]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الطريق الصواب في معرفة العدول من الأصحاب

بواسطة: مؤسسة الانوار الالهية الثقافية  |  بتاريخ: 2012-08-03 ، الوقت: 22:39:23
  • تقييم المقالة:

 

الكاتب : المحامي الأردني أحمد حسين يعقوب
المدخل الموضوعي
الأكثرية الساحقة من أصحاب السير و المؤرخين قالوا : إنه قبل أن تبدأ معركة بدر ، و هي أول مواجهة مسلحة بين الإيمان و الشرك ، اصطف جيش الشرك بقيادة أبي جهل استعدادا للمعركة ، و اصطف جيش الإيمان بقيادة محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) . و رفع أبو جهل يديه إلى السماء و دعا الله قائلا : " اللهم أبعدنا منك ، و أقطعنا للرحم فأحنه من هذه الغداة . . . الخ " .
و في الوقت نفسه كان محمد يرفع يديه إلى السماء داعيا ربه : " اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم في الأرض ، اللهم أنجزني ما وعدتني . . .
الخ " .
تدقيق في الدعاءين : كلاهما يرفع يديه إلى السماء . . . .
كلاهما يقول اللهم . . . .
كلاهما يرفع شعار حق . فأبو جهل يزعم أنه الأقرب إلى الله ، و أنه الأوصل رحما . . و محمد ( صلى الله عليه و آله ) يؤكد أن من اتبعه هم حماة الحق و هم رمز الصلة المثلى بين الخالق و المخلوق و يصرح أن بينه و بين الله عهود و وعود .
تساؤل :
طالما أنهما على حق ، فلماذا يتقاتلان ؟ و طالما أنهما معا على طريق الله ، فلماذا يصل هذا الخلاف إلى درجة التقاتل ، خاصة أن الطريق إلى الله واحدة ، و أن طريق الحق طريق واحدة و هي صراط الله المستقيم .
احتمالات :
وفق معايير البحث الموضوعي المجرد ، أمامنا ثلاثة احتمالات أو تصورات و هي :
1 ـ كلاهما محق ، و هذا غير وارد لأنه لا يوجد للحق إلا طريق يقيني واحد و هو صراط الله المستقيم ، و كنتيجة لوحدة المنطلق يجب أن يتبع أحدهما الآخر .
2 ـ أحدهما محق و الآخر مبطل و هذا وارد .
3 ـ كلاهما مبطل و هذا غير وارد بالنسبة لنبي يملك البرهان و المعجزة .
سر الحل :
للوقوف على الحقيقة المجردة ، لا بد من :
1 ـ معرفة الحق .
2 ـ معرفة الباطل .
3 ـ معرفة المحق بوسائل الحق نفسه .
4 ـ معرفة المبطل بوسائل و موازين الحق نفسه .
الطريق إلى ذلك :
1 ـ وجود حق و وجود منظومة حقوقية لهذا الحق ، و الحق هو الإسلام ( القرآن و السنة بفروعها الثلاثة : القول و الفعل و التقرير ) و النصوص الواردة بالقرآن و السنة مجتمعة هي المنظومة الحقوقية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها لأنها من صنع الله و بوحيه .
2 ـ العقل الذي يقوم بعملية استيعاب المنظومة الحقوقية الإلهية .
3 ـ التجرد و الموضوعية : بحيث يكون هدف المسلم أن يكون ضمن إطار الشرعية ، و أن يحقق نفس غاية المقصود الشرعي من النص و من الروح العامة للمنظومة الحقوقية .
4 ـ وجود شخص سواء أكان نبيا أم إماما شرعيا تطرح أمامه ثمرات الاستيعاب العقلي و يكون قوله الفصل عند اختلاف الاجتهادات ، و هو بمثابة منسق الطاقات و مرشد الحريات و الموجه الحق للجماعة التي تريد الحق و تسعى إليه . هذا الشخص هو النبي في زمن النبوة ، و هو الولي و الإمام الصالح المعين وفق الشرع بعد انتهاء عصر النبوة . و هذا الشخص هو الميزان الموضوعي بين الحق و الباطل . فالذين يوالون محمدا و يطيعون أوامره و يتبعون توجيهاته هم على الحق . و الذين لا يوالون محمدا و يوالون غيره هم على الباطل حتى و لو تلوا القرآن الكريم و حفظوه عن ظهر قلب ، و لو صلوا و صاموا و بنوا المساجد هم على الباطل لأن الولاية و الموالاة هي الميزان الثابت لمعرفة المحق من المبطل في كل زمان .
عوائق على طريق الحل
1 ـ الهوى ، و هو الرغبة بأن تسير الأمور و تفسر النصوص حسب ما تهوى الأنفس .
2 ـ التقليد الأعمى ، بحيث يتبنى الإنسان آراء بينه و بينها مدة طويلة و يرفض إجراء أي تعديل أو تبديل عليها .
3 ـ الاستبداد بالرأي ، بحيث يعتقد كل مقلد أن رأيه هو الحق المبين ، و أن من يخالفه الرأي هو من أنصار الشيطان ، فيضيق به و يقاومه و يعتبره العدو اللدود .
4 ـ إلغاء الولاية الشرعية أو استبدالها بولاية ليست شرعية ، و ذلك بأن يوالي المسلم غير الولاية التي أراد الله فيوالي الغالب أو غيره .
القول الفصل في عدالة الصحابة
استذكار و تلخيص لوجهتي نظر السنة و الشيعة
رأينا أن الصحبة لغة و اصطلاحا تعني كل الذين لقوا النبي و آمنوا به أو تظاهروا بهذا الإيمان و ماتوا و هم على هذا الإيمان أو التظاهر به ، و أن أهل السنة قد أجمعوا على أن كل هؤلاء عدول بلا استثناء ، و رأينا أن نظرية عدالة كل الصحابة تتعارض مع النصوص الواردة في السنة المطهرة القولية و الفعلية و التقريرية ، و تتعارض مع النصوص الشرعية القاطعة الواردة في القرآن الكريم ، بل و تتعارض مع الغاية من الحياة ، و مع منطق الأشياء و الروح العامة للإسلام . و قد أثبتنا هذا التعارض ، و حرصنا على سوق الأمثلة و التبسيط ، و تبين لنا أن الصحابة شرعا و بالضرورة قسمان :
1 ـ الصادقون : و هم عدول بإجماع كل المسلمين من شيعة و سنة ، و لا خلاف بينهما في هذه الناحية .
2 ـ غيرهم : و هم موضع الخلاف . فبينما يرى أهل السنة أن كل الصحابة بلا استثناء عدول لا فرق بين أول من أسلم و بين صبي رأى النبي أو رآه النبي من حيث وصف العدالة ، فالكل عدول و لا يجوز التعرض لهم لا من قريب و لا من بعيد بأي دراسة تؤدي إلى نقدهم أو إلى الانتقاص من أي واحد منهم ، و من يفعل ذلك فهو زنديق أثيم لا تجوز مواكلته أو مشاربته و لا الصلاة عليه . بينما يرى أهل الشيعة أن العدل من عدله الله و عدله رسول الله . و الحقيقة الشريعة المجردة هي ضالة المؤمن . و قد بين الشرع الحنيف وسائل استكشاف هذه الحقيقة ، و رشد حركة المسلم في هذا الاستكشاف و أعطاه الملكات العقلية التي تساعده على ذلك و تحقق غايته إن تجرد من الهوى ، فإذا كان سيد الخلق محمد بشرا يصيب و يخطئ ـ كما يقولون ـ فما الذي يمنع طفلا رأى النبي أو رآه النبي من أن يخطئ أو أن يكذب ؟ و أين هو الحكم الشرعي الذي يحجر على العقل البشري و يمنعه من أن يتحرى الحقيقة عند هدا أو ذاك . فهناك من قتل الصحابة ، و هناك من سرق ، و هناك من كذب ، و هناك من زنى ، و هنالك من أحيل للقضاء بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى . فكيف نتحرى الحقائق ؟ و كيف يقام العدل ؟ و كيف تستفيد الأمة من تجارب الماضي فتتجنب الخطأ و تنهج منهج الصواب ؟ و من هنا فإن الشيعة ترى و تؤمن بعدالة الصادقين من الصحابة و تدعو لهم في كل صلاة ، أما غيرهم من الصحابة ، فالذي يعدله هو دينه و عمله بالموازين الشرعية . و هم يرون أن عدالة كل ؟ لصحابة بالمعنى الذي يطرحه أهل السنة هي نظرية سياسية تماما نشأت في رعاية حكم الطلقاء ، أو تحت إشرافهم تكونت كل مقوماتها .
و بوسائل إعلام دولة الطلقاء رسخت قواعد هذه النظرية ثم تلقفتها الأجيال اللاحقة تقليدا و بدواع مختلفة و بنوايا مختلفة .
و تقول الشيعة : أما العقوبة التي خصصها بعض الفقهاء تأييدا لنظرية عدالة كل الصحابة فهي عقوبة بغير نص و لا يملك أحد أن يعاقب مسلما بغير نص شرعي .
و أن العقوبة هي ظلم و هي باطلة بكل الموازين الشرعية و تؤدي بالنتيجة إلى تكريس حالة انقسام الأمة و منعها من الاستفادة من دروس الماضي و عبره ، و التفكر في مآلات الأشياء و كيف آلت إلى ما آلت إليه ، و بالتالي إيجاد العوائق بطريق استشراف المستقبل و توحيد الأمة على نور و على بصيرة .
خلط الأوراق
لو كان الصحابة كلهم عدولا لما حدثت الفتنة ، و لو كان الصحابة كلهم عدولا لما تفرقت الأمة ، و لو كان الصحابة كلهم عدولا لما قتل الصحابي صحابيا مثله ، لأن العادل لا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، و لو كان الصحابة كلهم عدولا لما وسد الأمر لغير أهله و لما أصبحت الخلافة ملكا و غنيمة يأخذها الغالب .
و القول بعدالة كل الصحابة خلط للأوراق ، و تعمية للناس و حجر على عقولهم ، لأن من يقتتلون لا يمكن أن يكونوا جميعا على الحق ، لأن الحق ضد القتل و ضد الفتنة و يمنع الفرقة و يمنع من توسيد الأمر لغير أهله .
فنأتي الآن و بعد مضي ألف سنة لنقول تلك أمة قد خلت و لنبدأ من جديد دون أن نعرف من هو المحق و من هو الذي اتبع الحق حتى نقتفي أثره . و من هو المبطل و من الذي اتبع هواه حتى نتجنب مسالكه ، و معنى ذلك أننا نهمل الاستفادة من تجربة
دامت ألف عام و نيف ، و نبدأ بالحياة من الصفر كأننا بلا تجارب . هذا هو الخلط ، و قد كان بهذا الخلط مصلحة لهذا الحكم أو ذاك أو التستر على هذا الشخص أو ذاك . فما هي مصلحتنا الآن بهذا الخلط و هذا التستر ؟ و ما هي مصلحتنا بإلغاء تجربة ألف و ثلاثمائة و تسعين عاما ، خاصة و أن هذا الخلط و هذا التستر و هذا الالغاء يتم على حساب الدين الحنيف و ينفذ تحت شعار مصلحة الإسلام .
واقعة للإستكشاف الشرعي
قامت جموع غاضبة فقتلت بعد تردد طويل الخليفة الثالث عثمان بن عفان بزعم أنه قد انحرف عن سيرة صاحبيه الصديق و الفاروق ، فبايع أهل المدينة عليا عليه السلام و تبعهم أهل الأمصار باستثناء أهل الشام و واليهم معاوية بن أبي سفيان الذي لم يبايع لأنه حسب قوله يريد معاقبة قتلة عثمان . فقال له الخليفة : ادخل في الطاعة و سأقضي بالحق للجميع ، فرفض معاوية و تحصن في ولايته ، و أخذ يكيد للإمام و يعلن خروجه عليه و يزعزع قواعد استقرار الدولة ويهيئ الأمة للانقسام ، مستغلا أموال ولايته وصارفا لها بغير الوجوه الشرعية المخصصة لها ، وما زال يكيد حتى انقسمت الأمة حقيقة و سالت الدماء ، ثم قتل الإمام ، و اغتصب معاوية أمر الأمة بالقوة و تأمر عليها و فيها السابقون من الصحابة الذين قاتلوه و قاتلوا أباه على الإسلام ، و نسي معاقبة قتلة عثمان أو تناساهم ، و أوصى أن يكون الملك من بعده لابنه يزيد ، و هو سكير خمير صاحب قردة و طنابير على حد تعبير الحسن البصري ، و من ذلك التاريخ صارت رئاسة الدولة غنيمة يختص بها من غلب . و بما أن القديم على قدمه ، فقد صارت الغلبة وسيلة شرعية ( نحن مع من غلب ) .
عدالة كل الصحابة
الذين وقفوا مع علي ، و الذين وقفوا مع معاوية كلهم صحابة و كلهم عدول و لا يدخل أحد منهم النار ، و كلهم في الجنة و كلهم مجتهد و كلهم لم يخطئ ، و من عابهم أو عاب أيا منهم فهو زنديق لا يواكل و لا يشارب و لا يصلى عليه حسب إجماع أهل السنة . امدحهم جميعا كما يحلو لك فهم أهل لهذا المدح و لكن إن قلت إن واحدا منهم أخطأ فأنت زنديق . . . الخ . هذا التفكير الأعمى أصبح سنة حقيقية ، و صورت هذه السنة كأنها إرادة الله و إرادة رسوله .
التكييفات المنطقية
وفق معايير المنهج العلمي للبحث فإن أمامنا ثلاثة تصورات أو احتمالات :
1 ـ كلهم محق ( علي عليه السلام و من معه ، و معاوية و من معه ) و هذا غير وارد لأنه يوجد للحق طريق يقيني واحد .
2 ـ كلهم مبطل ( علي عليه السلام و من معه و معاوية و من معه ) و هذا غير وارد لأن عليا ولي الله بالنص ، و لأنه مع الحق و الحق معه ، يدور حيث دار بالنص الشرعي أيضا كما سنبين فيما بعد .
3 ـ أحدهما محق و الآخر مبطل .
تساؤل :
لو كانوا جميعا على الحق لما قاتلوا ، و لما اختلفوا ، و إن اختلفوا فإن الاختلاف لن يصل إلى درجة التقاتل ، إنما سيحل بالوسائل الشرعية سلميا . و بالتالي فلن يقتل مئات الآلاف الذين قتلوا .
استخلاص :
إذن بالضرورة أحدهما محق و الآخر مبطل ، أحدهما على الحق و الآخر على الباطل و القول بأنهم جميعا عدول و لا يجوز عليهم الخطأ طيبة تصل إلى درجة السذاجة و الغفلة ، لأن القتل لا يتم إلا باليقين الشرعي ، و القتل العمد جريمة ، و تفريق الأمة جريمة و الخروج على الشرعية جريمة . . . و من يمارس القتل بالظنون أو استنادا إلى مصلحة أو هوى لا يمكن أن يكون عادلا ، و بالتالي يجوز عليه الكذب و الخطأ والمعصية . و الإطار العام للصحبة لا يمنعه من ذلك ، لأن الصحبة ليست نبوة .
كيف نعرف العدول من الصحابة من غير العدول في هذه الواقعة كمثال للتبسيط ؟
1 ـ وجود حق و وجود منظومة حقوقية لهذا الحق تغطي مساحة الأفعال و النوايا .
و الحق موجود و المنظومة الحقوقية موجودة وهي الإسلام ( القرآن و السنة بفروعها الثلاثة : القول و الفعل و التقرير ) و هي مجتمعة تشكل المنظومة الحقوقية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها ، إنها دين الله التي ارتضاها لعباده و هي من صنعه و وحيه .
2 ـ وجود إمام شرعي يسمع كل الآراء و يكون قوله الفصل عند اختلاف الاجتهادات ، و هو مرشد الحريات و منسق الطاقات و موجه الجماعة إلى الحق ، و هو الولي .
و كان النبي هو الولي و عين عليا وليا فقال : ( إنه وليكم بعدي ، إنه ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي ، من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه " . تلك حقيقة لا يوجد في الدنيا كلها من يجرؤ على إنكارها ، حتى معاوية نفسه . و سأقوم بتوثيق هذه الحقيقة فيما بعد .
3 ـ التجرد و الموضوعية ، بحق الوقائع بموضوعية و تجرد بحيث يكون هدف المسلم هو عين هدف الله .
4 ـ العقل الذي يقوم بعملية استيعاب المنظومة الحقوقية و تكييفها على الوقائع و عرض ثمرة هذه العملية على الولي .
الموالاة كمفتاح للعدالة
علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، هو أول من أسلم بأرجح الأقوال ، و هو ولي الله و أخو رسوله و والد سبطيه ، و زوج البتول و قائد العمليات العسكرية ضد الشرك ، و هو فارس الإسلام بغير منازع و قاتل أعدائه ، و هو الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم بالنص الشرعي ، كما سأثبت ذلك ، و هو ابن أبي طالب حمى النبي قبل الهجرة و عميد البيت الهاشمي الذي حاصرته كل قبائل العرب مجتمعة ثلاث سنين في شعاب أبي طالب لغاية واحدة و هي أن يسلم الهاشميون النبي أو يخلوا بينه و بين قريش .
أما معاوية ، فهو الطليق ابن الطليق ، ابن أبي سفيان ، قاد الأحزاب و من حارب النبي في كل المواقع و من حاول أن يقتل النبي و من قاد ضده موجة العداء و جيش الجيوش لمحاربته ، و هو ابن هند التي رتبت عملية الغدر بحمزة ، ولم تكتف بقتله إنما شقت بطنه و شوهت بجثمانه الطاهر ، و قاتل هو و أبوه الإسلام بكل فنون القتال حتى دخل النبي مكة فاتحا و أحيط به و بأبيه ولم يجدا مفرا من إعلان إسلامهما ، و هو من المؤلفة قلوبهم ، كان يعطى من الصدقات .
الصحابة العدول
كل الذين وقفوا مع علي و والوه هم صحابة عدول ، و هم بفضل الله و منته الأكثرية الساحقة من صحابة النبي ، و من عارضه منهم كالزبير و طلحة ندما ولم يموتا حتى دخلا في طاعته بالرضى . و يكفي الإسلام شرفا أنه لم يقف مع معاوية من الأنصار إلا اثنان لا ثالث لهما ، و لو كان أبو بكر حيا لوقف معه ، و لو كان عمر حيا لوقف معه و هو القائل : إنه مولاي و مولاك و مولى كل مؤمن و مؤمنة ، اللهم ارض عنهم و اجزهم عنا و عن الإسلام ما هم أهله .
أما الذين وقفوا مع معاوية و والده ، فهم موضوع البحث و بالوسائل الشرعية و هم أقلة الصحابة بالمعنيين اللغوي و الاصطلاحي ، و من أجلهم اخترعت نظرية ( كل الصحابة عدول ) لتبرير الواقع و إضفاء الشرعية عليه ، كما سنبين .
نماذج من غفلة أهل الشام و العراق
قال المسعودي : و ذكر بعض الإخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم و أهل الرأي و العقل منهم : ابن من أبو تراب هذا الذي يلعنه الإمام على المنبر ؟ فقال : أراه لصا من لصوص الفتن .
و حكى الجاحظ قال : سمعت رجلا من العامة و هو حاج ، و قد ذكر له البيت يقول : إذا أتيته من يكلمني ؟ و أنه أخبر صديقا له أنه قال له رجل منهم و قد سمعه يصلي على محمد ( صلى الله عليه و آله ) ما تقول في محمد ؟ أربنا هو ؟
و ذكر ثمامة بن أشرس قال : كنت مارا في السوق ببغداد ، فإذا أنا برجل عليه الناس مجتمعون ، فنزلت عن بغلتي و قلت : لشئ ما هذا الاجتماع ، و دخلت بين الناس فإذا برجل يصف كحلا معه أنه ينجح من كل داء يصيب العين ، فنظرت فإذا عينه الواحدة برشاء و الأخرى مأسوكة ، فقلت له : يا هذا لو كان كحلك كما تقول نفع عينيك . فقال لي : يا جاهل أهاهنا اشتكت عيناي ؟ إنما اشتكتا بمصر فقال كلهم : صدق . و ذكر أنه ما انفلت من نعالهم إلا بعد كد .
و أخبرني رجل من إخواننا من أهل العلم قال : كنا نقعد نتناظر في أبي بكر و عمر و علي و معاوية ، و نذكر ما يذكره أهل العلم ، و كان قوم من العامة يأتون فيستمعون منا فقال لي ذات يوم أحدهم و كان من أعقلهم و أكبرهم لحية : كم تطنبون في علي و معاوية و فلان و فلان ؟ قلت : ما تقول أنت في ذلك ؟ قال : من تريد ؟
قلت : علي ما تقول فيه ؟ قال : أليس هو أبو فاطمة ؟ قلت : و من كانت فاطمة ؟
قال : امرأة النبي عليه السلام بنت عائشة أخت معاوية . قلت : فما كانت قصة علي ؟ قال : قتل في غزاة حنين مع النبي [1] .
هؤلاء الذين أطاعوا معاوية
و قد بلغ من أمرهم في طاعته أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء و أعاروه رؤوسهم عند القتال و حملوه بها و ركنوا إلى قول عمرو بن العاص أن عليا هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنصرته ، ثم ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير و يهلك عليها الكبير [2] .
هل هذا هو أسلوب الصحابة العدول ببيان الحقيقة ؟ فالذي قتل عمار بن ياسر هو علي بن أبي طالب!! و هذا هو أسلوب العدول بتفقيه الناس بأمور دينهم و تعريفهم على صحابة محمد الأجلاء الذين قام الإسلام على أكتافهم !!! [3] .

[1] لقد نقلت هذه الروايات حرفيا عن مروج الذهب للمسعودي : 3 / 39 ـ 41 .
[2] نقلت هذا المقطع حرفيا عن مروج الذهب للمسعودي : 3 / 39 .
[3] كتاب نظرية عدالة الصحابة للمحامي أحمد حسين يعقوب : 70 ـ 80 .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق