]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ذات ليلة ...

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-06 ، الوقت: 09:55:28
  • تقييم المقالة:

 

ذات ليلة ، وكنت ضيفا في البادية ، لازمني أرق بغيض ، نغص علي لذة الكرى ، وحرمني متعة الأحلام . وفجأة وسط الظلمة سطعت صورتها البراقة ، في خيالي المتوقد بقوة ، كقبس من نور الشمس الدافئة ؛ فأضاءت جوانب قاتمة في نفسي ؛ وبعثت في جوانح فؤادي حرارة شديدة ، لم يقو على احتمال درجتها العالية جسدي الفوار ، فقمت تواقا إلى واحة غرفتها الظليلة ، حيث ترقد مثل بدوية حرة حسناء ، دون اقتحام خيمتها المرصودة شيخ القبيلة ، وفرسانها ، وكلابها . وتقدمت ، في الظلام ، بخطى صامتة وحثيثة ؛ متشوقا إلى الوصول ، مهما كان الهول ، ومتحرقا إلى الوصال ، مهما كان الويل ؛ ممنيا نفسي الملتاعة بالقبل والعناق ، ومؤملا روحي المشتاقة بالعطف والحنان ، شأني ، في عزمي وقراري ، كشأن عاشق حضري ، يؤمن بقوة الحب ، وسحر الشوق ، ويسلم بنار النشوة ، وأوار الجنس ، مبررا إقدامي الجسور بحبنا المتبادل ، الذي نما وشب في قلبينا ، منذ عهد الطفولة البريء ، ومعززا هذا الحب الصامد بميل الحبيبة نحوي ، الواضح للجميع أكثر فأكثر ، وتغاضي عيون أهلها عنه ، في كل الزيارات التي بيننا ، وهمس شفاه غير أهلنا به في جل المناسبات ، التي تجمعنا ، ومؤكدا هذا الاعتزاز ، في ذات الوقت ، بمحاولة صغيرة ، قمنا بها في خلوة ، ذات ليلة عابرة ، كللت بالنجاح ، والنشوة ، والجذل ؛ حتى بتنا نعتقد أننا خلقنا لبعضنا البعض ، في هذه الدنيا ، وأننا سنكون مضرب المثل في العشق السديد ، ومفخرة عائلتينا في الزواج السعيد ، إذا شاء المولى العلي القدير ، وتبسم لنا الحظ السعيد ، في الغد القريب ... !!!

ولكن ، على غير ما صور لي خيالي الجامح ، وعلى عكس ما تمنى فؤادي الجانح ، جرت المقادير ، تلك الليلة ، بما لم تشته نفسي ، وبما لم تتق روحي ، وحالت حوائل دون مرادي ، واعترضت عوارض بيني وبين قصدي ؛ فلقد صدني باب غرفتها المسدود ، وخذلني الصبر المحدود ، وضيعني العقل المفقود ، ورمتني شقيقتها بالجنون الموجود ، التي وقفت لي بالحزم المرصود ... !!!

وهكذا بؤت بالفشل الذريع ، وانسحبت على أطراف قدمي ، منكمشا على نفسي ، وقد أنقض ظهري خزي مريع ، ومزق صدري ندم فظيع ...!!!

فما لبثت صورتها الساطعة أن توارت خلف أفق الخيبة والخذلان ، وانتشرت في سمائي الصافية غيوم سوداء ، مصاحبة بالبروق ، والرعود ، تنذر بالشر والهلاك ؛ فخيم على نفسي ظلام حالك ، حالك ، شمل الروح .. والعقل .. والفؤاد .. والجسد ... ونتيجة لذلك استبد بي شعور طاغ بالذنب الماحق ، أكثر مما استحوذ علي إحساس أقوى بالحب الصادق . واجتاحني ما الله وحده عليم بحدة شأنه ، ومطلع على شدة بأسه ... !!!

وبشق النفس المختنقة من عذاب الانتظار والترقب ، تنفس الصبح ، واستيقظ أهل الدار ...

بالكاد رشفت رشفتين من الشاي أثناء الفطور ، وتحينت الفرصة السانحة ، فانسحبت من المنزل كله ، دون كلمة وداع لأحد ، وصدري يجيش بخوف عاصف ، وحزن قاصف ... !!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق