]]>
خواطر :
لا تستفزي قلمي وساعديه على نسيانك..سيجعلك أبيات هجاء تردد في كل مكان و زمان..أضحوكة وعناوين نكت في الليالي السمر ..سيجعلك أبيات رثاء و قصائد أحزان تُتلى على القبور و على الأموات.   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(أنـــــــــا ابــــــــــنُ الــذَّبيحَيــــــــــــــــــــــن)

بواسطة: عبد الكريم  |  بتاريخ: 2012-08-05 ، الوقت: 18:26:30
  • تقييم المقالة:

(أنا ابنُ الذَّبيحَين)
تعالوا نتعرف علي الذبيح الأول ثم نتعرف علي الذبيحالثاني حتي نعرف من هوقائلهذهالعبارة

قصة الذبيح الأول وهو سيدنا إسماعيل عليهالسلام
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذ معه زوجتَه سارةَوابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مصر، وهناك أهدى الملك فتاة اسمهاهاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليلالرحمن.
مضى سيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، فيالطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحل البحر الميّت أمر سيّدناإبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلى عبادة اللهسبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَطريقَهُ مع زوجتهِ سارةَ والفتاةِ هاجر إلى أرضِفلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاًتحيطه الرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُهناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينةالخليل.ضرب سيّدنا إبراهيم خيامه في ذلكالوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة ، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلماتالطيبة..
كان سيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه،وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لا شريك له ولا معبودسواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُإبراهيمَ الرجل الصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحهوعبادته وتقواه، وعرفوا حبّه للخيروالناس.
ولكن من يدقق النظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناًفي عينيه... لماذا ؟ لان سيّدنا إبراهيم يحبّالاطفال.
كان يتمنّى ان يكون لهطفل...
وها هو الآن قد أصبح شيخاً كبيراًوأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحته خيمتهما؛
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّزوجها ولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذاتمساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدناإبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه ،وأنا راضٍ بذلك.
قالت سارةُ المرأةُالصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌنرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قدأصبَحتُ عَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنامنها أولاداً.
قال سيدناإبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي ياسارة.
ـ لن أحزن يا خليل الرحمن.. سأفرحبفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلىزوجها إبراهيم فتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعةأشهرحتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُ بميلادِإسماعيل.
وَهَب الله سبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباًملأ قلبَ أبيه فَرَحاً ومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاتهفي خيمةِ أمّهِ هاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّسيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقتطفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارة لا تريد للغيرة أنتأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسببذلك..
من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأت هاجر، فستغار منها وتحقد عليهاوهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانه رؤوفبعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانها بزوجهاإبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربهاوبرسولهإبراهيم.
وقضت مشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة في الجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهب إليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفلالرضيع سارا أيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيممكاناً جميلاً أو وادياً معشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكونقد وصل المكان الموعود.
ولكن الملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسير ويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلك المكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزل إبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولا يعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذا المكان.


لحظات الوَداع
قبّل سيّدُنا إبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
وعلى سيدن إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَ هاجرَ وابنَها في هذاالمكانِ الموحشِ، بكى سيدنا إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداً إلىفلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِ الجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش ؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن الله رؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت : ما دام ان الله قد أمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد سيدنا إبراهيمُ بعد أن ودّع ابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما
من الشرور.
اختفى إبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه،أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجري حوله..
كانت تعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعى وليدها.
وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضت عدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء..
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُ يَملأه الصَّمت.
ذهبت هاجرُ تُدير بَصَرها فيجَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء، أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير في سمائها طائر..

بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذه الأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِ في هذه الصحراء؟!
فجأةتَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَ شيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِ غَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجل القَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِ وجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع..
لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هنا وهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكان هناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كان صُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت في الوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكن لا شيء!
لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في
قلب الوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِهاإسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُ يُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِالمَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَت تَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها ما يُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوى السَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيلغابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُ مِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِ تَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ من العَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْ جَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عنبَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّما يكون قد ماتَ.. ربّماافتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْ مِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ
هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَ هناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِ وهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِ الرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُ بِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
شَمَّتِ الطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَت بمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
وذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُ طُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوا نَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لم يَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُ زوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين..
قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُ قالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.

ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُم قريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..

جاء سيّدُنا إبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَ بقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.

ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُم الوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..

أفرادُ القبيلةِ قَدَّموا لإسماعيلَكثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّم لُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىًطيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِ العربِ الطيِّبين،تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَ بيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُنا إبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّ الصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِ
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِه المُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ من الجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وهكذا بدأ البناءُ، نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِ وجَمَعا التراب.

كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُ الصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ من الصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناً لَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَ الخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَ يُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّ يعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُ يَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّيومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِ ويَقولان: ربَّناتَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَ البناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأى سيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ
في تلك الليلةِ كانَتِ الشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
في الصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُإلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه على حَجَرٍ أبيضَ مِثلِالثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُنا إبراهيمووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَ أوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌ باتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ،
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثم هَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَت قبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ
خليلِ الرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَط المَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِ زَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَ مرّات، وأدَّوا الصلاةَودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...

وبعدَها انطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفاوالمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيل ذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَيعَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً في المَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَقَطَعَت هذا الوادي المُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيفتَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء ؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذه الحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا، ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
هَبَط المَلاكُ جبريلُ وأمَرَ سيّدَناإبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفات ومِنى، ومنذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِ التَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماء المُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُ المَصابيحَ، فسجَدَ للهالخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّشيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. في عالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ،ورأى ابنَه نائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُ الرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّ العالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأ وصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُوغَمَرت التِّلالَ بالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةً أخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُ سبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليه أن يَذبحَ ابنَه ؟!
ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَهبذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً ؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُبالذبحِ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَ الذَّبح؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانهيأمرُ رسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباهكثيراً، يَعرِفُ أنّ أباه لا يَفعلُ
شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَه اللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَف إسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.

سيّدُنا إبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِ ورسولهِ.

أخَذَ سيّدُنا إبراهيمُ مُدْيَةً وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُ يُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُنَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أن يَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِالآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَنا إبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحو الوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِ الحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلى أبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكىمن أجلِ أبيهِ الشيخ فأراد أن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـيا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِالسِّكِّينَ جَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُ وقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُنا إبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِ الله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلى الأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة،يُودّعُ أُمَّه وأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِإسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌ وينتهي كلُّ شيء.
وفجأة
ماذا حدث في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟ كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءً لإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناً يَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُنا إبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله، وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي من مِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِالله... البيتِ الذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَحَولَهُ ويُمَجّدونَ اسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كماسَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،

ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّمإبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَ لأنّهم على دينِ إبراهيم،ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
أنا ابنُ الذَّبيحَين
هل تعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله.
لماذا ؟
لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُنا إسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِ عبدُالمُطَّلِب جَدُّسيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ من جديد، وعندالحفر حاولت قريش أن تشاركه أو تمنعه
فدَعا عبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَرزُقَهُ عَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناً لله..
وقد إستجاب الله له ... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقد رَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلب بين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله،
فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُ مكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوالعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ، واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّكحتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلب يَقرَعبينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُ بالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها على الفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ،

ولكنّ الله رَضِيَ بفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين،لأنّه ابنُ عبدِالله بنِ عبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.

واليومَ عندما يَذهَبُ المسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَلأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَ سيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله

(أنا ابنُ الذَّبيحَين)
تعالوا نتعرف علي الذبيح الأول ثم نتعرف علي الذبيحالثاني حتي نعرف من هوقائلهذهالعبارة

قصة الذبيح الأول وهو سيدنا إسماعيل عليهالسلام
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذ معه زوجتَه سارةَوابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مصر، وهناك أهدى الملك فتاة اسمهاهاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليلالرحمن.
مضى سيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، فيالطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحل البحر الميّت أمر سيّدناإبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلى عبادة اللهسبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَطريقَهُ مع زوجتهِ سارةَ والفتاةِ هاجر إلى أرضِفلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاًتحيطه الرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُهناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينةالخليل.ضرب سيّدنا إبراهيم خيامه في ذلكالوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة ، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلماتالطيبة..
كان سيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه،وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لا شريك له ولا معبودسواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُإبراهيمَ الرجل الصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحهوعبادته وتقواه، وعرفوا حبّه للخيروالناس.
ولكن من يدقق النظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناًفي عينيه... لماذا ؟ لان سيّدنا إبراهيم يحبّالاطفال.
كان يتمنّى ان يكون لهطفل...
وها هو الآن قد أصبح شيخاً كبيراًوأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحته خيمتهما؛
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّزوجها ولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذاتمساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدناإبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه ،وأنا راضٍ بذلك.
قالت سارةُ المرأةُالصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌنرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قدأصبَحتُ عَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنامنها أولاداً.
قال سيدناإبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي ياسارة.
ـ لن أحزن يا خليل الرحمن.. سأفرحبفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلىزوجها إبراهيم فتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعةأشهرحتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُ بميلادِإسماعيل.
وَهَب الله سبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباًملأ قلبَ أبيه فَرَحاً ومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاتهفي خيمةِ أمّهِ هاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّسيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقتطفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارة لا تريد للغيرة أنتأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسببذلك..
من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأت هاجر، فستغار منها وتحقد عليهاوهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانه رؤوفبعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانها بزوجهاإبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربهاوبرسولهإبراهيم.
وقضت مشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة في الجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهب إليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفلالرضيع سارا أيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيممكاناً جميلاً أو وادياً معشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكونقد وصل المكان الموعود.
ولكن الملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسير ويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلك المكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزل إبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولا يعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذا المكان.


لحظات الوَداع
قبّل سيّدُنا إبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
وعلى سيدن إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَ هاجرَ وابنَها في هذاالمكانِ الموحشِ، بكى سيدنا إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداً إلىفلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِ الجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش ؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن الله رؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت : ما دام ان الله قد أمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد سيدنا إبراهيمُ بعد أن ودّع ابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما
من الشرور.
اختفى إبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه،أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجري حوله..
كانت تعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعى وليدها.
وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضت عدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء..
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُ يَملأه الصَّمت.
ذهبت هاجرُ تُدير بَصَرها فيجَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء، أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير في سمائها طائر..

بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذه الأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِ في هذه الصحراء؟!
فجأةتَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَ شيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِ غَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجل القَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِ وجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع..
لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هنا وهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكان هناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كان صُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت في الوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكن لا شيء!
لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في
قلب الوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِهاإسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُ يُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِالمَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَت تَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها ما يُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوى السَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيلغابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُ مِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِ تَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ من العَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْ جَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عنبَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّما يكون قد ماتَ.. ربّماافتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْ مِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ
هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَ هناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِ وهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِ الرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُ بِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
شَمَّتِ الطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَت بمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
وذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُ طُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوا نَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لم يَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُ زوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين..
قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُ قالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.

ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُم قريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..

جاء سيّدُنا إبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَ بقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.

ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُم الوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..

أفرادُ القبيلةِ قَدَّموا لإسماعيلَكثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّم لُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىًطيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِ العربِ الطيِّبين،تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَ بيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُنا إبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّ الصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِ
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِه المُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ من الجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وهكذا بدأ البناءُ، نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِ وجَمَعا التراب.

كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُ الصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ من الصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناً لَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَ الخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَ يُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّ يعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُ يَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّيومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِ ويَقولان: ربَّناتَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَ البناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأى سيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ
في تلك الليلةِ كانَتِ الشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
في الصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُإلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه على حَجَرٍ أبيضَ مِثلِالثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُنا إبراهيمووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَ أوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌ باتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ،
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثم هَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَت قبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ
خليلِ الرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَط المَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِ زَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَ مرّات، وأدَّوا الصلاةَودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...

وبعدَها انطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفاوالمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيل ذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَيعَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً في المَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَقَطَعَت هذا الوادي المُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيفتَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء ؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذه الحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا، ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
هَبَط المَلاكُ جبريلُ وأمَرَ سيّدَناإبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفات ومِنى، ومنذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِ التَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماء المُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُ المَصابيحَ، فسجَدَ للهالخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّشيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. في عالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ،ورأى ابنَه نائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُ الرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّ العالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأ وصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُوغَمَرت التِّلالَ بالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةً أخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُ سبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليه أن يَذبحَ ابنَه ؟!
ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَهبذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً ؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُبالذبحِ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَ الذَّبح؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانهيأمرُ رسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباهكثيراً، يَعرِفُ أنّ أباه لا يَفعلُ
شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَه اللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَف إسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.

سيّدُنا إبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِ ورسولهِ.

أخَذَ سيّدُنا إبراهيمُ مُدْيَةً وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُ يُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُنَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أن يَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِالآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَنا إبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحو الوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِ الحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلى أبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكىمن أجلِ أبيهِ الشيخ فأراد أن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـيا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِالسِّكِّينَ جَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُ وقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُنا إبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِ الله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلى الأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة،يُودّعُ أُمَّه وأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِإسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌ وينتهي كلُّ شيء.
وفجأة
ماذا حدث في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟ كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءً لإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناً يَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُنا إبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله، وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي من مِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِالله... البيتِ الذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَحَولَهُ ويُمَجّدونَ اسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كماسَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،

ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّمإبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَ لأنّهم على دينِ إبراهيم،ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
أنا ابنُ الذَّبيحَين
هل تعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله.
لماذا ؟
لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُنا إسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِ عبدُالمُطَّلِب جَدُّسيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ من جديد، وعندالحفر حاولت قريش أن تشاركه أو تمنعه
فدَعا عبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَرزُقَهُ عَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناً لله..
وقد إستجاب الله له ... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقد رَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلب بين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله،
فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُ مكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوالعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ، واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّكحتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلب يَقرَعبينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُ بالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها على الفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ،

ولكنّ الله رَضِيَ بفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين،لأنّه ابنُ عبدِالله بنِ عبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.

واليومَ عندما يَذهَبُ المسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَلأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَ سيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله

(أنا ابنُ الذَّبيحَين)
تعالوا نتعرف علي الذبيح الأول ثم نتعرف علي الذبيحالثاني حتي نعرف من هوقائلهذهالعبارة

قصة الذبيح الأول وهو سيدنا إسماعيل عليهالسلام
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذ معه زوجتَه سارةَوابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مصر، وهناك أهدى الملك فتاة اسمهاهاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليلالرحمن.
مضى سيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، فيالطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحل البحر الميّت أمر سيّدناإبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلى عبادة اللهسبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَطريقَهُ مع زوجتهِ سارةَ والفتاةِ هاجر إلى أرضِفلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاًتحيطه الرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُهناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينةالخليل.ضرب سيّدنا إبراهيم خيامه في ذلكالوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة ، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلماتالطيبة..
كان سيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه،وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لا شريك له ولا معبودسواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُإبراهيمَ الرجل الصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحهوعبادته وتقواه، وعرفوا حبّه للخيروالناس.
ولكن من يدقق النظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناًفي عينيه... لماذا ؟ لان سيّدنا إبراهيم يحبّالاطفال.
كان يتمنّى ان يكون لهطفل...
وها هو الآن قد أصبح شيخاً كبيراًوأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحته خيمتهما؛
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّزوجها ولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذاتمساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدناإبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه ،وأنا راضٍ بذلك.
قالت سارةُ المرأةُالصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌنرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قدأصبَحتُ عَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنامنها أولاداً.
قال سيدناإبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي ياسارة.
ـ لن أحزن يا خليل الرحمن.. سأفرحبفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلىزوجها إبراهيم فتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعةأشهرحتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُ بميلادِإسماعيل.
وَهَب الله سبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباًملأ قلبَ أبيه فَرَحاً ومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاتهفي خيمةِ أمّهِ هاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّسيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقتطفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارة لا تريد للغيرة أنتأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسببذلك..
من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأت هاجر، فستغار منها وتحقد عليهاوهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانه رؤوفبعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانها بزوجهاإبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربهاوبرسولهإبراهيم.
وقضت مشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة في الجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهب إليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفلالرضيع سارا أيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيممكاناً جميلاً أو وادياً معشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكونقد وصل المكان الموعود.
ولكن الملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسير ويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلك المكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزل إبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولا يعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذا المكان.


لحظات الوَداع
قبّل سيّدُنا إبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
وعلى سيدن إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَ هاجرَ وابنَها في هذاالمكانِ الموحشِ، بكى سيدنا إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداً إلىفلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِ الجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش ؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن الله رؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت : ما دام ان الله قد أمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد سيدنا إبراهيمُ بعد أن ودّع ابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما
من الشرور.
اختفى إبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه،أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجري حوله..
كانت تعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعى وليدها.
وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضت عدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء..
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُ يَملأه الصَّمت.
ذهبت هاجرُ تُدير بَصَرها فيجَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء، أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير في سمائها طائر..

بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذه الأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِ في هذه الصحراء؟!
فجأةتَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَ شيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِ غَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجل القَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِ وجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع..
لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هنا وهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكان هناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كان صُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت في الوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكن لا شيء!
لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في
قلب الوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِهاإسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُ يُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِالمَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَت تَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها ما يُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوى السَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيلغابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُ مِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِ تَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ من العَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْ جَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عنبَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّما يكون قد ماتَ.. ربّماافتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْ مِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ
هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَ هناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِ وهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِ الرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُ بِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
شَمَّتِ الطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَت بمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
وذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُ طُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوا نَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لم يَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُ زوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين..
قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُ قالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.

ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُم قريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..

جاء سيّدُنا إبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَ بقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.

ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُم الوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..

أفرادُ القبيلةِ قَدَّموا لإسماعيلَكثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّم لُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىًطيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِ العربِ الطيِّبين،تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَ بيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُنا إبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّ الصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِ
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِه المُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ من الجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وهكذا بدأ البناءُ، نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِ وجَمَعا التراب.

كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُ الصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ من الصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناً لَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَ الخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَ يُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّ يعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُ يَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّيومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِ ويَقولان: ربَّناتَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَ البناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأى سيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ
في تلك الليلةِ كانَتِ الشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
في الصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُإلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه على حَجَرٍ أبيضَ مِثلِالثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُنا إبراهيمووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَ أوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌ باتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ،
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثم هَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَت قبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ
خليلِ الرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَط المَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِ زَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَ مرّات، وأدَّوا الصلاةَودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...

وبعدَها انطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفاوالمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيل ذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَيعَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً في المَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَقَطَعَت هذا الوادي المُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيفتَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء ؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذه الحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا، ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
هَبَط المَلاكُ جبريلُ وأمَرَ سيّدَناإبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفات ومِنى، ومنذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِ التَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماء المُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُ المَصابيحَ، فسجَدَ للهالخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّشيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. في عالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ،ورأى ابنَه نائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُ الرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّ العالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأ وصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُوغَمَرت التِّلالَ بالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةً أخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُ سبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليه أن يَذبحَ ابنَه ؟!
ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَهبذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً ؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُبالذبحِ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَ الذَّبح؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانهيأمرُ رسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباهكثيراً، يَعرِفُ أنّ أباه لا يَفعلُ
شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَه اللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَف إسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.

سيّدُنا إبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِ ورسولهِ.

أخَذَ سيّدُنا إبراهيمُ مُدْيَةً وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُ يُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُنَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أن يَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِالآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَنا إبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحو الوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِ الحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلى أبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكىمن أجلِ أبيهِ الشيخ فأراد أن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـيا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِالسِّكِّينَ جَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُ وقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُنا إبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِ الله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلى الأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة،يُودّعُ أُمَّه وأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِإسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌ وينتهي كلُّ شيء.
وفجأة
ماذا حدث في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟ كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءً لإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناً يَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُنا إبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله، وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي من مِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِالله... البيتِ الذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَحَولَهُ ويُمَجّدونَ اسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كماسَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،

ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّمإبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَ لأنّهم على دينِ إبراهيم،ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
أنا ابنُ الذَّبيحَين
هل تعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله.
لماذا ؟
لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُنا إسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِ عبدُالمُطَّلِب جَدُّسيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ من جديد، وعندالحفر حاولت قريش أن تشاركه أو تمنعه
فدَعا عبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَرزُقَهُ عَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناً لله..
وقد إستجاب الله له ... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقد رَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلب بين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله،
فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُ مكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوالعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ، واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّكحتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلب يَقرَعبينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُ بالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها على الفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ،

ولكنّ الله رَضِيَ بفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين،لأنّه ابنُ عبدِالله بنِ عبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.

واليومَ عندما يَذهَبُ المسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَلأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَ سيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله

(أنا ابنُ الذَّبيحَين)
تعالوا نتعرف علي الذبيح الأول ثم نتعرف علي الذبيحالثاني حتي نعرف من هوقائلهذهالعبارة

قصة الذبيح الأول وهو سيدنا إسماعيل عليهالسلام
هاجَرَ سيّدنا إبراهيم من أرض النَّهرَين ، أخذ معه زوجتَه سارةَوابن خالته سيّدنا لوطاً عليه السّلام، ذهبوا إلى مصر، وهناك أهدى الملك فتاة اسمهاهاجر إلى سارة إكراماً لزوجة خليلالرحمن.
مضى سيّدنا إبراهيم إلى فلسطين، فيالطريق وعندما وصلوا إلى قرية « سَدُوم » على سواحل البحر الميّت أمر سيّدناإبراهيم لوطاً أن يسكن في تلك القرية ويدعو أهلها إلى عبادة اللهسبحانه.
أما سيّدنا إبراهيمُ فقد واصلَطريقَهُ مع زوجتهِ سارةَ والفتاةِ هاجر إلى أرضِفلسطين.
رأى سيّدُنا إبراهيم وادياً جميلاًتحيطه الرَّاوبي والتِّلال، فألقى رَحْلَهُهناك.
ومنذ ذلك التاريخ وقبل آلاف السنينسكن سيّدنا إبراهيم الأرض التي تُدعى اليوم بمدينةالخليل.ضرب سيّدنا إبراهيم خيامه في ذلكالوادي الفسيح وترك ماشيته ترعى بسلام.
كان ذلك الوادي في طريقالقوافل المسافرة ، لهذا كان يقصده الكثير من المسافرين فيجدون عنده الماء العذب،والطعام الطيب والكرم والاستقبال الحسن، ويجدون عنده الكلماتالطيبة..
كان سيّدنا إبراهيم يتحدث مع ضيوفه،وكان همّه أن يعبد الناسُ اللهَ الواحد الأحد لا شريك له ولا معبودسواه.
وتمرّ الايام والأعوام وعرف الناسُإبراهيمَ الرجل الصالح الكريم... عرفوا أخلاقه وكرمه وحبّه للضيوف، عرفوا صلاحهوعبادته وتقواه، وعرفوا حبّه للخيروالناس.
ولكن من يدقق النظر في وجه سيّدنا إبراهيم عليه السّلام يرى حزناًفي عينيه... لماذا ؟ لان سيّدنا إبراهيم يحبّالاطفال.
كان يتمنّى ان يكون لهطفل...
وها هو الآن قد أصبح شيخاً كبيراًوأصبحت زوجته عجوزاً ولم يُرزقا طفلاً يأنسا به ويملأ بفرحته خيمتهما؛
سارة زوجة سيّدنا إبراهيم كانت تحبّزوجها ولا تريد له أن يحزن؛ لهذا قالت له ذاتمساء:
ـ أنت تحبّ أن يكون لك أطفالوذريّة.
قال سيّدناإبراهيم:
ـ إنّها مشيئةُ الله وإرادتُه ،وأنا راضٍ بذلك.
قالت سارةُ المرأةُالصالحة:
ـ أنا أُحبُّ أن يكونَ لنا طفلٌنرعاه و.. نُحبُّه ويُحبُّنا..
ـولكن!!
ـ يا خليلَ الرحمن، أعرفُ أنني قدأصبَحتُ عَجوزاً، ولكن سأهَبُ لك جاريتي هاجر... تَزوَّجْها فلعلّ الله أن يَرزُقنامنها أولاداً.
قال سيدناإبراهيم:
ـ أنا لا أريدُ أن تَحزني بسببي ياسارة.
ـ لن أحزن يا خليل الرحمن.. سأفرحبفرحك.
وهكذا وهبت سارة جاريتها هاجر إلىزوجها إبراهيم فتزوّج سيّدنا إبراهيم..
ولم تمض تسعةأشهرحتى سُمِع بكاء الطفل.. وفرح الجميعُ بميلادِإسماعيل.
وَهَب الله سبحانه إبراهيمَ ولداً هو إسماعيلُ. كانَ طفلاً محبوباًملأ قلبَ أبيه فَرَحاً ومَسَرّة. لهذا كان يحتضنُه ويقبّلُه وكان يقضي بعضَ أوقاتهفي خيمةِ أمّهِ هاجر.
سارة المرأة الصالحة كانت تحبّسيّدنا إبراهيم، تحبّ أن يفرح زوجها.. ولكنها بدأت تغار من هاجر.. هاجر التي رُزقتطفلاً أمّا هي فظلّت محرومة.
سارة لا تريد للغيرة أنتأكل قلبها.. لا تريد أن تكره أو تحقد على هاجر بسببذلك..
من أجل هذا قالت لزوجها إبراهيم: انها لا تريد أن ترى هاجرَ بعد الآن.. لأنها إذا رأت هاجر، فستغار منها وتحقد عليهاوهي لا تريد أن تدخل النار بسبب ذلك.
الله سبحانه رؤوفبعباده.. كانت سارة محرومة من الأطفال، تحمّلت العذاب والهجرة بسبب إيمانها بزوجهاإبراهيم وهي صابرة طوال هذه السنين.. ظلّت مؤمنة بربهاوبرسولهإبراهيم.
وقضت مشيئة ربّنا سبحانه ان يأخذ إبراهيمُ هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض بعيدة في الجنوب.
امتثل سيّدنا إبراهيم لأمر الله فشدّ الرحال إلى مكان مجهول لم يذهب إليه من قبل..
وسار إبراهيم مع زوجته هاجر، ومعهما إسماعيل الطفلالرضيع سارا أيّاماً طويلة.. وفي كل مرّة وعندما يرى سيّدنا إبراهيممكاناً جميلاً أو وادياً معشباً كان ينظر إلى السماء، كان يتمنّى أن يكونقد وصل المكان الموعود.
ولكن الملاك يهبط من السماء ويخبره باستئناف المسير. وهكذا كان سيّدنا إبراهيم يسير ويسير ومعه زوجته هاجر وهي تحمل طفلها الرضيع.
وبعد أيام طويلة وصلوا أرضاً جرداء عبارة عن واد ليس فيه سوى الرمال، وبعض شجيرات الصحارى الجافّة.
في ذلك المكان هبط الملاك وأخبر سيّدَنا إبراهيم بانه قد وصل الأرض المقدّسة.
نزل إبراهيم في ذلك الوادي... كان وادياً خالياً من الحياة ليس فيه نهر ولا نبع ولا يعيش فيه إنسان.
إنها إرادة الله أن يعيش الصبي إسماعيل وامّه في هذا المكان.


لحظات الوَداع
قبّل سيّدُنا إبراهيم طفلَه الوديعَ إسماعيل.. بكى من أجله.
وعلى سيدن إبراهيمَ أن يعودَ ويتركَ هاجرَ وابنَها في هذاالمكانِ الموحشِ، بكى سيدنا إبراهيمُ من أجلهما، وهو يبتعدُ عائداً إلىفلسطين.
التفتت هاجرُ حوالَيها.. لَم تَرَ شيئاً سوى الرِّمال، وسوى صُخورِ الجبال الصمّاء.. قالت لزوجها:
ـ أتَترُكنا هنا.. في هذا الوادي المُوحِش ؟!
ـ لقد أمَرَني الله بذلك يا هاجر.
كانت هاجر امرأة مؤمنة عرفت أن الله رؤوف بعباده ويريد لهم الخير والبركات.
قالت : ما دام ان الله قد أمرك فهو كفيلنا وهو يرعانا.. إنّه لا ينسى عباده.
ابتعد سيدنا إبراهيمُ بعد أن ودّع ابنه وزوجته.
وقف فوق التلال ونظر إلى السماء وابتهل إلى الله أن يحفظهما
من الشرور.
اختفى إبراهيم في الافق البعيد. لم تعد هاجر تراه،أمّا إسماعيل فلم يكن يعلم ماذا يجري حوله..
كانت تعمل بكل طمأنينة، وكأنها في بيتها..كانت تؤمن أن هناك من يرعاها ويرعى وليدها.
وكانت تسهر معظم الليل وهي تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم.
مضت عدّة أيام وهاجر على هذه الحال.. نفد ما معها من الماء..
نَفَد الماءُ كلّه.. لم تَبقَ منه قَطرةٌ واحدة.. الوادي المُوحِشُ يَملأه الصَّمت.
ذهبت هاجرُ تُدير بَصَرها فيجَنَباتِ الوادي.. ولكنْ لا شيء، أيقنت ان هذه أرض جرداء خالية من الماء.. لم يمرّ بها انسان من قبل ولا يطير في سمائها طائر..

بكى إسماعيلُ الطفلُ الرضيعُ.. إنّه لا يُدركُ ما يَجري حوله..
لا يدري في أيِّ مكانٍ هو في هذه الأرض.
نَظَرت أمُّه إليه بإشفاق... ماذا تَفعل.. مِن أين لها أن تأتي بالماءِ في هذه الصحراء؟!
فجأةتَفجّرت في قلبها إرادةٌ الأُمومة.. لابدّ أن تَفعلَ شيئاً.. لابدّ أن يُوجَد في هذه الأرض ماءٌ ولو قَطرة..
لعلّ خَلفَ هذا الجبلِ غَديراً أو نَبْعاً.. لعلّ خَلف ذاك التَّلِّ بئراً حَفَرهما إنسانٌ طيّبٌ من أجل القَوافلِ المُسافرة.
نَهَضَت هاجَرُ.. نَظَرت حَوالَيها لتتأكّدَ من عَدمِ وجودِ ذئبٍ أو ضَبعٍ يَفتَرسُ ابنَها الرضيع..
لا شيء سوى شُجَيراتِ الشَّوكِ هنا وهناك.. رَكَضَت هاجرُ باتّجاهِ جَبَلِ الصَّفا.
كانت تَركضُ بعزمٍ وأملٍ، وكان هناكَ خوفٌ في قلبِها.. فقد يَختَطِفُ الذئبُ صغيرَها الظامئ إسماعيل..
كان صُراخُ إسماعيلَ يُدوّي في أُذنِها..
ارتَقَتْ هاجَرُ قِمّةَ الجبل.. فنَظَرت في الوادي.. رَأت ما يُشبِهُ تَمَوُّجاتِ الماء.. انحَدَرت باتّجاهِ الوادي...
ولكن لا شيء!
لم تكن هناك غير الرمال.. لقد كان مجرّد سرابٍ ما رأته في
قلب الوادي...
عادَت هاجَرُ تركُضُ نحوَ طفلِهاإسماعيل.. ما يَزالُ يَبكي يَصرخُ يُريد ماءً... نَظَرت إلى جَبَلِالمَرْوَة في أمَل.. لَعلّ هناك ماءً..
راحَت تَركضُ بأقصى سُرعة.. وكانَت الرِّمال تَتطايَرُ تَحتَ قَدمَيها..
تراءى لها ما يُشِبهُ الماء... رَكضَت... رَكَضت... رَكَضت بسرعة... ولكنْ لا شيءَ سِوى السَّراب.. انقَطَع بكاءُ إسماعيلغابَ عن بَصَرِها...
عادَت بسُرعة... رَأتْهُ مِن بعيدٍ يَبكي.. ما يزالُ يَطلُبُ الماءَ... وربّما كانَ يَبحَثُ عن أُمّه... كانَ خائفاً..
هاجَرُ تَعْدُو بينَ جَبَلِ الصَّفا وجَبَلِ المَرْوَةِ تَبحَثُ عن ماءٍ لوليدِها إسماعيل.. سيموتُ من الظَّمأ، سيموتُ من العَطَش..
نَظَرت إلى السماء، صاحَتِ مِن كلِّ قلبِها: يا رَبِّ!
ارتَقَتْ جَبَل المَروَةَ، غابَ إسماعيلُ عنبَصَرِها.. انقَطَع بكاؤه.. خافَت هاجَرُ ربّما يكون قد ماتَ.. ربّماافتَرَسه ذئبٌ جائع..
أقبَلَت تَعْدو بكلِّ ما أُوتِيَتْ مِن قُدرةٍ رأتْ من بعيدٍ إسماعيلَ
هادئاً، كان يُحرّكُ يديَهِ وقَدَميهِ، وكانَ هناكَ نَبعٌ قد تَفَجَّر عندَ قَدَميهِ الصَّغيرتين.
نَظَرت هاجرُ إلى السّماءِ وهي تَبكي، لقد استَجابَ اللهُ دَعوَتَها فتَدفّقَ الماءُ من قلبِ الرِّمال..
أسرَعَت هاجَرُ لِتصَنَع حَوضاً حولَ الماءِ.. ليكونَ فيما بَعدُ بِئرَ زَمزم التي يَشرَبُ مِنها الظامِئون.
شَمَّتِ الطيورُ رائحةَ الماء.. فرَاحَت تَدورُ حولَ النَّبعِ سعيدة..
هاجَرُ فَرِحَت بمَنظَرِ الطُّيورِ البَيضاءِ وهي تُحلِّقُ في سماءِ الوادي.
وذاتَ يومٍ مَرَّت قبيلةُ جُرْهُم قريباً من الوادي، فرأى الناسُ طُيوراً تُحلِّقُ في السماء..
عَرَفوا أنّ في ذلك الوادي ماءً.. لهذا تَوجَّهوا نَحوَه..
عندما انحَدَرَتْ قَوافِلُهم في الوادي شاهَدوا منَظَراً عَجيباً! لم يَكُن هناك سِوى امرأةٍ مَعَ ابنِها الرضيع..
قالت لَهمُ المرأة: أنا هاجرُ زوجَةُ إبراهيمَ خليلِ الرحمن.
كانَ افرادُ قبيلةِ جُرهُم أُناساً طيّبين..
قالوا لهاجر:
ـ هل تَسمَحينَ لنا في السَّكنِ في هذا الوادي ؟
السيّدةُ هاجرُ قالت لهم: حتّى أستأذِنَ لكم خليلَ الرحمن.

ضَرَبَ أفرادُ جُرهُم خِيامَهُم قريباً من الوادي رَيْثَما يأتي سيّدُنا إبراهيم فيَستأذنوه..

جاء سيّدُنا إبراهيم، ورأى مَضارِبَ الخيام.. رأى قِطْعانَ الماشِيةِ والجِمالِ، لهذا فَرِحَ بقُدومِ تلك القبيلةِ العربيّة.

ومُنذُ ذلكَ الوقتِ استَوطَنَت قبيلةُ جُرهُم الوادي، وعاشَ إسماعيلُ وهاجَرُ حياةً طيّبة..

أفرادُ القبيلةِ قَدَّموا لإسماعيلَكثيراً من الخِراف، وضَرَبوا له ولوالدتهِ خَيمةً جميلةً تَقيِهم حَرَّالشمسِ في الصَّيف، وتَحميهم من المَطَر في الشتاء...
كَبُرَ إسماعيلُ وتَعلّم لُغةَ العَرَب.. كانَ فتَىًطيّباً وَرِثَ أخلاقَ أبيه إبراهيمَ، وتأثَّر بأخلاقِ العربِ الطيِّبين،تَعلَّمَ منهم الكرمَ والضيافةَ والشجاعةَ والفُروسية.
اللهُ ربّنا أمَرَ سيّدَنا إبراهيمَ عليه السّلام أن يَبنيَ بيتاً ومَسجِداً يكونُ رَمزاً للتوحيدِ ومَكاناً لعبادِة الله.
قالَ سيّدُنا إبراهيمُ لولِده:
إنّ اللهَ يأمرُني أن أبنيَ بيتَه فَوقَ هذا التلِّ الصغير!
لبّى إبراهيمُ أمْرَ الله ولبّى إسماعيلُ دعوةَ أبيه إبراهيمَ لبناءِ
كانَ على إبراهيمَ الشيخِ الكبيرِ وإسماعيلَ الفَتى أن يَنهَضا بهذِه المُهمّةِ الشاقّة.
علَيهما أوّلاً أن يَنقُلا الصُّخورَ المُناسِبةَ للبناءِ من الجبالِ المُحيَطةِ بالوادي.
وهكذا بدأ البناءُ، نَقَلوا أوّلاً الصُّخورَ من الجِبالِ المُحيطَةِ بالوادي وصَنَعا حَوضاً للماءِ وجَمَعا التراب.

كانَ الفتى إسماعيلُ يتَولّى حَمْلَ الصُّخور.. كانَ يَنتَخِبُ الصُّخورَ الصُّلبةَ لتكونَ أساساً قَوياً في البناء..
جَمَع كثيراَ من الصُّخورِ الخضراءِ اللّون.. ثمّ صَبَّ الماءَ في حوضِ الترابِ ليصنعَ طيناً لَزِجاً يَشُدُّ الصُّخورَ إلى بعضِها.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ يَرصِفُ الصُّخورَ الخضراءَ الواحدةَ بعدَ الأخرى ليبني أساسَ البيت..
أمّا إسماعيلُ فكانَ يُناوِلُ أباهُ الصُّخور..
في كلّ يومٍ كانا يَبْنِيانِ سافاً واحداً، ثمّ يعودان في اليوم التالي لبناءِ سافٍ آخرَ.. وهكذا.
في كلِّ يومٍ كانَ البناءُ يَرتفعُ قليلاً... وفي كلِّيومٍ كان إبراهيمُ وإسماعيلُ يَطُوفانِ حولَ البناءِ ويَقولان: ربَّناتَقَبَّلْ مِنّا إنّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ.
ارتَفَعَ البناءُ في الفضاءِ تِسعَةَ أذرُعٍ، أي ما يَقرُبُ من الثَّمانيةِ أمتارٍ. رأى سيّدُنا إبراهيمُ فَراغاً في زاويةِ البيتِ
في تلك الليلةِ كانَتِ الشُّهُبُ تتَوهّجُ في السماء، وسَقَطَ نَيزَكٌ فوقَ سُفوحِ الجبالِ القريبة.
في الصباحِ انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُإلى الجبلِ المطلّ على الوادي، وَقَعت عيناه على حَجَرٍ أبيضَ مِثلِالثَّلج، كانَ حَجَراً بحجمِ الفَراغ.. لهذا حَمَلهُ سيّدُنا إبراهيمووَضَعَهُ في مكانِه.
انتهى بناءُ البيت.. بيتِ اللهِ الحرامِ، ليكونَ أوّلَ بيتٍ يُعبَدُ فيه اللهُ وحدَه لا شريكَ له.
كانَ للكعبةِ بابان: بابٌ باتّجاهِ الشرق، وبابٌ باتّجاه الغربِ،
انطَلَق سيّدُنا إبراهيمُ إلى الجبلِ وارتَقَى القِمّةَ ثم هَتَف بأعلى صوتِه يَدعو الأجيالَ البشريّةَ إلى حَجِّ البيتِ العتيق.
سَمِعَت قبيلةُ جُرهُم والقبائلُ العربيّةُ المُجاوِرةُ نِداءَ إبراهيمَ
خليلِ الرحمن.
لم يَحِجَّ ذلكَ العامَ سوى سيّدنا إبراهيمَ وإسماعيلَ وهاجَر. هَبَط المَلاكُ جِبْريلُ يُعلّمُ سيّدَنا إبراهيمَ مَناسِكَ الحَجّ.
غسَلَوا بمياهِ زَمزَم، وارتَدَوا ثِياباً بيضاءَناصِعةً، وبدأوا طَوافَهُم حولَ الكعبةِ سَبْعَ مرّات، وأدَّوا الصلاةَودَعَوا الله أن يَتقّبلَ منهم أعمالَهُم...

وبعدَها انطَلَقوا لقطعِ الوادي بين جَبَلَي الصَّفاوالمَرْوَةِ. وتَذَكّرت هاجَرُ تَفاصيل ذلك اليومِ قبلَ أكثرَ من اثنَيعَشَرَ عاماً، عندما كانَ إسماعيلُ صَبيّاً في المَهْد.
تَذكَّرت بُكاءه وبَحثَها عن الماء.. تَذَكّرت كيفَقَطَعَت هذا الوادي المُوحِشَ سَبْعةَ أشواطٍ تَبحثُ عن الماءِ، وكيفتَوجَّهَت بقلبِها إلى السماء ؟
وكيفَ تَدفَّقَ الماءُ عند قَدَمَي إسماعيل ؟!
اللهُ ربُّنا أرادَ لهذه الحوادثِ أن تَبقى في ذاكرةِ البَشَر، يَتذكّرون دائماً أنّ الله سبحانه هو وحدَهُ القادرُ على كلِّ شيء.
صَعِدَ سيُّدنا إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ جَبَل الصَّفا، ونَظَرا إلى بيتِ اللهِ بخشوعٍ وهَتَفا:
ـ لا إله إلاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له.. لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
هَبَط المَلاكُ جبريلُ وأمَرَ سيّدَناإبراهيمَ أن يَتزَوّدَ بالماءِ ثَمّ يذهبَ إلى جَبَل عَرَفات ومِنى، ومنذلك الوقتِ سُمّي يوم الثامنِ من ذي الحجّةِ الحرام بيومِ التَّرْوِيَة.
أمضى سيّدُنا إبراهيمُ ليلتَه هناك.. نظَرَ إلى السماء المُرصَّعَة بالنجوم.
نظَرَ إلى ما خَلَق الله من الكواكبِ التي تُشبِهُ المَصابيحَ، فسجَدَ للهالخالقِ البارئ المصوِّرِ له الأسماءُ الحُسنى يُحيي ويُميتُ وهو على كلِّشيءٍ قدير.
أغمَضَ سيّدُنا إبراهيمُ عَينَيه ونامَ.. في عالَمِ المَنامِ رأى سيّدُنا إبراهيمُ شيئاً عجيباً!!
رأى نفسَهُ يَذبَحُ ولدَهُإسماعيل... إنتَبَه من نومِه.. كانت السماءُ ما تزال زاخِرةً بالنجومِ،ورأى ابنَه نائماً. عادَ سيّدُنا إبراهيمُ إلى نَومِه..
مرّةً أخرى تَكرَّرت ذاتُ الرُّؤيا.. رأى نفسَهُ يَذبَحُ ابنَهُ ويُقِّدمُه قُرباناً إلى ربِّ العالمين!!
استَيقَظ سيّدُنا إبراهيمُ وقد انفَلَق عَمودُ الفَجرِ.. تَوضّأ وصلّى... واستيَقَظ إسماعيلُ فتَوضّأ وصلّى. طَلَعَتِ الشمسُوغَمَرت التِّلالَ بالنور.
كانَ سيّدُنا إبراهيمُ حَزيناً.. إنّ الله عزّوجلّ يَمتَحِنهُ مَرّةً أخرى... يَمتحِنُهُ هذه المرّةَ بذبحِ ابنِه.. ماذا يفعل ؟
لو أمَرَه اللهُ سبحانه بأن يَقذِفَ نفسَه في النارِ لَفَعل، ولكن ماذا يَفعلُ ؟ في هذه المرّة عليه أن يَذبحَ ابنَه ؟!
ترى ماذا يَفعل ؟ هل يُخبِرُ ابنَهبذلك ؟ هل يَذبَحُه عُنوَةً ؟ وإذا أخبَرَ ابنَهُ هل يَقبَلُ ابنُهُبالذبحِ؟ هل يَتحَمّلُ إسماعيلُ آلامَ الذَّبح؟!
إسماعيلُ رأى أباه حَزيناً، فقال له:
ـ لماذا أنتَ حَزينٌ يا أبي؟
قالَ سيّدُنا إبراهيم:
ـ هناك أمرٌ أقلَقَني... يا بُنيّ إنّي أرى في المَنامِ أنّي أذبَحُكَ، فماذا تَرى؟
أدرَكَ إسماعيلُ أنّ الله سبحانهيأمرُ رسولَه إبراهيمَ أنّ يُضحّي بولدِه... إسماعيلُ كانَ يُحبُّ أباهكثيراً، يَعرِفُ أنّ أباه لا يَفعلُ
شيئاً إلاّ بأمرِ ربِّه... إنّه خليلُ الرحمن الذي امتَحَنَه اللهُ عندما كانَ فتىً في بابلَ وحتّى بعد أن أصبَحَ شيخاً كبيراً.
عَرَف إسماعيلُ أنّ اللهَ يَمَتَحِنُ خليلَه إبراهيم... لهذا قال له:
ـ يا أبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللهُ مِن الصَّابِرين.

سيّدُنا إبراهيمُ فِرِحَ بذلك. كانَ إسماعيلُ وَلداً بارّاً مُطيعاً ومُؤمناً باللهِ ورسولهِ.

أخَذَ سيّدُنا إبراهيمُ مُدْيَةً وحَبلاً، وذَهَب إلى أحدِ الوِديان القريبة..
كانَ إسماعيلُ يُرافِقُ أباه ساكِتاً. كانَ يُهيّئُنَفسَهُ لِلَحظةِ الذَّبح، ويُدعو الله أن يَمنَحَهُ الصبرَ لتحمّلِالآلامِ في سبيله..
هاجَرُ عندما رأتْ سيّدَنا إبراهيمَ وإسماعيلَ قد انطَلَقا نحو الوادي، ظنّت أنّهما ذَهَبا لجمعِ الحَطَب..
وصَلَ سيّدُنا إبراهيمُ وإسماعيل إلى الوادي..
نَظَر إسماعيلُ إلى أبيه، كانت عَيناهُ مَليئتين بالدُّموع.. هو أيضاً بكىمن أجلِ أبيهِ الشيخ فأراد أن يُنهِيَ الأمرَ بسرعة، قالَ لأبيه:
ـيا أبي، أحْكِمْ وَثاقي، واكْفُفْثِيابَكَ حتّى لا تَتَلطَّخَ بالدمِ فتَراهُ أُمّي.. يا أبي، واشْحَذِالسِّكِّينَ جَيّداً، وأسْرِعْ في ذَبْحي فإنّ آلامَ الذَّبح شديدة.
بكى سيّدُنا إبراهيمُ وقال:
ـ نِعْمَ العَوْنُ أنتَ يا بُنَيّ على أمرِ الله.
أحكَمَ سيّدُنا إبراهيم الوَثاقَ على كَتِفَي إسماعيلَ.. كاَن إسماعيلُ مُستَسلِماً تَماماً لأمرِ الله.
أغمَضَ عَيْنَهِ.. سيّدُنا إبراهيمُ أمسَكَ بِجَبينِ ولدِه وحَناهُ إلى الأرض.
جَثا إسماعيلُ الفَتى بهدوءٍ. كانَ يُودِّعُ الحَياة،يُودّعُ أُمَّه وأباه... وضَعَ سيّدُنا إبراهيمُ السكِّين على عُنُقِإسماعيل.. لحظةٌ واحدةٌ وينتهي كلُّ شيء.
وفجأة
ماذا حدث في تلك اللحظاتِ المُثيرة ؟! هل ذُبِح إسماعيل ؟ كلاّ.
سَمِع سَيّدُنا إبراهيمُ نِداءً سماويّاً... يأمرُه بذبحِ كَبْشٍ فِداءً لإسماعيل...
نَظَر سيّدُنا إبراهيمُ إلى جهةِ الصَّوت.. فرأى كَبْشاً سَميناً يَنزِلُ من فوقِ قمّةِ الجبل.. كانَ كبشاً أملَحَ لَه قُرون!
حَل سيّدُنا إبراهيمُ الوَثاقَ عن ابنهِ إسماعيل... ثَمّ قَدّمَ الكبشَ وذَبَحَهُ باسمِ الله، وقدّمه قرباناً إلى ربّنا الرحيم.
ومن ذلك اليومِ أصبَحَ تقديمُ الأضاحي من مِناسِكَ الحجّ.
المسلمونَ في كلِّ مكانٍ يَذهبونَ لزيارةِ بيتِالله... البيتِ الذي بناهُ إبراهيمُ وإسماعيلُ لعبادةِ الله.. يَطوفونَحَولَهُ ويُمَجّدونَ اسمَهُ... ويَسْعَون بينَ الصَّفا والمَروَةِ كماسَعَت هاجَرُ مِن قَبلُ،

ويُقدِّمونَ القَرابينَ كما قَدّمإبراهيمُ قُرباناً مِن قَبلُ... يَفعلونَ ذلكَ لأنّهم على دينِ إبراهيم،ودينُ سيّدِنا إبراهيمَ هو دينُ الإسلامِ الحنيف.
أنا ابنُ الذَّبيحَين
هل تعلمونَ مَن قالَ هذه العبارة ؟
إنّه سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله.
لماذا ؟
لأنّ سيّدَنا محمّداً من ذُريةِ إسماعيلَ عليه السّلام، فقد عاشَ سيّدُنا إسماعيلُ عليه السّلام وتَزَوّجَ وأصبَحَت له ذُرّيّة..
ومِن ذرّيتهِ عبدُالمُطَّلِب جَدُّسيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله وهو الذي حَفَر زَمزمَ من جديد، وعندالحفر حاولت قريش أن تشاركه أو تمنعه
فدَعا عبدُالمطّلب اللهَ سبحانه أن يَرزُقَهُ عَشرَةَ بَنينِ، ونَذَر إن رزَقَهُ اللهُ ذلك أن يَذبَحَ أحدَهُم قُرباناً لله..
وقد إستجاب الله له ... فقال عبدالمطّلب:
ـ لقد رَزَقَني اللهُ عَشرةَ أبناء وعَلَيّ أن أفِيَ بالنَّذر.
اقتَرَعَ عبدُالمطّلب بين بَنيهِ العَشرةِ، فخَرَجَت القُرعَةُ على عبدِالله والدِ سيّدِنا محمّدٍ صلّى الله عليه وآله،
فأرادَ عبدُالمطّلب أن يَذبَحَ ابنَهُ وَفاءً بِنَذرِه.
أهلُ مكّةَ كانوا يُحبّونَ عبدَالله كثيراً، لهذا قالوالعبدِالمطّلب: لاتَذْبَح ابنَكَ، واقرَعْ بينه وبين الإبل.. وأعطِ ربَّكحتّى يَرضى..
وهكذا كانَ عبدُالمطّلب يَقرَعبينه وبين عشرةٍ من الإبل، فتخرجُ القُرعةُ على عبدالله، حتّى أصبحَ عددُالإبل مئةً. وعندها خرَجَت القُرعةُ على الإبل... لقد رضيَ اللهُ بالفِداء.
فأمرَ عبدُالمطّلب بالإبلِ أنْ تُنحَر وأن تُوزَّع لُحومُها على الفقراءِ والجِياع.
لقد كانَ عبدُالله على وَشْكِ أن يُذبَحَ،

ولكنّ الله رَضِيَ بفدائهِ، فهو كإسماعيلَ الذي افتَداه اللهُ بذِبحٍ عظيم.
لهذا كان سيّدُنا محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقول: أنا ابنُ الذَّبيحَين،لأنّه ابنُ عبدِالله بنِ عبدالمطّلب الذي هو من ذريّةِ ذبيحِ الله إسماعيل.

واليومَ عندما يَذهَبُ المسلمونَ كلَّ عامٍ إلى مكّةَلأداءِ مراسمِ الحجّ فإنّهم يتَذكّرون جميعاً قصّةَ سيّدِنا إسماعيلَ.. ذلك الفتى البارّ المُطيع لله ولرسوله


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق