ودين كل منهما غير مكتملة ما لم يرتبطا , تحت سقف الزواج , وهو الرابطة النظيفة والسليمة التي تحافظ على استقامة المجتمع .

التعارف والعلاقات الثلاث

      ذكرنا علاقة الإنسان مع الشيء تعتمد على التكوين أو المصدر , والمعرفة , والتكامل , والله تعالى وفر هذه الأسباب الثلاثة للبشرية حسب ما وجدناه في الآيتين الكريمتين السالف ذكرهما , لكن ذلك التوفر حدث بالتسلسل .

أولا : (( وهو الذي خلقكم من نفس واحدة)) .وهذا يؤدي إلى علاقة المصدرية .

ثانيا : وفي آية التعارف قال تعالى (لتعارفوا) ,أي إن تعدد البشرية من مصدر واحد يؤدي إلى علاقة المعرفة .

ثالثا : والتعارف كما ذكرنا يؤدي إلى علاقة التكامل .فالذكر والأنثى يشتركان في الإنسانية , ينفصلان عن بعضهما في جنسهما ,وهذا الانفصال يؤدي إلى تعارفهما , ومن خلال هذا التعارف يسد كل منهما نقص الآخر .والآية الكريمة تذكر أنه مثلما الإنسان بإمكانه أن يكمل الإنسان الآخر , فكذلك هي الحضارات والشعوب .  

  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1_البقرة: 30 .

2_البقرة: 34 .

3_الحجر :28-29 .

4_البقرة: 28 .

5_الأعراف: 12 .

6_النحل: 78 .

7_البقرة: 73 .

8_الحج: 46 .

9_ق : 9 .

10_النور: 39 .

11_آل عمران: 170 .

12_القصص: 76 .

13_ق: 16 .

14_الواقعة: 68-59 .

15_الحجرات: 13 .

16_الأنفال: 63 .

17_الحشر: 14 .

18_الأعراف: 189 .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق