]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مشهد من رواية " نسق الحروف" - سعيد موفقي

بواسطة: السعيد موفقي  |  بتاريخ: 2012-07-31 ، الوقت: 02:28:15
  • تقييم المقالة:

كثير من الحروف التي نرسمها تكون مؤلمة ... قد تدفع بعض المندسين هنا أو هناك إلى الارتباك فتفضحهم رقصات موتهم على أوراقنا البيضاء...فنضطر إلى كفنهم بها و إقامة جنائزهم بلا تسبيح...نوثقهم للموت الذي يخشونه و نرسم على شهودهم ملامح العزاء الأبدي ...ينتاب السيّد شعور بالخوف ، يطوي صفحة الجريدة و يكتب في مذكرته بعض الكلمات التي لم يفهمها على بساطة لغة ما قرأ ، لم يطمئن ، يأخذ القصاصة من الجريدة و يدسها في كناشه المعتاد...يحضر النادل لتنظيف الطاولة ، يسقط فنجان القهوة "الطالعة" دوما من يد السيّد ، يحدق فيه ، يحدث نفسه : لم تكن المرة الأولى التي أتعثر فيها ، كانت تبعث برسائلها باستمرار عبر قنوات محضورة  ، نسي النادل ما جاء من أجله ، لم ينتبه  لوقوفه الذي طال ، و نظره الذي لم يغادر مشهد السيد ...لا زال يعتصر المنديل  الذي  يشبه جريدة السيّد في كثير من مجازاته الصالحة لتنظيف كل الطاولات... أخذ ينظف ثيابه مرة و الطاولة مرة دون تمييز... و بالرغم من فراغ الفنجان يحتسي ما بقي فيه من "احثالة" بحرقة و هو يردد الكلمات التي لم يفهمها ، يعرض عليه  النادل كوبا آخر ، يكتفي بالصمت ، لأنّه  غرق في فنجانه ، يقرأ أفكاره و حظه... ، يدفع للنادل ثمن ما احتسى لكنّه يرفض - اشفاقا- ، تذكّر صيغة المقال عندما همّ بالمغادرة ، لم يكن هذه المرة في نيته المغادرة مبكرا لولم تضطره مفاهيم الجريدة و أعمدتها و بعض الصور المزعجة... علامات استفهام كبيرة و حادة ، بدت كذلك ؟؟؟ .

المسافة بينه و بين المحطة بعيدة ،لابد أن يسبقها منعرجات ، كان مضطرا للوقوف و الانتظار ...اعتاد على ذلك...دوما يبحث عن  مسلك قريب ... يدرك تماما أنّ نهاية الأموات لا تشبه إلا نفسها و هذه السيارات التي تقل الأشخاص من محطة إلى أخرى تعبث بهم كالأحلام  ثم  توزعهم في نقاط مختلفة لتتلاشى أفكارهم و يتبددون في فوضى ...بينما تروقه هذه المقهى لموقعها الاستراتيجي و ما تبعثه في نفسه من وساوس و أحلام ، للكبار و الصغار...غادرها مختصرا مسافة التفكير بينه و بين أشيائها المكومة على ضفاف الأحلام  و بقايا صور لمعمرين  أصابها النتح...، و لأنّها قريبة من ذهنه أيضا...لم يتوقف تفكيره إلا عندما توقفت السيارة أشار له السائق : أنا مضطر لذلك سيدي ، يبدو أنّ العبور ممنوع من هذه الجهة ، أّنا مضطر للرجوع أيضا...و المسافة أصبحت أطول...والمحطات أكثر... كان مضطرا هو أيضا للنزول تذكر آخر لقاء بينه و بينها عندما فشلت محاولاته و لم يبق أمامه سوى الانتظارفي هذه المحطة لمسافة  تبدو محرجة...و السيارات أمامه تمرّ مسرعة...تهمل كل الأشياء...لا سبيل إلا السير ، قطع مسافة طويلة ، يعدّ البنايات ، و النوافذ ، و أكشاكا مهجورة... تزيّنها مظلات رثة كُتب عليها بمختلف الحروف "فاست فود"،" قرانطيطة "، "دوبارة"...لوحات شهية... لم تعد صالحة لبيع الجرائد و مشتقاتها ...غير أنّ فتات الخبز وفضلات القطط و الكلاب الضالة قد جعلتها وكرا أيضا إلى أن تصلحها المدينة و تنظر في أمرها، و هي فكرة مطروحة منذ آخر الإصلاحات...في رفوف الهيئة المحترمة...و نسخة منها أخرى على مكتب المحترم أيضا...  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق