]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

مشهد براءة

بواسطة: زيان بلال  |  بتاريخ: 2012-07-31 ، الوقت: 16:08:50
  • تقييم المقالة:

 

إنها الخامسة صباحا ,الكل  نيام و البرد في الخارج قد جعل مياه  الجداول تتجمد ,  استيقظت هي و توجهت نحو  المطبخ ,ذلك المطبخ البارد ,المكان الذي يخافه كل من في المنزل ,لطالما خيب أمالهم أو على حسب اعتقادي يراه أهل البيت نذير شر و رابطا مع واقعهم المرير ,تأخذ جدتي عجينتها التي جهزتها في الأمس و اتجهت بها نحو "كوشة الطين" لطهيه .

كنت اختلس نظراتي و أنا منكمش في فراشي  ,كنت أحاول تقبل فكرة أنني سوف  اترك دفئ الفراش و انتقل للخارج  لجلب الحليب  لان اليوم هو  دوري في حلب البقر ,كم كرهت هذا الترتيب و كم كرهت هذه الأدوار و كم كرهت العيشة القاسية التي فرضت علي  وكم كر,,,,,,,, و قبل أن أكمل قائمة مكروهاتي  نادتني وهي تكح  من تسرب بعض دخان "الكوشة " لرئتيها  " مسعود ,انهض يا ابني لقد حان وقت جلب الحليب ,مسعود أفق سوف يغضب جدك كثيرا إن لم يجد حليبه جاهزا , هيا لا تجعلني احضر و أخرجك من فراشك ,من أين لك بهذ ,,,,,,,," كانت لا تزال تتكلم ,و لم استطع حتى إجابتها ,في مثل هذه اللحظات تنتابك حسرة تكره فيها ذاتك و تتنمر منها لأنها خرجت لهاته الحياة ,تنغمس في عالم أنت ناحته ,كل أركانه صنعت على الطلب صنعت لتلائمك  ,تبني حياة من وحي خيالك الذي لا يخذلك في مثل هذه المواقف ,هنا تنادي نفسك و تدعوها لأخذها في نزهة  تكون أنت  فيها  بمثابة الدليل  لكن ليس أي دليل  بل الدليل الصانع ,تنتابك موجة فخر  تكون فيها الشخص الذي تريده في المكان الذي تريده ,تأخذ بيد نفسك و تريها ما صنعت لها ,ما هدفك من الحياة ,ما هو الذوق الذي تملكه  ,  و تخبرها بان زمن الانتقال إلى هذا المكان قريب وهو آت لا محالة ,وأنها سوى أيام معدودة فقط من الصبر و التحمل و ينقضي الأمر .

حينما كنت أقدم هذا الخطاب السياسي لنفسي المليء بالوعود حول إنني سوف أتخلص من هذه الحياة ,و سوف أجد مكانا آخر في هذه الدنيا استطيع فيه تلبية كل رغبات نفسي  نزع الغطاء عني و اندفع الهواء البارد إلى جسدي ,كأنه كان ينتظر على شوق ليلامس جلدي  هنا ضحكت علي نفسي و قالت  " هه  هل هذا هو المكان التي تطمح لإيصالنا  إليه ,حتى خيالك لا يسمح لك بالوجود في ذاك المكان ,آسفة و لكن عقلك صبياني أكثر من اللازم,لا أصدقك ,قمة الغباء "   هنا استشطت غضبا  و انسبت إلى واقعي ووقعت عيناي على جدتي حاملة الغطاء و قد رسمت على وجهها صورة لألم و الغضب,أبدعت في هاته الصورة  تشققات و جهها و براءة عينيها ,تمالكت نفسي فهي جدتي ليس لي الحق في أن أقول أي كلمة  ,علمت في أقسى المواقف التي عشتها معها أنها تعني لي الكثير ,فقد كنت أرى فيها دفئ أمي  الذي لم اخذ منه النصيب الوافي و الحب الكافي ,رأيت فيها الصديق الذي هو مستعد للتخلي عن مصالحه لأجلك ,رأيت فيها المعاني السامية للكلمات السامية  الحب ,الحنان ,التضحية الوفاء و الكثيرمن المواقف الجميلة التي عشناها معا  و الآخر الذي لم أحظى بشرف لقائه بعد .

 لطالما  أردت أن اخرج من هذا المنزل و اركض مبتعدا عنه  دون الالتفات إليه  ولا مرة ,لكن هي التي منعت كل هذا من الحدوث ,فكلما عزمت إلا وحضرت صورتها في ذهني ,فتنكسر العزيمة ,,,

تنهدت و قلت لها حاضر يا جدتي ,آسف لم أسمعك فقد كنت لا أزال نائما ,ردت علي هي أيضا لا باس ,المهم أن يكون الخبز و الحليب جاهزا عند استيقاظ جدك  و إلا أنت تعلم مآل حالنا إن لم نحضر الفطور ,و سوف  أكون أنا الملامة الوحيدة  ,أسرع  يا بني ,البس جيدا فالجو بارد جدا في الخارج ,أنت ولد  رائع و قبلتني على راسي  ,و عادت إلى المطبخ .  لقد قالت لي كل هذا و أنا لم اقل و لا كلمة بل استرسلت في كلامها بعفوية تامة ,و أنا لا أزال أراقبها و هي تحاول العناية بي و رفع معنوياتي ,  ارتديت ملابسي  ,انتعلت حذائي و اتجهت خارجا .

 توجهت نحو الإسطبل حاملا معي دلو الحليب  لملئه ,فتحت الباب فوجدت البقرة قد حصرت عجلها بين كومة التبن المتراكم و بين جسدها لكي لا يتأثر بهذا الجو القارص , وقفت لحظات ,كأني رأيت هذه الصورة من قبل ,لعلها أتتني في المنام ,كلا ,أين أين ……؟؟؟ اااههه  ,إنها صورتي أنا  و جدتي و هي تحاول حمايتي ,لكن لحظة ,هل نملك نحن و الحيوانات هذا القدر من التشابه في العيشة ,هل نحن تدنينا إلى مرتبة الحيوان أم سير الطبيعة فاق سيرنا فتطور الحيوان و لحق بنا …….و ما همي أنا المهم أن الحياة مستمرة و لا يهم من يحتل المرتبة الأولى أو الأخيرة إن الأكثر أهمية هو توفير الحليب إلى جدي أظن أنني استغرقت وقتا كبيرا في التفكير يا لغبائي .

انتهيت و حملت الدلو عائدا إلى المنزل ,و في طريقي إليه سمعت صراخا صادرا من البيت ,انه صراخ جدي و أظنه يؤنب في جدتي ,فسارعت في خطواتي و ما هي إلا هفوة حتى سمعت طرقة صاحبتها صرخة جدتي ,فجعلت اركض دون أن ادع دلو الحليب يسقط مني لعل هذا الوحش ينتهي من هيجانه  ,و صلت إلى البيت فتحت الباب وجدت جدتي ساقطة على الأرض  و بعض الدماء تسيل من جبينها   و جدي واقف أمامها و لا يزال يؤنبها ,التفت فرأيت جميع من في المنزل لا يزال نائما  ,بالرغم من حصول كل هذا الضجيج  ,انتابني ضيق كبير في صدري حتى أحسست أن ينابيع دمعي انفجرت ,التفت إلي جدي و قبل أن يقول أي كلمة نظرة إلى جدتي و وقلت لها آسف ,لطالما أحببتك و سأحافظ على حبي لك ,وداعا ,وركضت دون رجعة .

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق