]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حدود قراءة النص .. أين الإشكال ؟

بواسطة: السعيد موفقي  |  بتاريخ: 2012-08-01 ، الوقت: 16:40:54
  • تقييم المقالة:
- مدخل:

من الثابت أنّ التعامل مع النّص الأدبي تقتضيه جملة من المعارف و المكتسبات المهارية و الفنية غير تلك التي ترصد من آراء الآخرين ، التاريخية و العلمية و الفلسفية ، و هي في الأساس مرتبطة بروافد تراثية و حديثة ، عربية و أجنبية ، و هنا نتساءل عن مدى جدوى حضور القراءة و غياب الأدوات التي كثر الحديث عنها في منابر مختلفة حيث المنافسة غير البريئة في إسقاطات مشبوهة كثير منها يتحامل على النصوص بمختلف أجناسها متخذة الحداثة ذريعة لامتطاء التجديد أو بالأحرى التقليد ، والحقيقة أنّ الخطأ ليس في الحداثة التي نؤمن بها كأسلوب لترقية الذوق العام و لا مانع من الأخذ بها كمعطى أدبي فاعل أو ما بعدها ، إنّما في سوء فهم حقيقة التناول و غياب الوعي الجمالي باللغة لدى كثير من الكتابات السطحية التي باتت فاضحة لضيق أفقها و ضعف تقديرها و جهلها بالبعد الحضاري للغة ككيان له أصوله و شخصيته ، وعدم إدراك طبيعة هذه الحداثة كسلسلة من مراحل التجديد المتتابعة و المتكاملة كنتيجة حتمية نحو الأجد ، فمادامت مرتكزاتها غامضة لم تتضح رؤيتها بشكل دقيق و لم تهضم أسسها النقدية و الإبداعية و مصادرها الفكرية و الفلسفية فإنّه من الظلم أن نتسرع في الحكم على الأثر الأدبي بتقديرات أو استجابات لقراءات من هنا وهناك تحاول أن تسقط مفاهيم متضاربة و مصطلحات مستجهضة عن طبيعتها منسوبة لأصحابها ودلائلها لا تتطابق مع مدلولاتها الحقيقية ، حتى بات ما يكتب عن هذا النص أو ذاك مجرد حشو تراصفت فيه ألفاظ مبهمة و لا أقول مصطلحات من باب الحرمة العلمية ، ذهب ضحيتها عدد كبير من النصوص الإبداعية و ظُلم مبدعون كثيرون في تقدير نتاجهم و تثمين إبداعهم فيعتقد القارئ أنّ العيب في النص و لا يدري بأنّ العيب في القراءة التي تلقاها من موضوع ما أو مجرد رأي من أيّ كان ، و هي العملية التي لم يتفطن لها كثير من النقاد الحقيقيين في ممارسة ما يسمى بنقد النقد للحد من هذه الفوضى و التداخل اللا أبجدي بين الممارسة النقدية الممنهجة وبين الكتابات الانطباعية المستعجلة و يمكنني أن أضيف إلى ما ذكره الروائي الجزائري الطاهر وطار "الأدب الاستعجالي" أضيف لذلك ما يسمى بالنقد الاستعجالي أيضا الذي لا يضيف للمدونة النقدية العربية عموما و
الجزائرية خصوصا أية ميزة علمية أو إبداعية أو فنية فاعلة على المستوى الإجرايئ أو التنظيري .

- سفسطائية النقد أو فوضى عامل المرجع :

هي مشكلة لم تطرح بقوة في الساحة النقدية و لا تزال غامضة مالم ترسم أهداف حدود العملية النقدية في تناول النص لتجنيبه صراع الأذواق المتناقضة في توظيف أدواتها الكثيرة ، ما نلاحظه في الساحة الأدبية الجزائرية كمثال تهاطل القراءات بشكل ملفت تزاحمت فيها تصورات أصحابها غير مقتنعين بما يكتبون أو بالأحرى لم يستوعبوا مضامين ما ينفقون من جهد في القراءة ، و في اعتقادي أنّ العملية النقدية لا تعني استقباح ما في النص من قبح أو استحسان ما فيه من حسن و جمال بقدر ما تعني العملية استظهار التوازن الثنائي لعملية الخلق أو الإبداع و استخراج مكنوناته التي نختلف في التفطن لها قوة و ضعفا ، كثرة و قلة و نستشعر مواطن الجمال كما لو أننا نبدع بالتوازي مع النص الأصلي فإذا كان سردا يجعلنا نعيش الحدث في حيزيه المكاني و الزماني ، و الأشخاص في تفاعلهم الطبيعي و انسجامهم مع مرتكزات الاتساق العام للعمل الإبداعي بشكل عام و نقف على حدود الصراع و تشكل العقدة و تخيل النتائج و النهايات البعيدة القريبة ، إذ نتوقع – و العملية موقوفة على مهارة السارد – ما يمكن أن يجعلنا نعتقد ما يعتقده السارد أو المبدع لحظة رسم هذه الحدود قد يبدو كثير منها غامضا حتى لدى المبدع نفسه ، ما نلاحظه في هذا الصدد الغياب التام للعملية الإجرائية الفاعلة التي تتناول النّص السردي في شكل ترميم لمقاطع المتن تتخللها أقوال مبتورة و مساحات كبيرة من الفراغ الاتساقي لبنية الموضوع ، أحيانا كثيرة ينسخ بعضه بعضا ، مما يعني هشاشة اللغة بمستوييها التركيبي و الخطابي .

- السمة الذهنية للناقد / المبدع:

لا نستغرب لوقلنا بأنه في كثير ما نكتشفه في هذه الحدود لم يخطر على بال المبدع ، و نتوصل له بقراءاتنا الخاصة و نستلذ ما نكتشفه مع المبدع و هنا يمكن أن ندخل ما يمكن أن تتيحه لنا ما تعلمناه من الآخرين و لكن من دون تكلف أو صنعة و نترك القراءة للسليقة في انتظام تلعب دورها في استحداث النشوة المرجوة من النص بعلم أو بغير علم من صاحب النص على أن تكون العملية منتظمة تسير وفق معطيات و عن قناعة تامة لا نترك معها أي فضول لأي التباس أو حشو لمفاهيم قد تضر بقراءاتنا أو بالنص نفسه فيكون التشويه على مستويين ، يفقد النص لذته و قراءاتنا نشوتها كعمل إبداعي مواز و تختفي أسراره و تعتم ، إنّ الاستعانة بما يقول الأخرون من أثر فكري أو حد فلسفي يحقق الكثير من متعة البحث و التحليل و يجعل العملية الأدبية تتوازن في جوانبها الاتساقية أكثر انسجاما و اعتدالا فنحقق نحن كقراء ما يمكن أن يحققه المبدع نفسه وهو يكتب هذا النص سواء على مستوى بنائه أو متنه على لغة النظرية السردية الحديثة فتتكامل العملية بين جميع حدود النص ابتداء من الراوي فالمروي فالمروي له و تحدث بذلك العلاقة المنتظرة ولو نسبيا في إخراج هذه الحدود بأقل زللا مما نتوقع من القراءة العشوائية ، و تتكامل العملية على مستوى الشعر في استخراج هيرمونات السر الجمالي له و استكناه لذته المتماهية في حدوده العميقة ، إذ يمكن أن أن اعتبار النص الشعري لمجرد وزن أو قافية أو أي حد من الحدود التي الزم بها دعاتها و أزموا بها الآخرين و العملية في الأساس أبعد من ذلك لأنّ حدود حرية تنشيطها قابلة للاستثارة و الإثارة مادامت عملية التشكل الحقيقي لا ترتبط بقيد بعينه أو حد من حدود الآراء المقيدة ، فحدّ الشعر عملية إبداعية قبل أن يكون مجرد رصف عبارات و تشابه إيقاعات و انتظام أوزان وتفعيلات لأنّها لا تكفي لمعالجة طبيعته الحقيقية مهما تعددت الآراء و تداولته النظريات و عبثت به المقاييس لغات مختلفة من القراءات التي كثير منها للتشويه أكثر منها للتجميل .

- النقد كفاءة لغوية و مهارة أدبية :

إنّ القراءة فنّ محسوب على القارئ كان من كان إذ عليه أن يكون على جانب من المهارة الأدبية و الكفاءة اللغوية الراقية ما يتمتع به المبدع أو يفوق و إلا ظل هائما في زخم من المصطلحات ، وأكداس من اللفظ المجاني الذي لا طائل منه حتى ولو حفظ كل النظريات و ألمّ بجميع المدارس فإنّه كمن يحاول أن يقنعنا بوجود الماء في مكان توهمه.
فمثلما هو الشعر إبداع و السرد بجميع أنواعه إبداع ...فإنّ القراءة أو بالأحرى النقد إبداع مادام التفاعل حاصل بين الطرفين و كلاهما يكتب ليترك للآخر و يساهم بالتالي في إدارة العملية الإبداعية بشكل أدبي متعال و تجنيب النقد من بعض الممارسات التي لا تتناول الظواهرالأدبية و النقد نفسه إلا لماما .

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق