]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

قطرةُ وطن

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-08-03 ، الوقت: 20:44:21
  • تقييم المقالة:






قطرة وطن

محمد الحداد / العراق

ذات طفولةٍ بعيدة أرادَ مُعلمُ الرسمِ أن يستفزَّ عصافيرَنا الصغيرة لتسافرَ صوبَ سماواتِ أحلامنا المفتوحة..قال : أطلقوا العنانَ لخيالكم.. تمنّوا بيتاً كما تشاؤون وارسموه.. وماذا بوسعِ طفلٍ صغيرٍ أنْ يفعلَ إذا استُفِزَتْ عصافير طفولته؟ بدأنا نرسم ..وللخيالِ مشيئة ..أحدهم تصورهُ قصراً كبيراً بأبوابٍ كثيرةٍ وشبابيك واسعةٍ وآخر تخيلهُ عالياً بطوابق ناطحتْ السماء.. وآخر اختارَ أن يجعلهُ طافياً فوق البحر..نظرتُ إلى بيتِ صديقي.. كانَ يُشيّدُ هَرَماً شامخاً كأهراماتِ الفراعنة..ابتسمتُ بوجههِ..هذا بيتكَ إذن يا صديقي؟قالَ وأنت؟فأشحتُ لهُ عما رسمتُ..كانَ بيتي خارطة الوطنِ فحسب! هكذا انسابتْ يدي بخفةٍ واثقةٍ لترسم الوطنَ كلَه..ولم أزِدْ عليهِ شيئاً.. فاستحسن المُعلمُ مني ما رسمتُ وقال: ما الذي رسمتهُ ..أين بيتك؟ قلت: ما بيتي إنْ لم يكن وطني وما وطني إنْ لم يكن بيتي! تعجبَ المُعلمُ من فطنتي المبكرة وحدَّقَ ملياً بجسمي الصغير لكنهُ ضحكَ أخيراً وربتَ على كتِفي وقال: صفِقوا له ..صفَقوا لي طويلاً.. ثم توافدَ الجميعُ على بيتي _  وطني ليشاهدوه.. لكنني خِفتُ عليهِ من المتربصين فحاولتُ أنْ أخبئهُ .. فباغتتني الخناجر من كلِّ مكان..و طعنتهُ عدة طعناتٍ.. سالتْ من جسدِ الوطن قطراتٌ من الدمِ..شاهدَ المعلمُ الدماءَ فمحى بيدهِ آثارَ الجريمةِ وقالَ لي: بيتٌ فحسب.. بلا دماء!هو لم يفهم ما حدث..تماماً كما لم أفهم أنا ماعناهُ بقوله.. ولا سرَّ توبيخه لي بعد ذلك..لكنَّ وقتَ الحصةِ كانَ قد أزِفَ للتو وأنقذني رنينُ الجرسِ من العقوبة..من يومها لم أتعبْ من البحثِ عن وطني.. بيتي هذا الذي رسمتهُ ذاتَ يومٍ في حصةِ الرسم.. لم أيأس من لقائهِ يوماً.. بقيتُ أنتظرهُ سنينَ طوال وأحلمُ بهِ كلَّ ليلةٍ لكنهُ لم يأت.. كنتُ أراهُ كثيراً من بعيد ممدداً على الجدرانِ وفي الخرائط و التلفاز وعلى صفحاتِ الكتبِ دونَ أنْ ألتقيَهُ على الحقيقة ..حينما كبرتُ بما يكفي لأفهمَ أنَّ الوطنَ جزءٌ مِفصليٌّ من لُعبةِ العشقِ والدم ..عرفتُ أنهُ ليسَ محض جبلٍ أو وادٍ أو سهلٍ فحسب..أدركتُ أنهُ أكبر من أمنيةٍ ترسمها أناملُ ناعمةٍ في مرسمٍ صغيرٍ تحفهُ أسرابٌ من الأحلامِ كما الملائكة بأملِ أن تُبصِرَ النورَ يوماً ما..أدركتُ أنهُ على وسعهِ يضيقُ أحياناً ليُصبحَ أصغرَ من رغيفٍ يابسٍ بائسٍ وربما ضائع تلهثُ وراءهُ أكفُ الجوعِ في طرقاتٍ ضيقةٍ متهالكة..فهمتُ كيفَ يمكنُ لهُ أنْ يضيعَ بكلمة..أنْ يذوبَ تماماً خلف ستائر من خيوطٍ عنكبوتيةٍ واهنة..أكثر من ذلك..أدركتُ متأخراً أنَّ الوطنَ ليس مسافراً فأنتظرهُ علّهُ يأتي يوماً ما..لكنني لم أكف عن البحثِ عنه! حينما كبرتُ لأفهمَ كلَّ هذا ..أصبحتُ أخافُ عليهِ أكثر..أحببتهُ كثيراً وكرهتهُ كثيراً و لعنتهُ كثيراً لكنهُ لم يأت أبداً.. ضحكتُ لهُ طويلاً وبكيتُ من أجلهِ طويلاً وناديتهُ طويلاً لكنهُ لم يأت أبداً..وما زلتُ حتى اليوم أتساءلُ بحيرةِ ذلك الطفل البريء :ما هو الوطن؟ أهو الذي نولدُ فيهِ؟أم الذي نعيشُ فيهِ؟أم الذي نموتُ فيهِ؟ أهو الذي يعطينا أكثر أم الذي يأخذ منا أكثر؟هل هو مقبرتنا الكبيرة التي تحتضنُ جماجمَ وعظامَ أهلنا وأحبابنا؟أم تُراهُ الذي روينا ترابهُ بدمائنا؟ أين وطني من كلِّ أولئك ؟حقاً لا أدري.. اليوم أنا وصديقي الصغير أصبحنا رجالا..ذلك الذي رسمَ بيتهُ هَرَماً شامخاً..مازلنا أصدقاء..هو يسكنُ مصرَ منذ سنواتٍ طويلة ويزورنا كلّ حينٍ بضعة أيام ثم يعودُ إلى....وطنه! ترى هل أصبحتْ الأهراماتُ بيتهُ حقاً كما أراد؟مَنْ يدري ربما ما رسمهُ صغيراً صارَ اليوم حقيقة..لعلهُ حققَ حلمهُ ووجدَ وطنهُ وارتاح.. لكنني أنا المزروعُ في خاصرةِ هذا الوطن.. المتوسدُ ترابهُ والملتحفُ سماءهُ ..أنا الذي رسمتُ يوماً ما وطناً حسبتُني أعرفهُ لشدةِ ما عشقتهُ..لا زلتُ حتى اليوم لا أعرفهُ.. بعد كلّ هذه السنواتِ التي حفرتُها كالوشمِ على امتدادِ جسدهِ..لا زلتُ أبحثُ عن شيءٍ لا أعرفهُ لكنني مُرغمٌ أنْ أواصلَ البحثَ في كلِّ مكانٍ وأسأل عنهُ كمجنونٍ دون أنْ أعثرَ عليه.. يا لقسوة قلبكَ أيها الوطن! لم تُشعرني يوماً أنكَ وطني.. تفديني كما فديتُك وتحنو عليَّ كما حنوتُ عليكَ وتخافُ عليَّ مثلما خفتُ عليك.

*     *     *

- ابحثْ لكَ عن وطنٍ جديدٍ قبلَ فواتِ الأوان.. يقولُ لي صديقي ذلك فأبهتُ واضحكُ..أحزنُ وأبكي..أرددُ ما قالَ وأجربُهُ بلساني: وطنٌ جديد؟ يسألني ثانية: أيّ وطنٍ تريد؟ ربما ليخففَ بعضاً من همومي..أنظرُ إليهِ وأحارُ بِمَ أُجيبه! أتخيلنُي جالساً في مطعمٍ راقٍ أضعُ مِنديلاً أبيض على حِجري وأصفّقُ بيديَّ فيأتيني النادلُ ويسألنُي ماذا تحبُّ أنْ تأكل؟فأطلبُ ما أشتهي من طعامٍ فيأتيني بما طلبتُ..هل هكذا سأختار الوطن؟أو كأني بي أدخلُ مكتبَ عقاراتٍ أساومُ صاحبهُ على بيتٍ- وطنٍ بحسبِ الطلب لأشتريه.. فأخبرهُ أنني أريدهُ بثلاثةِ طوابقَ و بغرفٍ كثيرةٍ بعددِ أولادي وحديقتين أمامية وخلفية..أريدهُ الآن بيتاً جاهزاً ليبيعني إياهُ بقدرِ ما أمتلكُ من مال ..والأفضلية لمنْ يدفع أكثر أليسَ كذلك؟يا للسخرية! هل يمكنُني أنْ أشتري وطناً جديداً دونَ أنْ أبيعَ القديم؟ وهل من العدلِ أنْ نبيعَ أصلاً ما لا نملك؟يسألني صديقي عن وطنٍ بديل فبمَ أُجيبه؟ هل لي أنْ أختارَ حقاً؟أن أشترط؟أتراني سأكرر ما رسمتهُ طفلاً ساذجاً فأتمناهُ بيتاً يُشبهُ وطني بعدَ كلِّ هذهِ السنين؟هل سأنفقُ عمري كلهُ في التمني؟حسناً.. مادام نيلُ المطالبِ بالتمني فسأضع إذن شروطي لوطنٍ أريدهُ وفقَ هواي..لأجربَ ذلك..سأطلبُ أولاً وطناً بِكراً..لم يسبقْ لهُ أنْ كانَ وطناً من قبل! سيكون لي وطناً لأولِ مرة ..أيحقُ لي ذلك؟حسناً..وطنٌ لا يوجد على الخارطة..لا تتعبوا أنفسكم فلن تجدونهُ أبداً لأنهُ لم يُكتشف بعد..هذا أفضل.. لئلا يُطالبني بملكيتهِ أحد..وطنٌ لم تطأهُ أقدامُ المستكشفين ولا المحررين ولا الفاتحين حتى لا نُتهم بسببهِ لاحقاً بالخيانةِ والتبعية..وليكنْ وطناً بلا أسم.. بلا حروف لئلا نتنازع حولَ أصلهِ..نقولُ جذرهُ عربياً فيُصرَخ في وجوهنا : بل هو أعجميّ وكلٌّ يأتي بدليلهِ القطعي وتشرع أبوابُ الجدلِ وتُقرع طبول الحربِ فيُدنس جسدهُ بالدماء.. لا نريدهُ وطناً بشواربَ لا ريب في ذكوريتها فنُتهم بتقديسِ الذكورة ولا مؤنثاً فنتهم بالإساءة إليهِ والتقليلِ من شأنهِ..ولسلامةِ الغدِ سأطالب أنْ يكونَ وطني بلا ماضٍ..ذاكرةٌ من رماد.. بلا تاريخ مثل طفلٍ ولدَ للتو..وبلا جغرافيا أيضاً أعني مثلي تماماً لا يفقهُ أيَّ شيءٍ عن خطوطِ الطولِ أو العرض.. ماذا أيضاً؟ ليكنْ وطناً بلا حدود .. حتى لا ينازعني في شبرٍ من ترابهِ أحد فأضطرَ أنْ أذرِفَ دمائي بسخاءٍ من أجلهِ..أريدهُ وطناً أصغرَ من عشِّ طائرٍ لا وطن لهُ.. وطنٌ مُتاحٌ..باذخٌ لا يُبالي إنْ قايضتُ رافديهِ بزوجِ حمامٍ أبيض يَسْبَحانِ أولَ الغَبَشِ في سماءٍ أبديةٍ لا نهاية لها ويعودان لعشهما بأمانٍ دونَ منةٍ وقتَ المغيب..أريدُ وطناً لا يجعلني أتعلقُ بأذياله .. وطنٌ عاديٌّ حدَّ أنْ لا يأبه اليهِ أحد..لا فائقَ السِحرِ و لا خارقَ الجمالِ لئلا يبتزني بهما صباحَ مساء فأجدني مُلزَماً أنْ أتغزلَ بهِ كأنَّ اللهَ لم يخلقْ مثلهُ في البلاد..أريدُ أنْ أُخرجهُ من صندوق حنيني إلى الأبد كي لا أشتاقَ إليهِ..كلما فارقتهُ يوماً لوَّحَ لي برائحةِ ترابهِ المقدس واستحلفني بعظامِ أهلي الراقدين تحتهُ أن أعودَ إليه..فأعود صاغراً لأحضانهِ..أريدُ وطناً لم أبايعهُ من قبلُ بدمي فيتهمني بنكثِ بيعتهِ كلما فاضَ بحرُ النزقِ لديه..وطنٌ لم أَعِدْهُ يوماً أنْ أريقَ لهُ دمي كلما ناداني أو أُزهِقَ لهُ روحي قرباناً بين يديهِ ..وطنٌ يكفيني أنْ يكونَ لي فندق بخمسِ نجوم أدفعُ لهُ بطيبِ خاطرٍ ثمن إقامتي فيهِ حتى أغادرهُ.. دونَ أنْ تسألني جيوبي مَنْ الرابح ومَن الخاسر فيما أعطى ثمناً لتلك الإقامة!أجل سأطلبُ وطناً هكذا.. ليسَ لهُ بذمتي شيء وليسَ لي بذمتهِ شيء..لا أدينهُ ولا يدينني..لا يُشعرني يوماً أنهُ يُحبني بجنونٍ أكثر مما استحق حتى لا أضطرَ أن أبادلهُ جنونهُ بجنونٍ مثله..أحتاجُ وطناً يحميني ويرعاني ويصون كرامتي أكثر مما يحبني...أعرفُ أنني إنْ طلبتُ كلَّ ذلك سأُتهم بخيانةِ الوطنِ و إهانتهِ أمام الملأ..ولو أقتنعَ البعضُ بما أريد لعمَّت الثورةُ في البلاد ولحدثَ الشِقاقُ بين الجماهير وَلَخرجتْ في الغدِ مظاهراتٌ تملأ ميادين التحرير تدعو للثأر منا..لكنَّ ذلك لا يعنيني بقدر حاجتي إلى مَنْ يجيبني على سؤالي: تُرى هل سأعثر على وطنٍ كهذا .. متى وكيف وأين؟

بالأمسِ.. حينما كنتُ طفلاً ساذجاً رسمتُ وطني بيتاً..كنتُ خائفاً عليهِ عندما كانَ مطعوناً تسيلُ من جوانبهِ قطراتُ دم... بعدما كبرتُ..ازددتُ سذاجةً وازدادَ خوفي عليهِ أكثر..لذا..أمسكتُ قلمي اليومَ ورسمتُ قطرةَ دمٍ كبيرة يقطرُ منها بالكاد.... وطنٌ يحتضر!.

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق