]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وماتت جدتي

بواسطة: د. سهيل حوامده  |  بتاريخ: 2012-07-31 ، الوقت: 11:47:09
  • تقييم المقالة:
وماتت جدتي

في غرة الحادي عشر من شهر رمضان من سنة 1433ه في وقت السحر في سكون الثلث الأخير من الليل، لفظت جدتي الغالية أنفاسها الأخيرة مع كلمات التوحيد الغالية، التي عاشت طيلت الأعوام أل97 عليها وبها ولها، فلم تشاهد إلا وهي قائمة لله أو صائمة أو ذاكره، فلم تعرف في حياتها غيبة أو نميمة، ولم تعرف معنى الضغينة والحسد، فقد فاض قلبها العامر بالإيمان بمحبة الخلق الذين هم عيال الله، حتى ضاقت نفسها بذلك الحب وتلك الرحمة والشفقة على الناس، فكانت تبكي لبكاء الناس وتفرح بفرحهم، فكان جليسها وإن كان لمرة واحدة يظن أنه من أهم الناس عندها ومن أحبهم لقلبها ومن أخص الناس بدعائها فكان لسانها لا ينقطع عن الدعاء لحظة لجليسها، وكان من شدة إحسانها أنها كانت تنفق مالها كاملا في سبيل الله، فكانت لا تستطيع أن تعيش يومها من غير صدقة وكانت لا تستطيع أن تنام ليلها وفي جيبها قرش لم ينفق في وجوه الخير، حتى كانت كل شهر تتصدق بثوبها وتشتري واحدا جديدا، وكانت الحسرة تغمرها إن جاء ضيف -حتى وهي على فراش الموت- ولم تجد ما تكرمه به، حتى كان من نوادرها أنها عندما كانت في المستشفى في حالة غيبوبة وقد أفاقت منها، فمدت يدها مباشرة إلى جيبها وأخرجت صرة من نقود وكانت الأخيرة فأوصت بها لعائلة كانت تكفلها .

فجاءني الخبر فزلزل قلبي وهز نفسي وفاضت عيني، فلا أراني اليوم إلا فقدت ركنا من أركان الدعاء في حياتي، فقد كان دعاؤها عندما يعظم الخطب في حياتي وتغلق الدنيا أبوابها في وجهي بلسم حياتي وشفاء روحي ، لما أرى من صدق طلبها، فنظرت في الكون وقد ضاق بي على اتساعه فكأني أنظر في السماء والأرض فإذا هي باكية ملأ الحزن جنباتها، فها هي الأرض قد فقدت اليوم جبهة طالما سجدت لمليكها وقلبا طالما حنا على كل ما يدب  عليها من إنسان حتى الطير و الحيوان، وها هي السماء قد فقدت صوتا طالما لهج بالذكر والدعاء الذي كان يقرع أبوابها ضارع إلى مولاها،  فلم أرى في حياة نموذجا فريدا مثل الذي رأيت، لكن لا غرابه فزوجها مات ساجدا لله في صلاة التراويح، وأبوها أنفق كل ما يملك وقد كان من الغنى في مكان في إكرام المسلمين والعطف على فقيرهم ومسكينهم، ولا غرابة فهذه معجزة الإيمان بالواحد الديان عندما تخالط بشاشته القلوب فيصنع إيمان عجائز أمة الحبيب المعجزات، حتى يضرب به أعظم الأمثلة في الرقي الإنساني، فلا سمعت أذن ولا خطر ببال بشر ما كان مما ذكرنا في غير هذه الأمة المرحومة، فهل من معتبر فهل من مدكر،  ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد )).

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق