]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأطباء آخر من يرحمون !!!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-05 ، الوقت: 13:35:06
  • تقييم المقالة:

 

 

عينان ابتلعهما الغياب .. ولسان تدلى من الهلع .. وجسد ينتفض من الألم .. والروح بلغت الحلقوم من العذاب !

هكذا حملتها إلى المستشفى !!

كل العيون المبصرة كانت مشدوهة .. وكل القلوب العطوفة كانت تتمزق من الحنان والألم ... كلها .. إلا قلوب الأطباء المشرفين !!!

طرحوها فوق سرير.. حقنوها بـإبرة مخدرة ، واثنتين ، وثلاثة ... وتركوها مع العذاب المتصل ، في قسم المستعجلات ، ينتقلون بين آخرين من المصابين ، جروحهم بسيطة ، وعذاباتهم هينة ، وآلامهم ليست قاتلة كما آلامها هي ...

تركوها وهم يبتسمون ، ويتغامزون فكهين ، ويتبادلون السجائر والملاطفات والحقن والضمادات .. والموت ـ بجلال قدره ـ يحوم حول المكان ، يريد أن يتخطف روحها ، والأطباء لا يبالون !!

ساعات وساعات ، ولحظات رهيبة ، وأعصاب تكاد تنفلت مني ، تريد أن تشد بوحشية على رقاب هؤلاء الأطباء المجرمين ، تخنقهم واحدا ، واحدا ، و تقول لهم : ذوقوا العذاب بما كنتم تفعلون .

وأقبل الليل الكئيب ، وجاء طبيب من أقصى المدينة يسعى ، بعد اتصالات ومكالمات وضراعات وتوصيات ...

قلب رأسها الغائب عن الوجود ، ذات اليمين وذات الشمال ، وسألني عن أعراضها قبل غيابها عن الوعي ، وأجبته بما شاهدته ، فقال لي : إن الـداء يكمن في جهاز المـخ ، وحالتها جد خطيرة ، والرجاء عند الله !!

ومضى ، وفي فمه سيجارة ، وفي عينيه برودة .

وقال آخرون : لا علاج لها هنا ، فاحملها إلى مصحة خاصة ، إن كنت من القادرين .

وحملتها حائرا ، خائفا ، مذهولا ، آمـلا ، يائسا ...!!!

وهناك عاينها طبيب شاب ظريف ، وقال لي بدوره : إن حالتها خطيرة جدا ، وعلاجها ، هنا ، قد يكلفك أموالا طائلة ، فهل أنت من الفاعلين ؟ وإلا فعد بها إلى المستشفى ، وعليهم ، هناك ، أن يعالجوها ؛ فذلك واجب محتوم ، وقانون مسطر ، وحق لكل مواطن !!

وعدت بها إلى المستشفى ، مرة أخرى ، وبعد استعطاف وصراخ وتوسل وصراع ، أمروا لها بسرير ، ووصفوا لها أدوية (؟) ، إلى أن يحين الصباح ، ويأتي غيرهم من الأطباء الأخصائيين .

وجاء الصباح ..

وجاء طبيب و فحصها ، فأمر لها بسرير في قسم الإنعاش ...

وجاء طبيب آخر ، وفحصها أيضا ، وقال ما قال السابقون .

ومكثت في قسم الإنعاش ، أسبوعا كاملا ، وهي لا تفيق ولا تنطق ، يتجاذبها عنصرا الموت والحياة . ونحن نتأرجح بأدوية أسعارها نار وأي نار ، وأكـف تضرع إلى الله ، تدعو لها في كل صلاة بالشفاء والرحمة والنجاة ، وإدارة المستشفى لا تسعفنا بأي قطرة من المساعدة ، ولو بحقنة واحدة ، بل حتى القفازات الطبية طلب مني أحدهم أن أشتري لها خمسين قفازا .. ومن جهلي اشتريتها !!!

وسقط الطب ..

وسقط الدواء ..

وسقط الرجاء ..

وسقط كل شيء ..

وخرج علينا الموت بعباءته البيضاء ، من قسم الإنعاش ، يحمل المريضة بين ذراعيه .. يحملها إلى الـقـبـر .. وهناك رقدت في سلام إلى يوم يبعثون .

فإنا لله وإنا إليه راجعون .

« يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي » . 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق