]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

السيرة النبوية المسمى عيون الاثر

بواسطة: اسرة القطاوى  |  بتاريخ: 2012-07-29 ، الوقت: 20:42:30
  • تقييم المقالة:

تأليف

محمد بن عبد الله بن يحي

ابن سيد الناس

671 ه - 734 ه

المجلد الثاني

ـ 4 ـ

ـ 5 ـ

ـ غزوة حمراء الاسد ـ

وهى صبيحة يوم الاحد عند ابن اسحق لست عشرة مضت من شوال

عند ابن سعد لثمان خلون من شوال من صبيحة أحد والخلاف عندهم في أحد

كما سبق . قال ابن اسحق وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس

طلب العدو وأذن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالامس

بكلمة ؟ ؟ جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال يا رسول الله إن أبى كان خلفنى على

خوات لى سبع وقال يا بنى إنه لا ينبغى لى ولا لك ان نترك هؤلاء النسوة لا رجل

فيهن ؟ ؟ ولست بالذى أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على

حواتك فتحلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في

طلبة ليظنوا به قوة وان الذى أصابهم لم يوههم عن عدوهم فخرج رسول الله

صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الاسد - وهى من المدينة على ثمانية اميال -

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام فأقام بها الاثنين والثلاثاء

والاربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به - كما حدثنى عبدالله بن أبى بكر - معبد بن

بى معبد الخزاعى وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلى

الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ

مشرك ؟ ؟ فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا ان الله قد

عافاك فيهم وكان معبد قد رأى خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين

لى حمراء الاسد ولقى أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول

ـ 6 ـ

الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم ففت ( 1 ) ذلك في أعضاد قريش وقد كانوا أرادوا

الرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه صلى الله عليه وسلم فتمادوا إلى مكة وظفر

رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبى العاص

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه صبرا ( 2 ) وهو والد عائشة أم عبد

الملك بن مروان . وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال وهو بحمراء الاسد

حين بلغه أنهم هموا بالرجعة " والذى نفسى بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا

بها لكانوا كأمس الذاهب " قال ابن هشام ويقال ان زيد بن حارثة وعمار بن

ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الاسد كان لجأ إلى عثمان بن عفان

فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه على أنه وجد بعد ثلاث

قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبى صلى الله عليه وسلم وقال انكما ستجدانه

بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه . وقال ابن سعد ودعا رسول الله صلى الله

عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى على بن أبى طالب ويقال لى

أبى بكر الصديق وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجوج في جبهته ورباعيته

قد شظيت ( 3 ) وشفته السفلى قد كلمت ( 4 ) في باطنها وهو متوهن منكبه يعنى الايمن

من ضربة ابن قمئة وركبتاه مجحوشتان ( 5 ) وحشد أهل العوالى ونزلوا حيث أتاهم

الصريخ وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وخرج الناس معه فبعث

ثلاثة نفر من اسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الاسد

قال وللقوم زجل ( 6 ) وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك فبصروا

بالرجلين فعطفوا عليهما فقتلوهما ومضوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم

بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الاسد وكان المسلمون يوقدون تلك الليالى خمسمائة

* ( هامش ) * أى اضعفهم .

( 2 ) القتل صبرا هو أن يمسك شئ من ذوات الروح فيرمى بشئ حتى يموت .

( 3 ) اى : كسرت .

( 4 ) أى جرحت

( 5 ) اى انخدش جلدهما

( 6 ) اى صوت .

ـ 7 ـ

نار حتى ترى من المكان البعيد . وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل

 

وجه فكبت الله تبارك وتعالى بذلك عدوهم . وكان دليله صلى الله عليه وسلم

إلى حمراء الاسد ثابت بن الضحاك بن ثعلبة من الخزرج وليس بأخى أبى جبيرة

ابن الضحاك ذاك أوسى من بنى عبدالاشهل وله حديث في النهى عن المزارعة

رواه مسلم ومن الناس من يجعل ذلك الحديث لثابت هذا وليس بشئ .

ـ 8 ـ

ـ سرية ابى سلمة بن عبدالاسد ـ

روينا عن ابن سعد قال ثم سرية أبى سلمة بن عبدالاسد المخزومى إلى قطن

وهو جبل بناحية فيد - ماء لبنى أسد بن خزيمة - في هلال المحرم على رأس خمسة

وثلاثين شهرا وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طليحة وسلمة ابنى

خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعونهم إلى حرب رسول الله صلى الله

عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سلمة وعقد له لواء وبعث

معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار ، وقال سر حتى تنزل أرض بنى

أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم . فخرج فأغذ ( 1 ) السير ونكب عن

سنن الطريق وسبق الاخبار وانتهى إلى أدنى قطن فأغار على سرح لهم فضمه

وعاء ؟ ؟ لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم فجاءوا جميعهم فحذروهم فتفرقوا في كل

ناحية ففرق أبوسلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء فآبوا اليه سالمين

قد أصابوا إبلا وشاء ولم يلقوا أحدا فانحدر أبوسلمة بذلك كله إلى المدينة .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى أسرع .

ـ 9 ـ

ـ سرية عبدالله بن انيس ـ

قال ابن سعيد ثم سرية عبدالله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى

العرنة ؟ ؟ : خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة

وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بلغ رسول الله

صلى الله عليه وسلم ان سفيان بن خالد الهذلى ثم اللحيانى وكان ينزل عرنة وما

والاها في ناس من قومه قد جمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث

رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن انيس ليقتله فقال صفه لى يا رسول الله

فقال اذا رأيته هبته وفرقت ( 1 ) منه وذكرت الشيطان قال وكنت لا أهاب الرجال

فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم فأذن لى فأخذت سيفى وخرجت

اعتزى إلى خزاعة حتى اذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشى ووراءه الاحابيش ومن

ضوى ( 2 ) اليه فعرفته بنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته فرأيتنى اقتر عرقا

فقلت صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقال من الرجل فقلت رجل من

بنى خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لاكون معك فقال ؟ ؟ ؟ ؟ أجل انى لاجمع له

فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثى حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه

أصحابه حتى اذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غارا

في الجبل وضربت العنكبوت على وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين

ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت

رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما رآنى قال أفلح الوجه قلت افلح

وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته حبرى فدفع إلى عصا فقال

* ( هامش ) * ( 1 ) اى خفت

( 2 ) أى أوى . ( * )

ـ 10 ـ

تخصر بهذه في الجنة فكانت عند ؟ فلما حضرته الوفاة أوصى أهله ان يدرجوها

في كفنه ففعلوا ، وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من

المحرم . وقال ابن عقبة جعلوها في كفنه بينجلده وثيابه . وقال موسى بن عقبة

أيضا فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بموته قبل قدوم عبدالله

ابن أنيس . قال ابن هشام وقال عبدالله بن أنيس في ذلك :

تركت ابن ثور كالحورا وحوله * نوائح تفرى كل جيب مقدد

تناولته والظعن خلفى وخلفه * بأبيض من ماء الحديد مهند

أقول له والسيف يعجم رأسه * أنا ابن انيس فارسا غير قعدد

وقلت له خذها بضربة ماجد * حنيف على دين النبى محمد

وكنت اذا هم النبى بكافر * سبقت اليه باللسان وباليد

قوله يعجم رأسه من قولهم فلان يعجم التمرة أى يلوكها ويعضها . والقعدد

والقعدد الجبان . قال ابن عقبة ولا ندرى من أين بعث رسول الله صلى الله

عليه وسلم عبدالله بن انيس إلى ابن نبيح أمن المدينة أم من غيرها .

ـ 11 ـ

ـ بعث الرجيع ـ

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 11 سطر 1 الى ص 20 سطر 25

ـ بعث الرجيع ـ

وكان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابن سعد

روينا من طريق البخارى قال حدثنى موسى بن اسمعيل فثنا ابراهيم

قال انا ابن شهاب قال أخبرنى عمرو بن أسيد بن جارية الثقفى حليف بنى

زهرة ، وكان من أصحاب أبى هريرة عن أبى هريرة قال بعث رسول الله

صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الانصارى جد

عاصم بن عمر بن الخطاب ( 1 ) حتى اذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة ذكروا

لحى من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام

فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا

آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا

انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق وأن لانقتل منكم أحدا . فقال

عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا انزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا

نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما ونزل اليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم

خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر . فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم

فربطوهم بها فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ان لى بهؤلاء

أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فانطلق بخبيب وزيد بن

الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا

وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى

أجمعوا قتله فاستعار خبيب من بعض بنات الحرث موسى يستحد بها فأعارته

* ( هامش ) * ( 1 ) كذا وقع في الصحيح ، قال بعض الحفاظ صوابه خاله لاجده . ( * )

ـ 12 ـ

مدرج ؟ ؟ ؟ بنى ( 1 ) لها وهى غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخده والموسى بيده

قالت ؟ ؟ ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال أتخشين ان اقتله ما كنت لافعل ذلك

قالت والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا

من عنب في يده وانه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة وكانت تقول انه لرزق

رزقه الله خبيبا . فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعونى

أصلى ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بى جزع

لزدت ثم قال اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول :

فلست أبالى حين أقتل مسلما * على أى شق كان لله مصرعى

وذلك في ذات الاله وان يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع

ثم قام اليه أبوسروعة غقبة بن الحارث فقتله . وكان خبيب هو سن لكل مسلم

قتل صبرا الصلاة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أصيبوا

خبرهم وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا

شئ منه يعرف . وكان قتل عظيما من عظمائهم فبعث الله لعاصم مثل الظلة من

لدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا . كذا روينا في هذا

لخبر من طريق البخارى في جامعه وفيه أن خبيبا هذا قتل الحارث بن عامر

وم بدر وليس ذلك عندهم بمعروف . وإنما الذى قتل الحرث بن عامر خبيب

بن اساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج .

خبيب بن عدى لم يشهد بدرا عند أحد من أرباب المغازى . وروينا عن ابن

سحق قال وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة قال وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم

بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله ان فينا إسلاما فابعث معنا نقرا

من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام

فبعث معهم نفرا ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى حليف حمزة

* ( هامش ) * ( 1 ) اسم هذا الصبى ابوالحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل ، ومن ولده

عبدالله بن عبدالرحمن بن أبى الحسن المحدث . ( * )

ـ 13 ـ

بن ع بدالمطلب وخالد بن البكير الليثى حليف بنى عدى بن كعب وعاصم بن

ثابت بن أبى الاقلح أخو بنى عمرو بن عوف وحبيب بن عدى أخو بنى جحجبا

ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخو بنى بياضة وعبدالله بن طارق

حليف بنى ظفر . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبى

مرثد الغنوى فحرجوا مع القوم حتى اذا كانوا على الرجيع - ماء لهذيل - غدروا

بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم

السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القوم فقالوا لهم انا والله لا نريد

قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من اهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه

ان لا نقتلكم فأبوا فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا

وقاتلوا حتى قتلوا . فلما قتل عاصم أرادت هذيل اخذ رأسه ليبيعوه من سلافة

بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين اصاب ابنيها يوم احد لئن قدرت

على رأس عاصم لتشربن فيه الخمر . قال ابوجعفر الطبرى وجعلت لمن جاءت

برأسه مائة ناقة .

رجع إلى خبر ابن اسحق : فمنعه الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسى

فنأخذه فبعث الله الوادى فاحتمل عاصما فذهب به وقد كان عاصم اعطى الله

عهد ان لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا ابدا . واما زيد بن الدثنة وخبيب وابن

طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحيوة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا

بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى اذا كانوا بالظهران انتزع عبدالله بن طارق

يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه

فقبر بالظهران يرحمه الله . وأما خبيب وزيد فقدموا بهما مكة فباعوهما من قريش

بأسيرين من هذيل كانا بمكة فابتاع خبيبا حجير بن أبى اهاب التميمى حليف

بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه . وأما زيد بن الدثنة فابتاعه

صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأخرجه مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم

خارج الحرم ليقتله واجتمع رهط من قريش فيهم أبوسفيان بن حرب فقال له

ـ 14 ـ

أبوسفيان حين قدم ليقتل أنشدك بالله يازيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك

نضرب عنقه وانك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى

هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانى لجالس في أهلى قال يقول أبوسفيان ما رأيت

من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ثم قتله نسطاس يرحمه الله .

ورأيت في كتاب ذيل المذيل لابى جعفر محمد بن جرير الطبرى لحسان بن ثابت

يرثى أصحاب الرجيع الستة

ألا ليتنى فيها شهدت ابن طارق * وزيدا وما تغنى الامانى ومرثدا

ودافعت عن حبى خبيب وعاصم * وكان شفاء لو تداركت خالدا

وذكر ابن سعد أن البعث كانوا عشرة وذكر الستة الذين ذكرناهم وزاد ومعتب

ابن عبيد وهو أخو عبدالله بن طارق لامه ولم يذكر الباقين . وذكر ابن عقبة

أيضا معتب بن عبيد فيهم وذكر أن الذى قيل له أتحب ان محمدا مكانك هو

هو خبيب بن عدى حين رفع على الخشبة فقال لا والله فضحكوا منه . قال وقال

خبيب اللهم انى لا أجد إلى رسولك رسولا غيرك فابلغه منى السلام وزعموا

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو جالس في ذلك اليوم الذى قتلا فيه

وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش ولا يدرون أذكر زيد بن الدثنة معه

أم لا . وزعموا أنهم رموا زيد بن الدثنة بالنبل وأرادوا فتلته فلم يزدد إلا ايمانا

وتثبيتا ، وزعموا أن عمرو بن أمية الضمرى دفن خبيبا . قال أبوعمر وروى

عمرو بن أمية الضمرى قال بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خبيب بن

عدى لا نزله من الخشبة فصعدت خشبته ليلا فقطعت عنه وألقيته فسمعت وجبة ( 1 )

خلفى فالتفت فلم أر شيئا . وقال ابن عقبة واشترك في ابتياع خبيب زعموا

أبواهاب بن عزيز وعكرمة بن أبى جهل والاخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم

ابن الاوقص وأمية بن أبى عتبة وبنو الحضرمى وصفوان بن أمية بن خلف

* ( هامش ) * ( 1 ) اى صوتا ( * )

ـ 15 ـ

وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر ودفعوه إلى عقبة بن الحارث فسحنه في

داره - الحديث . وكان فيما أنزل الله تعالى في المنافقين الذين كانوايامز ونهم وفيهم

من القرآن ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ) إلى أن ذكر هم فقال ( ومن

الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ) الآية . ومما قاله حسان يهجو هذيلا

لعمرى لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم

أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان ركابون شر الجرائم

هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم

قبيلة ليس الوفاء بهمهم * وان ظلموا لم يدفعوا كيف ظالم

اذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم

محلهم دار البوار ورأيهم * اذا نابهم أمر كرأى البهائم

الدبر ذكر النحل . ( 1 )

* ( هامش ) * ( 1 ) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 16 ـ

ـ قصة بئر معونة ـ

وكان في صفرعلى رأس أربعة أشهر من أحد عند ابن اسحق . قال وكان

من حديثهم كما حدثنى أبى اسحق بن يسار عن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث

ابن هشام وعبدالله بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم ( 1 ) وغيرهم من اهل العلم

قالوا قدم أبوبراء عامر بن مالك بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة على رسول الله صلى

الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام ودعاه اليه فلم يسلم ولم يبعد عن الاسلام

وقال يا محمد لو بعثت رجالا من اصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت

أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى اخشى اهل نجد عليهم

قال ابوبراء انا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله

صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخى بنى ساعدة المعبق ليموت في اربعين

وعن غير ابن اسحق في سبعين رجلا من اصحابه من خيار المسلمين فساروا حتى

نزلوا بئر معونة وهى بين ارض بنى عامر وحرة بنى سليم كلا البلدين منها قريب

وهى إلى حرة بنى سليم اقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول

الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه

حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بنى عامر فأبوا أن يجيبوه إلى

ما دعاهم اليه وقالوا لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ

عليهم قبائل من سليم عصية ورعلا فأجابوه إلى ذلك ثم خرجوا حتى غشوا

القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى قتلوا إلى

آخرهم رحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فانهم تركوه وبه

* ( هامش ) * ( 1 ) لعله عبدالله بن ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم . ( * )

ـ 17 ـ

رمق فارتث ( 1 ) من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا رحمه الله . وكان

في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى ورجل آخر من الانصار أحد بنى عمرو

ابن عوف . قال ابن هشام هو المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح .

قال ابن اسحق فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا

والله ان لهذه الطير لشأنا فأقبلا ينظر ان فاذا القوم في دمائهم واذا الخيل التى

أصابتهم واقفة فقال الانصارى لعمرو بن أمية ماذا ترى قال نرى أن نلحق

برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصارى لكنى ما كنت

لارغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل رحمه

الله وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا فلما أخبر هم انه من مضر أخذه عامر بن الطفيل

وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه . فحرج عمرو بن أمية حتى

اذا كان بالقرقوة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه في ظل

هو فيه فكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم

يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما فقالا من بنى عامر فأمهلهما

حتى اذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى ان قد أصاب بهما تؤرة من بنى عامر

فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لقد قتلت قتيلين لادينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبى

براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه اخفار عامر إياه

وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه . وقال حسان بن ثابت

يحرض بنى أبى براء على عامر بن الطفيل :

بنى أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد

تهكم عامر بأبى براء * ليخفره وما خطأ كعمد

ألا أبلغ ربيعة ذا المساعى * فما أحدثت في الحدثان بعدى

أبوك أ بوالحروب أبوبراء * وخالك ماجد حكم بن سعد

* ( هامش ) * ( 1 ) ارتث مبنيا للمجهول اى حمل من المعركة رثيثا اى جريحا وبه رمق . ( * )

ـ 18 ـ

أم البنين هى أم ابى البراء من بنى عامر بن صعصعة فحمل ربيعة بن أبى براء

على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه فأشواه ( 1 ) ووقع عن فرسه فقال

هذا عمل ابى براء إن انامت فدمى لعمى فلا يتبعن به وان اعش فسأرى رأيى .

قال أبوعمر ذكر عبدالرزاق عن معمر عن ثمامة بن عبدالله بن انيس عن انس بن

مالك ان حرام بن ملحان وهو خال انس طعن يوم بئر معونة في رأسه فتلقى دمه

بكفه ثم نضحه ( 2 ) على رأسه ووجهه وقال فزت ورب الكعبة . وقيل ان حرام بن

ملحان ارتث يوم بئر معونة فقال الضحاك بن سفيان الكلابى وكان مسلما يكتم

إسلامه لامرأة من قومه هل لك في رجل ان صح كان نعم المراعى فضمته اليها

فعالجته فسمعته يقول :

أتت عامر ترجو الهوادة بيننا * وهل عامر إلا عدو مداجن

اذا ما رجعنا ثم لم تك وقعة * بأسيافنا في عامر أو نطاعن

فلا ترجونا ان تقاتل بعدنا * عشائرنا و المقربات الصوافن

فوثبوا عليه فقتلوه والاول اصح . وقتل يومئذ عامر بن فهيرة قتله عامر بن الطفيل

من طريق يونس بن بكير عن ابن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم

عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له من الرجل الذى لما قتل

رأيته رفع بين السماء والارض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع فقال له هو عامر بن

فهيرة . وروى ابن المبارك عن يونس عن ابن شهاب قال زعم عروة بن الزبير أن

عامر بن فهيرة قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوا يرون ان الملائكة دفنته

رحمه الله والله اعلم بالصواب .

* ( هامش ) * ( 1 ) يقال رمى فأشوى اذا لم يصب المقتل

( 2 ) اى : رشه .

ـ 19 ـ

ـ وممن استشهد يوم بئر معونه ـ

عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق وهو ابن اربعين سنة قديم الاسلام

سلم قبل ان يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم بن ابى

الارقم . والحكم بن كيسان مولى بنى مخزوم . والمنذر بن محمد بن عقبة بن

احيحة بن الجلاح . وابوعبيدة بن عمرو بن محصن . والحارث بن الصمة بن

عمرو ابنا عتيك بن عمرو بن مبذول . وابى بن معاذ بن انس بن قيس بن

عبيد بن زيد بن معاوية بن مالك بن النجار واخوه انس . وابن

اسحق وابن عقبة يسميانه اوسا ، والواقدى يقول ان انسا هذا مات في خلافة

عثمان . وابوشيخ ابن ابى بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة

ابن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار ، وحرام وسليم ابنا ملحان بن خالد بن

زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدى بن النجار ، واسم ملحان مالك ،

وهما اخوا ام سليم ام انس بن مالك واخوا ام حرام امرأة عبادة بن الصامت

ومالك وسفيان ابنا ثابت من الانصار من بنى النبيت ، وذلك مما انفرد به محمد بن

عمر الواقدى لم يوجد ذكر مالك وسفيان في شهداء بئر معونة عن غير محمد بن

عمر وعروة بن اسما بن الصلت من بنى عمرو بن عوف من حلفائهم ، وقطبة بن عبد

عمرو بن مسعود بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار ، والمنذر بن عمرو بن

خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وهو اميرهم ، ومعاذ

ابن ماعص بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق واخوه عائذ ، وغير الواقدى يقول

جرح معاذ ببدر ومات منه بالمدينة ، وقيل في عائذ مات باليمامة ، ومسعود بن سعد

ابن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق عند الواقدى ، واما ابن القداح فقال مات بخيبر ،

وخالد بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر ، وقيل بل قتل خالد بن ثابت

بمؤتة ، وسفيان بن حاطب بن امية بن رافع بن سويد بن حرام بن الهيثم بن ظفر ، وسعد

ـ 20 ـ

ابن عمرو بن ثقف واسمه كعب بن مالك بن مبذول وابنه الطفيل وابن اخيه سهل بن

عامر بن سعد بن عمرو بن ثقف ، وعبدالله بن قيس بن صرمة بى ابى انس بن

صرمة بن مالك بن عدى بن النجار ، ونافع بن بديل ورقاء الخزاعى وفيه

يقول عبدالله بن رواحة يرثيه :

رحم الله نافع بن بديل * رحمة المبتغى ثواب الجهاد

صابرا صادق اللقاء اذا ما * اكثر القوم قال قول السداد

ذكر هؤلاء المستشهد بن ابوجعفر محمد بن جرير الطبرى في كتابه ذيل المذيل

من رواية ابن عبدالبر عن ابى عمر احمد بن محمد بن الجسور عن ابى بكر احمد بن الفضل

ابن العباس الخفاف عنه ومن اصل ابى عمر بن عبدالبر نقلت ، وعند ابن سعد فيهم

الضحاك بن عبد عمرو بن مسعود بن عبدالاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار ،

وذكر ابن القداح فيهم عمرو بن معبد بن الازعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة

من بنى عمرو بن عوف واسمه عند ابن اسحق عمرو ، وهو عند ابن القداح عمير ،

وذكر ابن الكلبى خالد بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن

ابن النجار في شهداء بئر معونة ، وذكر ابوعمر النمرى في الاستيعاب سهيل بن عامر

ابن سعد فيهم واظنه سهل بن عامر الذى ذكرناه على انه ذكر ذلك في ترجمتين احداهما

في باب سهل والاخرى في باب سهيل ، والمختلف في قتله في هذه الواقعة مختلف في

حضوره فأرباب المغازى متفقون على ان الكل قتلوا إلا عمرو بن امية الضمرى ،

وكعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبدالاشهل بن حارثة بن دينار فانه جرح

يوم بئر معونة ومات بالخندق . وقال ابن سعد لما أحيط بهم قالوا اللهم إنا لا نجد من

يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام فأخبره جبريل عليه السلام بذلك

فقال وعليهم السلام وقال فقد عمرو بن أمية عامر بن فهيرة من بين القتلى

فسأل عنه عامر بن الطفيل فقال قتله رجل من بنى كلاب يقال له جبار بن سلمى فلما قتله

قال فزت والله ورفع إلى السماء فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قتل عامر بن فهيرة ورفعه

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين . وروينا

ـ 21 ـ

عن ابن سعد قال انا الفضل بن دكين فثنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال سمعت انس بن

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 21 سطر 1 الى ص 30 سطر 28

عن ابن سعد قال انا الفضل بن دكين فثنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال سمعت انس بن

مالك قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب

بئر معونة . وروينا من طريق مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك

 

عن اسحق بن عبدالله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال دعا رسول الله صلى الله عليه

وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا يدعو على رعل ولحيان وعصية

عصت الله ورسوله . قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه ثم نسخ

بعد " أن بلغوا قومنا ان قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه " كذا وقع في هذه

الرواية وهو يوهم ان بنى لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك ،

وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم . وأما بنو لحيان فهم

الذين أصابوا بعث الرجيع وإنما أتى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم

كلهم في وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدا .

ـ 23 ـ

ـ غزوة بنى النضير ـ

وهى عند ابن اسحق في شهر ربيع الاول على رأس خمسة أشهرمن وقعة أحد ،

وقال البخارى قال الزهرى عن عروة كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل

أحد . قال موسى بن عقبة وكانوا قد دسوا إلى قريش في قتال رسول الله صلى الله

عليه وسلم فحضوهم على القتال ودلوهم على العورة . قال ابن اسحق وغيره ثم خرج

رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بنى النضير ليستعينهم في دية ذينك القتيلين اللذين

قتل عمرو بن أمية الضمرى للجوار الذى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد

لهما وكان بين بنى النضير وبنى عامر عقد وحلف فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه

وسلم يستعينهم في ديتهما قالوا نعم يا أبا القاسم نعيك على ما أحببت مما استعنت

بنا عليه ( 1 ) ، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا انكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه

ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو

على هذا البيت فيلقى عليه صخرة فير يحنامنه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن

كعب أحدهم فقال انا لذلك فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله

عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبوبكر وعمر وعلى رضى الله عنهم .

وقال ابن سعد فقال سلام بن مشكم يعنى لليهود لا تفعلوا والله ليخبرن بما

هممتم به وانه لنقض العهد الذى بيننا وبينه .

رجع إلى خبز ابن اسحق قال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من

السماء بما أراد القوم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلما

* ( هامش ) * ( 1 ) في الظاهرية زيادة " اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك فجلس إلى ظل

جدار من جدر دورهم . ( * )

ـ 24 ـ

؟ ؟ ؟ النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا من المدينة

مقبلا فسألوه فقال رأيته داخلا إلى المدينة فأقبل أصحاب النبى صلى الله عليه

وسلم حتى انتهوا اليه فأخبر الخبر هم بما كانت أرادت يهود من الغدر به .

قال ابن عقبة ونزل في ذلك ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ

هم قوم ان يبسطوا اليكم ) الآية .

رجع إلى خبر ابن اسحق فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم

والسير اليهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام ، وقال ثم

سار بالناس حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر .

قال ابن اسحق فتحصنوا منه في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه

على من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها ، وقد كان رهط من بنى عوف بن

الخزرج منهم عبدالله بن أبى بن سلول ووديعة بن مالك بن أبى قوقل وسويد

وداعس بعثوا إلى بنى النضير أن اثبتوا وتمنعوا فانا لمن نسلمكم ان قوتلتم قاتلنا

معكم وان أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله

في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف

عن دمائهم على ان لهم ما حملت الابل من اموالهم إلا الحلقة ( 1 ) ففعل فاحتملوا من

اموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل يهدم بيته عن نجاف بابه ( 2 ) فيضمه على

بعيره فينطلق بن فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الاموال

لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت له خاصة يضعها حيث يشاء ، ولم يسلم

من بنى النضير إلا رجلان يامين بن عمرو ( 3 ) بن كعب بن عمر عمرو بن جحاش وأبو

* ( هامش ) * ( 1 ) الحلقة بسكون اللام هى السلاح عاما وقيل الدروع .

( 2 ) أسكفة الباب .

( 3 ) لعل صوابه " بن عمير " كما ذكره المؤلف في غزوة تبوك وكما هو عند

ابن عبدالبر وابن هشام والذهبى . ( * )

ـ 25 ـ

سعيد ( 1 ) بن وهب اسلما فاحرزا أموالهم بذلك ، ويقال ان رسول الله صلى الله

عليه وسلم قال ليامين ألم تر إلى ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنى فجعل يامين

جعلا لمن يقتله فقتل ونزل في أمر بنى النضير سورة الحشر ، قال ابن عقبة ولحق

بنو أبى الحقيق بخيبر ومعهم آنية كثيرة من فضة قد رآها النبى صلى الله عليه وسلم

وأصحابه حين خرجوا بها وعمد حيى بن أخطب حتى قدم مكة على قريش فاستغواهم

على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنصر هم وبين الله عزوجل لرسول الله

صلى الله عليه وسلم حديث أهل النفاق وما بينهم وبين اليهود . وفيما ذكر ابن سعد

من الخبر عن بنى النضير أنهم حين هموا بغدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمه

الله بذلك ونهض سريعا إلى المدينة بعث اليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من

بلدى فلا تساكنونى بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشرا

فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون وأرسلوا إلى

ظهر ( 2 ) لهم بذى الجدر وتكاروا من ناس من أسجع ابلا فأرسل اليهم ابن أبى

لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فان معى ألفين من قومى ومن العرب

يدخلون حصنكم فيموتون من آخرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع

حيى فيما قال ابن أبى فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انا لا ؟ ؟ ؟ من ديارنا

فاصنع ما بدالك فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير وكبر المسلمون

لتكبيره وقال حاربت يهود فسار اليهم النبى صلى الله عليه وسلم في أصحابه فصلى

العصر بفناء بنى النضير وعلى يحمل رايته واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم

فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة

واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم وخذلهم ابن أبى وحلفاؤهم من غطفان فيئسوا من

نصرهم فحاصر هم رسول الله صلى الله عليه وسلم و ؟ ؟ ؟ نخلهم وقالوا نحمن نخرج

عن بلادك فقال لا أقبله اليوم ولكن أخرجوا منهم ولكم دماؤ وما حملت

الابل إلا الحلقة فنزلت يهود على ذلك وكان حاصر هم خمسة عشر يوما فكانوا

* ( هامش ) * ( 1 ) لعله " سعد " كما في تجريد الذهبى وتلقيح ابن الجوزى و الاستيعاب

وسيرة ابن هشام .

( 2 ) أى إبل . ( * )

ـ 26 ـ

يخربون بيوتهم بأيديهم ثم أجلاهم عن المدينة وولى اخراجهم محمد بن مسلمة

وحملوا النساء والصبيان وتحملوا على ستمائة يعير فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم هؤلاء في قومهم بمنزلة بنى المغيرة في قريش فلحقوا بخيبر وحزن المنافقون

عليهم حزنا شديدا وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الاموال والحلقة فوجد

من الحلقة خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا ، وكانت أموال بنى

النضير صفيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبسا لنوائبه ولم يخمسها ولم يسهم

منها لاحد وقد أعطى ناسا من أصحابه ووسع في الناس منها ، وذكر أبوعبد

الله الحاكم في كتاب الاكليل له باسناده إلى الواقدى عن معمر بن راشد عن

الزهرى عن خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت طار لنا عثمان بن مظعون في القرعة

فكان في منزلى حتى توفى قالت فكان المسلمون و المهاجرون في دورهم وأموالهم

فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير دعا ثابت بن قيس بن شماس

فقال ادع لى قومك فقال ثابت الخزرج يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم الانصار كلها فدعا له الاوس والخزرج فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ذكر الانصار وما صنعوا ب المهاجرين وانزالهم

اياهم في منازلهم وأموالهم وأثرتهم على أنفسهم ثم قال ان أحببتم قسمت بينكم

وبين المهاجرين ما أفاء الله على من بنى النضير ، وكان المهاجرون على ما هم عليه

من ؟ ؟ ؟ في منازلكم وأموالكم وان أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم

فتكلم سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقالا يا رسول الله بل ؟ ؟ ؟ بين المهاجرين

ويكونون في دورنا كما كانوا ونادت الانصار رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار فقسم رسول

الله صلى الله عليه وسلم ما أفاء الله عليه وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدا من الانصار

شيئا الا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف وأبادجانة وأعطى سعد بن معاذ

سيف ابن أبى الحقيق وكان سيفا له ذكر عندهم . وذكر أبوبكر احمد بن يحيى

ابن جابر البلاذرى في كتاب فتوح البلدان له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال للانصار ليست لاخوانكم من المهاجرين أموال فان شئتم قسمت هذه وأموالكم

ـ 27 ـ

بينكم وبينهم جميعا وان شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة فقالوا

بل اقسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت ( ويؤثرون على أنفسهم

ولو كان بهم خصاصة ) قال أبوبكر رضى الله عنه جزاكم الله يامعشر الانصار خيرا

هو الله امثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوى :

جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت * بنا نعلنا في الواطئين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا * تلاقى الذى يلقون منا لملت

قال وكانت أموال بنى النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان

يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة وما فضل

جعله في الكراع والسلاح . وروينا من طريق البخارى قال حدثنى اسحق قال

أنا حبان فثنا جوبرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم

حرق نخل بنى النضير ، قال ولها يقول حسان بن ثابت :

وهان على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير

فأجابه أبوسفيان بن الحرث :

أدام الله ذلك من صنيع * وحرق في نواحيها السعير

ستعلم أينا منها بتره * ونعلم أى أرضينا تضير ( 1 )

هذه رواية البخارى ، وقال أبوعمرو الشيبانى وغيره ان أبا سفيان بن الحارث قال :

لعز على سراة بنى لؤى * حريق بالبويرة مستطير

ويروى بالبويلة .

* ( هامش ) * ( 1 ) روى بالضاد المعجمة بمعنى تضر ، وروى بالصاد المهملة بمعنى تشق ونقطع ( * )

ـ 28 ـ

؟ ؟ ذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الزبير بن العوام وأبا

سلمة البويلة من أرضهم فأجابه حسان

أدام الله ذالكم حريقا * وضرم في طوائفها السعير

هم أوتوا الكتاب فضيعوه * فهم عمى عن التوراة بور

هذه أشبه بالصواب من الرواية الاولى .

ـ 29 ـ

ـ غزوة ذات الرقاع ـ

قال ابن اسحق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بنى النضير

شهر ربيع ، وقال الوقشى الصواب شهرى ربيع وبعض جمادى . ثم غزا نجدا يريد

بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أباذر الغفارى ويقال

عثمان بن عفان فيما قال ابن هشام وقال حتى نزل نخلا وهى غزوة ذات الرقاع

وسميت بذلك لانهم رقعوا فيها راياتهم ، ويقال ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع

وقيل لان أقدامهم نقبت فكانوا يلفون عليها الخرق ، وقيل بل الجبل الذى نزلوا

عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع . قال ابن اسحق فلقى بها جمعا من غطفان

فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول

الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم انصرف بالناس . قال ابن سعد وكان

ذلك أول ما صلاها وبين الرواة خلف في صلاة الخوف ليس هذا موضعه .

رجع إلى الاول قال ابن اسحق حدثنى عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر

ابن عبدالله أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب

ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف نقتله قال أفتك به قال فأقبل إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال يا محمد أنظر إلى سيفك هذا

قال نعم فأخذه فاستله ثم جعل يهزه ويهم فيكبته الله ثم قال يا محمد أما تخافنى قال لا

وما أخاف منك قال وفى يدى السيف قال لابل يمنعنى الله منك قال ثم عمد إلى

سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرده عليه فأنزل الله تبارك وتعالى ( يأيها

الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ) الآية . وقد رواه من حديث

جابر أيضا أبوعوانة وفيه فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه

وسلم فقال من يمنعك قال كن خير آخذ قال تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول

ـ 30 ـ

الله قال الاعرابى أعاهدك انى لا اقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك قال فخلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس .

قلت وقد تقدم في غزوة ذى أمر خبر لرجل يقال له دعنور بن الحارث من

بنى محارب يشبه هذا الخبر قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصيف

فقال من يمنعك منى اليوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله ودفع جبريل

في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال من

يمنعك منى قال لا أحد أشهد ان لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ثم اتى قومه

فجعل يدعوهم إلى الاسلام ونزلت ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ

هم قوم ) الآية والظاهر أن الخبرين واحد ، وقد قيل ان هذه الآية نزلت في امر

بنى النضير كما سبق فالله اعلم ، وفى انصرافه عليه السلام من هذه الغزوة أبطأ

جمل جابر بن عبدالله بن فنخسه النبى صلى الله عليه وسلم فانطلق متقدما بين

يدى الركاب ثم قال اتبيعنيه فابتاعه منه وقال له لك ظهره إلى المدينة فلما وصل

إلى المدينة أعطاه الثمن ووهب له الجمل ( 1 ) . وقال ابن سعد قالوا قدم قادم المدينة

بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن انمار وثعلبة قد جمعوا

لهم الجموع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ليلة السبت لعشر

خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه ويقال سبعمائة فمضى حتى أتى محالهم بذات

الرقاع فلم يجد في محالهم إلا نسوة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعال بن

سراقة بشيرا لسلامته المسلمين قال وغاب خمس عشرة ليلة . وروينا في

صحيح البخارى من حديث أبى موسى أنهم نقبت أقدامهم فلفوا عليها الخرق

فسميت غزوة ذات الرقاع وجعل حديث أبى موسى هذا حجة في أن غزوة ذات

الرقاع متأخرة عن خيبر وذلك ان أبا موسى إنما قدم مع أصحاب السفينتين بعد

هذا بثلاث سنين ، والمشهور في تاريخ غزوة ذات الرقاع ما قدمناه وليس في خبر

أبى موسى ما يدل على شئ من ذلك . وغورث مقيد بالغين معجمة ومهملة وهو

عند بعضهم مصغر بالعين المهملة .

* ( هامش ) * ( 1 ) في البخارى ان اشتراء جمل جابر كان بطريق تبوك ، قال الحافظ ابن

حجر في شرحه جزم ابن اسحق عن وهب بن كيسان أنه في ذات الرقاع وأهل

المغازى لمثل هذا . ( * )

ـ 31 ـ

ـ غزوة بدر الاخيرة ـ

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 31 سطر 1 الى ص 40 سطر 24

ـ غزوة بدر الاخيرة ـ

قال ابن اسحق ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة ذات

الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى إلى آخر رجب ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد

أبى سفيان حتى نزله . قال ابن هشام واستعمل على المدينة عبدالله بن عبدالله

ابن أبى سلول الانصارى . قال ابن اسحق فأقام عليه ثمان ليال ينتظر أبا سفيان

وخرج أبوسفيان في اهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران وبعض الناس

يقول قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال يا معشر قريش انه لا يصلحكم إلا

عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن وان عامكم هذا عام جدب وانى

راجع فارجعوا فرجع الناس وسماهم اهل مكة جيش السويق يقولون إنما خرجتم

تشربون السويق واقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بدر ينتظر أبا سفيان

لميعاده فأتاه مخشى بن عمرو الضمرى وهو الذى كان وادعه على بنى ضمرة في غزوة

ودان فقال يا محمد اجبث لميعاد قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بنى ضمرة وان شئت

مع ذلك رددنا اليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك

قال لا والله يا محمد ما لنا بذلك منك حاجة ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة . وروى الحاكم في الاكليل عن الواقدى قال وكان رسول الله صلى

الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في الف وخمسمائة من اصحابه وكانت

الخيل عشرة افراس فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرس لابى بكر وفرس

لعمر وفرس لابى قتادة وفرس لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وفرس للمقداد

وفرس للخباب وفرس للزبير وفرس لعباد بن بشر ، وذكر عنه أن النبى صلى الله

عليه وسلم استخلف على المدينة عبدالله بن رواحة .

ـ 32 ـ

ـ غزوة دومة الجندل ـ

ودومة بضم الدالى وفتحها سميت بدومة ابن اسمعيل لانه نزلها

ثم غزار رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل ، قال ابن هشام في شهر ربيع الاول واستعمل

على المدينة سباغ بن عرفطة الغفارى ثم رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل

أن ؟ ؟ ؟ اليها ولم يلق كيدا فأقام بالمدينة بقية سنته ، وقال ابن سعد قالوا بلغ رسول

الله صلى الله عليه وسلم أن بدومة الجندل جمعا كثيرا يظلمون من مربهم وأنهم

يريدون ان يدنوا من المدينة وهى طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس

ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة أوست عشرة ليلة فندب رسول الله صلى

الله عليه وسلم الناس وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الاول في ألف من

المسلمين فكان يسير الليل ويكن النهار ومعه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور

فلما دنا منهم إذا هم مغربون واذا آثار النعم والشاء فهجم على ماشيتهم ورعاتهم

فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ونزل

رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يلق بها أحدا فأقام بها أياما وبث السرايا

وفرقها فرجعت ولم تصب منهم أحدا وأخذ منهم رجل فسأله رسول الله صلى الله

عليه وسلم عنهم فقال هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم فعرض عليه الاسلام

فأسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لعشر ليال بقين من شهر

ربيع الآخر . وفى هذه الغزوة وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن

ان يرعى بتغلمين وما والاها إلى المراض وكانت بلاده قد أجدبت . ( 1 )

* ( هامش ) * ( 1 ) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 33 ـ

ـ غزوة الخندق ـ

وقال ابن اسحق ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس ( 1 ) ، وقال ابن سعد

في ذى القعدة فحدثنى يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن

لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظى والزهرى وعاصم

ابن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى بكر وغيرهم من علمائنا كل قد اجتمع حديثه

في الحديث عن الخندق وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض قالوا إنه كان من حديث

الخندق ان نفرا من يهود منهم سلام بن مشكم وابن أبى الحقيق وحيى بن

أخطب وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق النضريون وهوذة بن قيس وأبوعمار

الوائلى في نفر من بنى النضير ومن بنى وائل وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول

الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش مكة يدعونهم إلى

حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا انا سنكون معكم عليه حتى ؟ ؟ ؟ صله فقالت

لهم قريش يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما اصبحنا تختلف فيه

أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فأنزل الله

فيهم ( ألم تر إلى الذين أوتو انصببا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) الآية

إلى قوله ( وكفى بجهنم سعيرا ) فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم اليه

من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج

أولئك النفر من يهود حتى جاء واغطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول

الله صلى الله عليه وسلم واخبر وهم انهم سيكونون معهم عليه وان قريشا قد تابعوهم

* ( هامش ) * ( 1 ) حديث ابن عمر " عرضت على النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا

ابن أربع عشرة سنة . . . " الذى في الصحيحين احتج به ابن حزم وتاج الدين

الفاكهانى في رياض الافهام على أنها كانت في سنة اربع . ( * )

ـ 34 ـ

على ذلك واجتمعوا معهم فيه فخرجت قريش وقائدها ابوسفيان بن حرب وخرجت

غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بنى فزارة والحرث بن عوف المرى في بنى

مرة ومسعود بن رخيلة فيمن تابعه من اشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله

عليه وسلم ومما اجمعوا له من الامر ضرب على المدينة الخندق فعمل رسول الله

صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب ودأبوا

وابطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من

المنافقين وجعلوا يورون بالضعف من العمل ويتسللون اليهم بغير علم من رسول

الله صلى الله عليه وسلم ولا اذن وجعل الرجل من الملمين اذا نابته النائبة من الحاجة

التى لابد له منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق

بها فاذا قضى حاجته رجع إلى ما كان عليه من عمله رغبة في الخير واحتسابا به .

قرأت على السيدة الاصيلة مؤنسة خاتون ابنة المولى السلطان الملك العادل سيف

الدين ابى بكر بن ايوب رحم الله سلفها اخبرتك الشيخة الاصيلة ام هانئ عفيفة

بنت احمد بن عبدالله ا لفارقانية اجازة قالت انا ابوطاهر عبدالواحد بن احمد

ابن محمد بن الصباغ قال انا ابونعيم قال انا ابوعلى محمد بن احمد بن الحسن فثنا

ابوجعفر محمد بن نصر الصايغ فئنا ابراهيم بن حمزة فثنا عبدالعزيز بن محمد عن

عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال بعثنى خالى عثمان بن مظعون لآتيه

بلحاف فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فاستأذنته وهو بالخندق فأذن لى وقال

لي من لقيت منهم فقل لهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ان ترجعوا

قال فكان ذلك في برد شديد فلقيت الناس فقلت لهم ان رسول الله صلى الله

عليه وسلم يأمركم ان ترجعوا قال والله ما عطف على منهم اثنان او واحد . كذا

وقع في هذا الخبر عثمان بن مظعون وعثمان بن مظعون توفى قبل هذا واخوة

عثمان قذامة والسائب وعبدالله تأخروا . وقدامة مذكور فيمن شهد الخندق

وهم أخوال عبدالله بن عمر رضى الله عنهم ، قال ابن اسحق فأنزل الله عزوجل

في ذلك ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا كانوا معه على أمر جامع

لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) إلى قوله ( إن الله غفور رحيم ) ثم قال يعنى للمنافقين

الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون من غير إذن ( لا تجعلوا دعاء الرسول

ـ 35 ـ

بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) الآية إلى قوله ( أو يصيبهم عذاب أليم ألا ان الله

ما في السموات والارض - قد يعلم ما أنتم عليه من صدق أو كذب إلى قوله - والله

بكل شئ عليم ) وقال ابن سعد وتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من

العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة وحمله عثمان بن طلحة

وقادوا معهم ثلثمائة فرس وكان معهم ألف وخمسمائة بعير وخرجوا يقودهم أبو

سفيان بن حرب ورأتهم بنو سليم بمر الظهران وكانوا سبعمائة يقودهم سفيان بن

سيد شمس حليف حرب بن أمية وهو أبوأبى الاعور السلمى الذى كان مع معاوية

بصفين وخرجت معهم بنو أسد يقود هم طليحة بن خويلد الاسدى ، وخرجت

فزارة فأوعبت وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن ، وخرجت اشجع وهم أربعمائة

يقودهم مسعود بن رخيلة وخرجت بنومرة وهم أربعمائة يقودهم الحرث بن

عوف وخرج معهم غيرهم . وقد روى الزهرى ان الحرث بن عوف رجع بنى

مرة فلم يشهد الخندق منهم احد ، وكذلك روت بنو مرة والاول اثبت انهم

شهدوا الخندق مع الحرث بن عوف فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق ممن

ذكر من القبيلة عشرة آلاف وهم الاحزاب وكانوا ثلاثة عساكر وعناج ( 1 ) الامر

إلى ابى سفيان فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس واخبرهم خبر

عدوهم وشاورهم في امرهم فأشار عليه سلمان بالخندق فأعجب ذلك المسلمين

وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع وكان المسلمون يومئذ

ثلاثة آلاف واستخلف على المدينة ابن ام مكتوم ثم خندق على المدينة فعمل

فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لينشط الناس وكمل في ستة ايام . انتهى

ما نقله ابن سعد . وغيره يقول حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه في

الخندق بضع عشرة ليلة وقيل أربعا وعشرين وكان في حفر الخندق آيات من

أعلام النبوة منها أن جابرا كان يحدث أنه اشتهد عليهم في بعض الخندق كدية ( 2 )

فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول وضرب فعاد كثيبا

* ( هامش ) * ( 1 ) اى : ملاكه وما يقوم به .

( 2 ) قطعة صلبة لا يعمل فيها الفأس . ( * )

ـ 36 ـ

أهيل ( 1 ) . وروى في هذا الخبر أنه عليه السلام دعا بماء فتفل عليه ثم دعا بماشاء الله

أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها فو الذى بعثه

بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة . ومنها خبر الحفنة

من التمر الذى جاءت به ابنة بشير بن سعد لابيها وخالها عبدالله بن رواحة

ليتغديا به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتيه فصبته في كفى رسول الله

صلى الله عليه وسلم فما ملاهما ثم أمر بثوب فبسط لم ثم قال لانسان عنده اصرخ

في أهل الخندق ان هلم إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه

وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وانه ليسقط من أطراف الثوب . ومنها

حديث شويهة جابر وكانت غير عبد سمينة قال صنعتها وإنما أريد أن ينصرف معى

رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فلما قلت له أمر صارخا فصرخ ان انصرفوا

مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبدالله قال قلت إنا لله وإنا

اليه راجعون قال فأقبل الناس معه فجلس فأخرجناها اليه فبرك ثم سمى الله عزوجل

ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء آخرون حتى صدر أهل الخندق

عنها . رواه البخارى وفيه : وهم الف فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا

وان برمتنا لتغط كما هى وان عجيننا ليخبز كما هو ، ومنها حديث سلمان الفارسى

أنه قال ضربت في ناحية من الخندق فغلظت على ورسول الله صلى الله عليه وسلم

قريب منى فلما رأنى أضرب ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى

فضربه ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به أخرى فلمعت تحته برقة أخرى

ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال قلت بأبى وأمى أنت يا رسول الله ما هذا

الذى رأيت يلمع تحت المعول وأنت تضرب قال أو قد رأيت ذلك يا سلمان قال قلت

نعم قال أما الاولى فان الله فتح على بها اليمن وأما الثانية فان الله فتح على بها

الشام والمغرب وأما الثالثة فان الله فتح على بها المشرق .

قال أبن اسحق وحدثنى من لا أتهم عن أبى هريرة أنه كان يقول حين فتحت

هذه الامصار في زمن عمر وزمن عثمان افتتحوا ما بدا لكم فو الذى نفس أبى

هريرة بيده ما فنحتم من مدينة ولا نفتخر لها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله

* ( هامش ) * ( 1 ) اى : رملا سائلا ( * )

ـ 37 ـ

محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك . ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم

من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال وغطفان ومن تبعهم بذنب

نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا

ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه

وبين القوم وأمر بالنساء والذرارى أن يجعلوا في لآطام ( 1 ) . وقال ابن سعد كان

لواه المهاجرين بيد زيد بن حارثة ولواء الانصار بيد سعد بن عبادة وكان رسول

الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم في مائتى رجل وزيد بن حارثة في

ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذرارى

من بنى قريظة ، وكان عماد بن بشر على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم

مع غيره من الابصار بحرسونه كل ليلة . كذا قال ابن سعد في هذا الموضع ،

وقال في باب حراس النبى صلى الله عليه وسلم حرسه يوم بدرحين نام في العريش

سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام .

رجع إلى ابن سعد : وكان المشركون يتناوبون بينهم فيفدو أبوسفيان بن حرب

في أصحابه يوما ويغدو خالد بن الوليد يوما ويغدو عمرو بن العاص يوما ويغدو

هبيرة بن أبى وهب يوما ويغدو عكرمة ابن أبى جهل يوما ويغدو ضرار بن الخطاب

الفهرى يوما فلايزالون يجبيلون خيلهم ويتفرقون مرة ويجتمعون أخرى ويناوشون

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمون رماتهم فيرمون .

رجع إلى ابن اسحق : وخرج عدو الله حيى بن اخطب النضرى حتى أتى كعب

ابن أسد القرظى صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم وكان قد وادع رسول الله صلى

الله عليه وسلم على قومه وعاقده على ذلك فلما سمع كعب بحيى أغلق دونه باب حصنه

فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيى ويحك يا كعب افتح لى قال ويحك يا حيى

إنك امرؤ مشؤم وانى قد عاهدت محمدا فلست ناقض ما بينى وبينه ولم أر منه إلا

وفاء وصدقا قال ويحك افتح لى أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله ان اغلقت دونى إلا

تخوفا على جشيشتك ( 2 ) ان أكل معك منها فأحفظ الرجل ( 3 ) ففتح له فقال ويحك

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : الابنية المرتفعة

( 2 ) الجشيشة هى أن تطحن الحنطة ثم تجعل في القدرر ويلقى عليها لحم أو تمر

وتطبخ . ويقال لها لدشيشة بالدال . ( 3 ) أى أغضبه .

ـ 38 ـ

يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش حتى انزلهم بمجتمع الاسيال

من رومة وغطفان حتى أزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد قد عاهدونى وعاقدونى

على ان لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه قال له كعب جئتنى والله بذل الدهر

وبجهام ( 1 ) قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شئ ويحك يا حيى دعنى وما أنا عليه

فانى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء فلم يزل حبى بكعب يفتله في الذروة والغارب

حتى سمح له على ان اعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم

يصيبوا محمدا ان ادخل معك في حصنك حتى يصيبنى ما أصابك فنقض كعب بن

أسد عهده ويرئ مما كان بينه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام فلما انتهى

إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله عليه الصلاة

والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير فقال انطلقوا

حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم فان كان حقا فالحنوا إلى لحنا حتى أعرفه

ولا تفتوا في أعضاد الناس وان كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا بذلك للناس

فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم نالوا من رسول الله عليه الصلاة

والسلام وقالوا من رسول الله لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فشاتمهم سعد بن

معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما

بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ، وذكر ابن عائذ أن الذى شاتمهم سعد بن عبادة

والذى قال له ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة سعد بن معاذ ثم أقبل سعد وسعد

ومن معهما على رسول الله عليه الصلاة والسلام فسلموا عليه ثم قالوا بمضل والقارة

أى كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام الله

أكبر أبشروا يامعشر المسلمين وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم

من فوقهم ومن أسفل منهم حتى فلن المؤمنون كل ظن ولحم النفاق من بعض

المنافقين حتى قال معتب بن قشير كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر

وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ، وقيل لم يكن معتب من

المنافقين وقد شهد بدرا . قاله ابن هشام . وقال ابن عائذ وقال رجال ممن معه يا أهل

يثرب لا مقام لكم فارجعوا . قال ابن اسحق وقال أوس بن قيظى يا رسول الله

* ( هامش ) * ( 1 ) السحاب الذى لا ماء فيه . ( * )

ـ 39 ـ

ان بيوتنا عورة من العدو وذلك عن ملا من رجال قومه فاذن لنا أن نخرج

فنرجع إلى ديارنا فانها خارج من المدينة .

فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة

قريب من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرمى بالنبل والحصار : وقال ابن عائذ وأقبل

نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزومى على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق

فقتله الله وكبر ذلك على المشركين وأرسلوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام

انا نعطيكم الدية على أن تدفعوه الينا فندفنه فرد اليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام

أنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولمن ديته ولا ممنعكم ان تدفنوه ولا ارب لنا في

ديته ، وقيل اعطوا في جثته عشرة آلاف . قال ابن اسحق وبعث رسول الله عليه

الصلاة والسلام كما حدثنى عاصم بن عمر عن الزهرى إلى عيينة بن حصن من حذيفة

ابن بدر الفزارى والى الحارث بن عوف المرى وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث

ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما للصلح حتى

كتبوا الكتب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك فلما أراد

رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة

يذكر ذلك لهما واستشار هما فيه فقالا يا رسول الله أنمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك

الله به لابد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا قال بل شئ أصنعه لكم والله ما أصنع

ذلك إلى انى رأيت العرب قدر منكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب

فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله

قدكنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الاوثان لا نعبد الله ولا نعرفه

وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة الا قرى أو بيعا فحين أكرمنا الله بالاسلام

وهدانا له وأعزنابك وبه نعطيهم أموالنا مالنا بهذا من حاجة والله لانعطيهم إلا

السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام فأنت وذاك

فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا فأقام رسول

الله عليه الصلاة والسلام والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلا أن

فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود وعكرمة بن أبى جهل وهبيرة بن أبى

وهب وضرار بن الخطاب تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل

ـ 40 ـ

بنى كنانه فقالوا نهيؤا يا بنى كنانه للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا

تعنق ( 1 ) بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلمار أوه قالوا والله ان هذه لكيدة

ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت

 

منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج على بن أبى طالب في نفرمعه

من المسلمين حتى أخذوا عليهم النغرة التى أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان

تعنق نحوهم . وكان عمرو بن عبدودقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد

يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال

من يبارز فبرز له على بن أبى طالب رحمه الله ، وذكر ابن سعد في هذا الخبر أن

عمرا كان ابن تسعين سنة فقال على أنا أبارزه فأعطاه رسول الله عليه الصلاة والسلام

سيفه وعممه وقال اللهم أعنه عليه .

رجع إلى الاول فقال له يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من

قريش إلى احدى خلتين إلا أخذتها منه قال له أجل قال له على فانى أدعوك إلى

الله والى رسوله عليه الصلاة والسلام والى الاسلام قال لاحاجة لى بذلك قال له

على فانى أدعوك إلى النزال قال له لم يا ابن أخى فوالله ما أحب أن أقتلك قال على

لكنى والله أحب أن أقتلك قال فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره

وضرب وجهه ثم أقبل على على فتناولا وتجاولا فقتله على وخرجت خيلهم منهزمة

حتى اقتحمت من الخندق هاربة ، وقال على في ذلك :

نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت دين محمد بضراب

فصددت حين تركته متجد لا * كالجذع بين دكادك ورواب

وعففت عن أثوابه ولو اننى * كنت المقطر بزنى أثوابى

لآتحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب

وعن ابن اسحق من غير رواية الكائى أن عمرا لما نادى بطلب من يبارزه

* ( هامش ) * ( 1 ) العنق هو نوع من سير الابل والدواب . ( * )

ـ 41 ـ

قام على رضى الله عنه وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبى الله فقال له اجلس

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 41 سطر 1 الى ص 50 سطر 27

قام على رضى الله عنه وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبى الله فقال له اجلس

انه عمرو ثم كرر عمرو النداء وجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التى تزعمون انه

من قتل منكم دحلها أفلا تبرزون لى رجلا فقام على فقال أنا يا رسول الله فقال

اجلس انه عمرو ثم نادى الثالثة وقال :

ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن المشجع وقفة الرجل المناجز

وكذاك أنى لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز

فقام على رضى الله عنه فقال أنا له يا رسول الله فقال انه عمرو فقال وان كان

 

عمرا فأذن له رسول الله عليه الصلاة والسلام فمشى اليه على وهو يقول :

لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة * والصدق منجى كل فائز

انى لارجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز

فقال عمرو من أنت قال أنا على قال ابن عبد مناف قال أنا على بن أبى طالب

فقال غيرك يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فانى أكره ان اهريق دمك

فقال على لكنى والله ما أكره ان اهريق دمك فغضب ونزل وسل سيفه كأنه

شعلة نار ثم أقبل نحو على مغضبا ويقال انه كان على فرسه فقال له على كيف أقاتلك

وأنت على فرسك ولكن انزل معى فنزل عن فرسه ثم أقبل نحوه فاستقبله على

بدرقته فضربه عمرو فيها فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه فضربه على

على حبل العاتق فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله عليه الصلا والسلام التكير

فعرف أن عليا قد قتله . قال ابن هشام وكان شعار أصحاب رسول الله عليه الصلاة

والسلام يوم الخندق ويوم بنى قريظة ( حم لا ينصرون ) .

ـ 42 ـ

قال ابن اسحق وحدثنى أبوليلى عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالرحمن الانصارى

أخو بنى حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق وكان

من أحصن حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت

وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمر سعد وعليه درع له مقلصة قد خرجت

منها ذراعه كلها وفى يده حربته يرقد ( 1 ) بها ويقول :

لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ( 2 ) * لا بأس بالموت اذا حان الاجل

فقالت له أمه الحق أى بنى فقد والله أخرت قالت عائشة رضى الله عنها فقلت

لها يا أيام سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هى قالت وخفت عليه حيث

أصاب السهم منه فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل رماه كما حدثنى

عاصم حبان بن العرقة أحد بنى عامر بن لؤى فلما أصابه قال خذها منى وأنا ابن

العرقة فقال له سعد عرق الله وجهك في النار . ويقال بل الذى رماه خفاجة بن

عاصم بن جبارة وقيل بل الذى رماه أبوأسامة الجشمى حليف بنى مخزوم .

رجع إلى ابن اسحق ثم قال سعد اللهم ان كنت ابقيت من حرب قريش شيئا

فابقنى لها فانه لا قوم أحب إلى ان أجاهد من قوم آذوا رسولك واخرجوه وكذبوه

اللهم ان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لى شهادة ولا تمتنى حتى

تقر عينى من بنى قريطة . وذكر ابن عائذ أن المشركين جهزوا نحو رسول الله عليه

الصلاة والسلام كتيبة عظيمة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل فلما حضرت العصر

دنت الكتائب فلم يقدر النبى عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه الذين

كانوا معه أن يصلوا الصلاة على ما أرادوا فانكفأت مع الليل فزعموا أن رسول

الله عليه الصلاة والسلام قال شغلونا عن صلاة العصر ملا الله بطونهم وقبورهم

نارا . وقرأت على أبى النور إسمعيل بن نور بن قمر الهبتى أخبركم الشيخ أبونصر

موسى بن عبدالقادر الجبلى قراءة عليه وانت تسمع فأقر به قال انا ابوبكر بن

* ( هامش ) * ( 1 ) الارقداد هو الاسراع .

( 2 ) بفتح الحاء والميم وهو حمل بن سعدانة بن حارثة الكلبى . ( * )

ـ 43 ـ

الزاغونى قال أنا ابن البسرى قال انا المخلص فثنا يحيى بن محمد فثنا محمد بن يزيد

أبوهشام الرفاعى فثنا أبومالك الجنبى عمرو بن هاشم فثنا يحيى بن سعيد عن سعيد

ابن المسيب عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ما صلى رسول الله عليه الصلاة

والسلام يوم الخندق الظهر والعصر حتى غابت الشمس . رواية سعيد بن المسيب عن

عمر بن الخطاب ذهب بعض الناس إلى انها مرسلة لانه ولد لسنتين بقيتا من خلافة

عمر ، وقيل ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر وهو الصحيح ان شاء الله فتكون

متصلة وله عنه أحاديث يسيرة هى عندهم متصلة ويقول في بعضها سمعت عمر رضى

الله عنه على المنبر . وذكر ابن سعد في هذا الخبر أنهم شغلوا عن صلاة الظهر

والعصر والمغرب والعشاء . قال ابن سعد وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في

مائتين من المسلمين وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة المسلمين

فناوشوهم ساعة ، ومع المشركين وحشى فزرق ( 1 ) الطفيل بن النعمان من بنى سلمة

بمزراقه فقتله وانكشفوا وسار رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى قبته فأمر

بلا لا فأذن وأقام الظهر فصلى ثم أقام بعد لكل صلاة اقامة اقامة وصلى هو وأصحابه

مافاتهم من الصلوات وقال شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملا الله أجوافهم

وقبورهم نارا ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا إلا انهم لا يدعون

الطلائع بالليل يطمعون في الغارة .

قال ابن اسحق فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه فيما وصف

الله عزوجل من الخوف والشدة بمظاهرة عدوهم واتيانهم اليهم من فوقهم ومن

أسفل منهم ثم ان نعيم بن مسعود الاشجعى اتى رسول الله عليه الصلاة والسلام

فقال يا رسول الله انى اسلمت وان قومى لم يعلموا باسلامى فمرنى بما شئت فقال

رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما انت فينا رجل واحد فخذ عنا ما استطعت

فان الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى اتى بنى قريظة وكان لهم نديما في

الجاهلية فقال يا بنى قريظة قد عرفتم ودى إياكم رخاصة ما بينى وبينكم قالوا صدقت

لست عندنا بمتهم فقال لهم ان قريشا وغطفان ليسوا كما أنتم البلد بلدكم وبه اموالكم

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : رماه بمزارقه وهو الرمح القصير . ( * )

ـ 44 ـ

ونساؤكم وابناؤكم لا تقدرون على ان تتحولوا منه الى غيره وان قريشا وغطفان

قد جاء والحرب محمد واصحابه وقد ظاهر تموهم عليه وبلدهم واموالهم ونساؤهم

بغيره فليسوا كأنتم فان رأوا نهزة اصابوها وان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم

؟ ؟ ؟ بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم

حتى تأخذوا منهم رهنا من اشرافهم يكون بأيديكم ثقة لكم على ان يقاتلوا

معكم محمدا حتى تناجزوه قالوا لقد أشرت بالرأى ثم خرج حتى اتى قريشا فقال

لابى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودى لبكم وفراقى

محمدا ، وأنه قد بلغنى أمر قد رأيت أن ابلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى

قالوا نفعل قال تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين

محمد وقد أرسلوا اليه انا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من

القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم

ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم فارسل اليهم نعم فان بعثت

اليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا اليهم رجلا واحدا ثم خرج حتى

أتى غطفان فقال يا معشر غطفان انكم اصلى وعشيرتى واحب الناس إلى ولا اراكم

تتهمونى قالوا صدقت ما انت عندنا بمتهم قال فاكتموا على قالوا نعم ثم قال لهم

مثل ما قال لقريش وحذرهم فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من

صنيع الله لرسوله عليه الصلاة والسلام ارسل ابوسفيان بن حرب ورموس غطفان

إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفرمن قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا

بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا

وبينه فأرسلوا اليه أن اليوم يوم السبت وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت

ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا . فلما رجع الرسول بذلك قالوا صدقنا

والله نعيم بن مسعود فردوا اليهم الرسل وقالوا والله لا نعطيكم رهنا أبدا فاخرجوا

معنا إن شئتم وإلا فلا عهد بيننا وبينكم فقال بنو قريظة صدق والله نعيم بن مسعود

وخذل الله بينهم واختلفت كلمتهم وبعث الله عليهم ريحا عاصفا في ليال شديدة

البرد فجعلت الريح تقليب أبنيتهم وتكفأ قدور هم فلما اتصل برسول الله صلى الله

عليه وسلم اختلاف أمرهم بعث حذيفة من اليمان ليأتيه بخبرهم فأتاهم واستتر في

ـ 45 ـ

غمار هم وسمع أبا سفيان يقول يا معشر قريش ليتعرف كل امرئ منكم جليسه قال

حذيفة فأخذت بيد جليسى وقلت من أنت فقال أنا فلان ، ثم قال أبوسفيان

يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام ولقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا

بنو قريظة ولقينا من هذه الريح ما ترون ما يستمسك لنا بناء ولا تثبت لنا قدر

ولا تقوم لنا نار فارتحلوا فانى مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو

قائم ، قال حذيفة ولو لا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إذ بعثنى ان لا أخذت

شيئا لقتلته بسهم ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رحيلهم فوجدته

قائما يصلى فأخبرته فحمد الله وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين

إلى بلادهم . وروينا من طريق البخارى فثنا محمد بن كثير قال أنا سفيان عن محمد

ابن المنكدر قال سمعت جابرا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم

الاحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال

الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال إن لكل نبى حوارى

وان حواريى الزبير . كذا وقع في هذا الخبر ، والمشهور أن الذى توجه ليأتى بخبر

القوم حذيفة بن اليمان كما روينا عنه من طريق ابن اسحق وغيره قال يعنى النبى

صلى الله عليه وسلم من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع يشترط له

رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقى في الجنة فما قام رجل

من القوم من شدة الخوف وشدة الجذع وشدة البرد فلما لم يقم أحد دعانى

فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم . وذكر

الحديث . وذكر ابن عقبة ومحمد بن عائذ خروج حذيفة إلى المشركين ومشقة

ذلك عليه إلى أن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قم فحفظك الله من أمامك

ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع الينا فقام حذيفة مستبشرا

بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالا فما شق عليه شئ مما كان

فيه ، وعند ابن عائذ فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال من أنت قال أنا

معاوية بن أبى سفيان وقبض على يد آحر عن يساره فقال من أنت فقال أنا فلان

وفعل ذلك خشية أن يفطن له فبدرهم بالمسألة . وقد روينا في خبر نعيم بن مسعود

غير ما ذكرناه . وقال صلى الله عليه وسلم حين أجلى الاحزاب الآن نغزوهم ولا

ـ 46 ـ

يغزرننا نحن نسير اليهم . ذكره البخارى بسنده ، وقال ابن سعد وأقام عمرو بن

العاص وخالد بن الوليد في مائتى فارس ساقة ( 1 ) لعسكر المشركين وردءا لهم مخافة

الطلب وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاربعاء لسبع ليال بقين

من ذى القعدة . وكان مما قيل من الشعر يوم الخندق قول عبدالله بن الزبعرى السهمى :

حى الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب

قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب

فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام بباب

واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الانصاب

أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذى غياطل جحفل جبجاب ( 2 )

فدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشز ظاهر وشعاب

فيه الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب

من كل سلهبة ( 3 ) وأجرد سلهب * كالسيد ( 4 ) بادر غفلة الرقاب

جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه وصخر قائد الاحزاب

قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيب الفقير ومعقل الهراب

حتى اذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب

شهرا وعشرا قاصدين محمدا * وصحابه في الحرب غير صحاب

لولا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب

فأجابه حسان بن ثابت رضى الله عنه :

هل رسم دارسة المقام بباب * متكلم لمحاور بجواب

فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب

واشك الهموم إلى الاله وما ترى * من معشر ظلموا الرسول غضاب

* ( هامش ) * ( 1 ) الساقة هم الذين يسوقون الجيش

( 2 ) سيأتى تفسير الغريب من كلام المؤلف .

( 3 ) السلهب من الخيل : الطويل .

( 4 ) اى الذئب . ( * )

ـ 47 ـ

ساروا بجمعهم اليه وألبوا * أهل القرى وبوادى الاعراب

جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلية الاحزاب

حتى اذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب

وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردو بغيظهم على الاعقاب

بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الارباب

وكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الاجر خير ثواب

من بعد ماقنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب

وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب

وقال هبيرة بن أبى وهب يعتذر من فراره ويبكى عمرو بن عبدود يذكر

عليا ، وقد سبق بعض هذه الابيات :

لعمرى ما وليت ظهرى محمدا * وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل

ولكننى قلبت أمرا فلم أجد * لسيفى غناء ان ضربت ولا نبل

وقفت فلما لم أجد لى مقدما * شددت كضرغام هزبر ابى شبل

ثنى عطفه عن قرنه حين لم تجد * مكرا وقدما كان ذلك من فعلى

فلا تبعدن يا عمرو حياوها لكا * وحق بحسن المدح منلك من مثل

ولا تبعدن يا عمرو وحياوها لكا * فقدمت محمود الننا ما جد الاصل

فمن لطوال الخيل تقدع بالقنا * وللفخر يوما عند قرقرة البزل

هنالك لو كان ابن عبد لزارها * وفرجها حقا فتى غير ماوغل

فعنك على لا أرى مثل موقف * وقفت على نجد المقدم كالفحل

فما ظفرت كفاك فخرا بمثله * أمنت به ما عشت من زلة النعل

الغيطلة الشجر الملتف والغيطلة الجلبة والغيطلة التباس الظلام ، وجبجاب ؟ ؟ ؟

الصوت ، والمتخمط الشديد الغضب .

ـ 48 ـ

ـ ذكر شهداء الخندق ـ

من بنى عبد الاشهل : سعد بن معاذ وأنس بن أوس بن عتيك وعبدالله بن

سهل ، ومن بنى جشم بن الخزرج ثم من بنى سلمة الطفيل بن النعمان وثعلبة بن

عنمة ، ومن بنى النجار كعب بن زيد . وذكر شيخنا الحافظ أبومحمد عبدالمؤمن

الدمياطى في نسب الاوس له في بنى ظفر قيس بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر

شهد أخدا وحضر الخندق ومات هناك ودفن ، وذكر في نسب الخزرج له عبد

الله بن أبى خالد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار

ابن النجار قتل يوم الخندق شهيدا ذكره ابن الكلبى . ( 1 )

* ( هامش ) * ( 1 ) في هامش الاصل : بلغ مقابلة لله الحمد . ( * )

ـ 49 ـ

ـ غزوة بنى قريظة ـ

روينا عن أبى بكر الشافعى فثنا عبيد بن عبدالواحد بن شريك البزار فثنا

سعيد بن أبى مريم قال أنا العمرى عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة

رضى الله عنها قالت لما رجع النبى صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بينا هو عندى

إذ دق الباب فارتاع لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب وثبة منكرة

وخرج فخرجت في أثره فاذا رجل على دابة والنبى صلى الله عليه وسلم متكئ

على معرفة الدابة يكلمه فرجعت فلما دخل قلت من ذلك الرجل الذى كنت تكلمه

قال ورأيتيه قلت نعم قال بمن تشبهينه قلت بدحية بن خليفة الكلبى قال ذاك

جبريل أمرنى أن أمضى إلى بنى قريظة . قال ابن اسحق ولما أصبح رسول الله

صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا

السلاح فلما كانت الظهر أتى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم كما حدثنى الزهرى

معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال أو قد

وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم فقال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح بعد

وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ان الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة

فانى عامد اليهم فمزلزل بهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في

الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببنى قريظة . وروينا عن ابن

عائد قال أخبرنى الوليد عن معاذ بن رفاعة السلامى عن أبى الزبير عن جابر قال

بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه مرجعه من طلب الاحزاب إذ

وقف عليهء جبريل فقال ما اسرع ما حللتم والله ما نزعنا من لامتنا ( 1 ) شيئا منذ نزل

* ( هامش ) * ( 1 ) اللامة الدرع وقيل السلاح ، ولامة الحرب أداته . ( * )

ـ 50 ـ

العدو بك قم فشد عليك سلاحك فوالله لادفنهم كدق البيض على الصفا ثم ولى

فأتبعنه بصرى فلما رأينا نهضنا . قال وأخبرنى الوليد قال أخبرنى سعيد بن

بشير عن قتادة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مناديا يا خيل الله

اركبى . قال ابن سعد ثم سار اليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة

وثلاثون فرسا ، وذلك في يوم الاربعاء لسبع يقين من ذى القعدة ، واستعمل

على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام . قال ابن اسحق وقدم رسول الله

صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب برايته إلى بنى قريظة وابتدرها الناس فسار

حتى اذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم

فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك

أن لا تدنو من هؤلاء الاخابيث قال لم أظنك سمعت منهم لى أذى قال نعم

يا رسول الله قال لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله عليه

وسلم من حصوبهم قال يا اخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته قالوا

يا أبا القاسم ما كنت جهولا ، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه

بالصورين قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال هل مربكم أحد قالوا يا رسول الله

مر بنا دحية بن خليفة الكلبى على بغلة بيضاء عليها رحالة وعليها قطيفة ديباج

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم

ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى قريظة نزل

على بئر من آبارها وتلاحق به الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا

العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لايصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة

فشغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم وأبوا أن يصلوا لقول النبى صلى الله عليه

وسلم حتى تأتوا بنى قريظة فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله

بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدثنى بهذا

الحديث أبى اسحق بن يسار عن معبد بن كعب بن مالك الانصارى وحاصرهم

رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف

الله في قلوبهم الرعب ، وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة في حصنهم

حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما

ـ 51 ـ

أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 51 سطر 1 الى ص 60 سطر 23

أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال

كعب بن أسد لهم يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون وانى عارض عليكم

خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم قالوا وما هى قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله

لقد تبين لكم انه لنبى مرسل وانه للذى تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم

وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لانفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به

غيره قال فاذا أبيتم على هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه

رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان

نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمرى لنجد النساء

والابناء قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فان أبيتم على هذه

فان الليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا

لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه مالم يحدث فيه

من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسبخ قال ما بات رجل

منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما ثم انهم بعثوا إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم أن ابعث الينا با لبابة بن عبدالمنذر أخا بنى عمرو بن عوف

وكانوا حلفاء الاوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم

اليهم فلما رأوه قام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق

لهم وقالوا يا أبا لباته أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده إلى حلقه

انه الذبح قال أبولبابة فوالله ما رالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت

الله ورسوله ، ثم انطلق أبولبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم

حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب

إلى على مما صنعت وعاهذت الله أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله

ورسوله فيه أبدا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه

قال أما لوجاء نى لا ستغفرت له وأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه من مكانه

حتى يتوب الله عليه . وحدثنى يزيد بن عبدالله بن قسيط أن توبة أبى لبابه

نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة قالت أم سلمة

فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك قالت قلت مم

ـ 52 ـ

تضحك أضحك الله سنك قال تيب على أبى لبابة قالت قلت أفلا أبشره يا رسول

الله قال بلى إن شئت قال فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن

الحجاب فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك قالت فثار الناس اليه ليطلقوه

فقال لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقنى بيده

فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه . قال ابن هشام أقام أبولبابة مرتبطا

بالجذع ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط

بالجذع فيما حدثنى بعض أهل العلم ، وقال أبوعمر روى ابن وهب عن مالك

عن عبدالله بن أبى بكر أن أبالبابة ارتبط بسلسلة ربوض - والربوض الثقيلة - بضع

عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع وكاد يذهب بصره وكانت ابنته تحله

اذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة فاذا فرغ اعادته إلى الرباط فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءنى لا ستغفرت له . قال أبوعمر اختلف

في الحال الذى أوجب فعل أبى لبابة هذا بنفسه وأحسن ما قيل في ذلك ما رواه

معمر عن الزهرى قال كان أبولبابة ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه

وسلم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية ( 1 ) وقال والله لا أحل نفسى منها ولا أذوق

طعاما ولا شرابا حتى يتوب الله على أو أموت فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما

ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه وذكر نحوما تقدم في حال رسول

الله صلى الله عليه وسلم إياه ثم قال أبولبابة يا رسول الله إن من توبتى ان اهجر

دار قومى التى اصبت فيها الذنب وان انخلع من مالى كله صدقة إلى الله والى رسوله

قال يجزئك يا أبا لبابة الثلث . وروى عن ابن عباس من وجوه في قوله تعالى

( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) الآية أنها نزلت

في ابى لبابة ونفر معه سبعة أو ثمانية أو سبعة سواه تخلفوا عن غزوة تبوك ثم

ندموا فتابوا وربطوا انفسهم بالسوارى فكان عملهم الصالح توبتهم والسيئ

تخلفهم عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبوعمر وقد قيل إن

الذنب الذى اتاه أبولبابة كان اشارته إلى حلفائه بنى قريظة انه الذبح ان نزلتم

على حكم سعد بن معاذ واشارته إلى حلفه فنزلت فيه ( يا أيها الذين آمنوا لا نخونوا

الله والرسول ) الآية .

* ( هامش ) * ( 1 ) اى اسطوانة . ( * )

ـ 53 ـ

قال ابن إسحق ثم ان ثعلبة بن سعية واسيد بن سعية واسيد بن عبيد وهم

نفر من هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النظير نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم

أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى للقرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه

وسلم وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال أنا عمرو بن سعدى

وكان عمرو قد أبى ان يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه

وسلم وقال لا أغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لاتحرمنى

عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله

صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلم يدر أين وجه من الارض إلى

يومه هذا فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه فقال ذلك رجل نجاه الله

بوفائه . وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة ( 1 ) فيمن أوثق من بنى قريظة حين

نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبحت رمته ملقاة ولا يدرى

أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة فالله أعلم أى ذلك

كان فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتو اثبت الاوس

فقالوا يا رسول الله لهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالى اخواننا

بالامس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بنى قريظة قد

حاصر بنى قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبدالله بن

أبى بن سلول فوهبهم له فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترضون

يا معشر الاوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذلك إلى سعد بن معاذ

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرآة

من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوى الجرحى وتحتسب بنفسها على

خدمة من كانت بها ضيعة من المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد

قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب

فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على

حمار وقد وطؤا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم اقبلوا معه إلى رسول

* ( هامش ) * ( 1 ) اى : بحبل . ( * )

ـ 54 ـ

الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا ابا عمر وأحسن في مواليك فان رسول الله

صلى الله عليه وسلم إنما والاك ذلك لتحسن فيهم ( 1 ) فلما أكثروا قال لقدآن لسعد

أن لا يأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى

عبدالاشهل فنعى اليهم رجال بنى قريظة قبل ان يصل اليهم سعد عن كلمته التى

سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم . فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما

أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار . وأما الانصار فيقولون عم بها رسول

الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فقاموا اليه فقالوا يا أبا عمر إن رسول الله صلى الله

عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله

وميثاقه ان الحكم فيهم كما حكمت قالوا نعم قال وعلى من هاهنا في الناحية التى

فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

اجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال سعد فانى أحكم فيهم أن

تقتل الرجال وتقسم الاموال وتسى الذرارى والنساء . قال ابن سعد قال حميد

وقال بعضهم وتكون الديار للمهاجرين دون الانصار قال فقالت الانصار اخواننا

كنا معهم فقال انى أحببت أن يستغنوا عنكم .

قال ابن إسحق فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن عبدالرحمن بن عمرو بن

سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص الليثى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرفعة . قال ابن هشام حدثنى من

أثق به من أهل العلم ان على بن أبى طالب صلح وهم محاصرو بنى قريظة بكتيبة

الايمان وتقدم هو والزبير بن العوام قال والله لاذوقن ما ذاق حمزة أو أفتحن حصنهم

فقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد . قال ابن إسحق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

في دار بنت الحارث إمرأة من بنى النجار . ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلى سوق المدينة التى هى سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث اليهم فضرب

* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة " اليهم " بدل " فيهم " . ( * )

ـ 55 ـ

أعناقهم في تلك الخنادق فخرج بهم اليها أرسالا وفيهم عدوالله حيى بن أخطب وكعب

ابن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر يقول كانوا ما بين ا لثمانمائة

و التسعمائة وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم أرسالا : يا كعب ماتراه يصنع بنا قال في كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعى

لا ينزع وانه من ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل . فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ

منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بحيى بن أخطب عدوالله مجموعة يداه

إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت

نفسى في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس فقال : أيها

الناس انه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل ، ثم

جلس فضربت عنقه . وقد حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن

عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندى تحدث

معى وتضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف

باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت لها ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم

قالت لحدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها فكانت عائشة تقول فوالله

ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل . قال ابن

هشام هى التى طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته ، وقال ابن سعد أمر بهم

رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة فكتفوا وجعلوا ناحية وأخرج النساء

والذرية فكانوا ناحية واستعمل عليهم عبدالله بن سلام وجمع أمتعتهم وما وجد

في حصونهم من الحلقة والاثاث والثياب فوجد فيها ألفا وخمسمائة سيف وثلاثمائة

درع وألفى رمح وخمسمائة ترس وحجفة ( 1 ) وخمرا وجرار سكر فأهريق ذلك كله ولم

يخمس ، ووجدوا أجمال نواضح وماشية كثيرة . ( 2 )

* ( هامش ) * ( 1 ) الحجفة الترس . ( 2 ) في هامش الاصل " بلغ مغابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 56 ـ

قال ابن إسحق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشماس كما ذكر ابن شهاب

الزهرى أتى الزبير ( 1 ) بن باطا القرظى ، وكان يكنى أبا عبدالرحمن وكان

الزبير قد من على ثابت بن قيس في الجاهلية ذكر لى بعض ولد الزبير أنه كان

من عليه يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله فجاءه ثابت وهو شيخ

كبير فقال يا أبا عبدالرحمن هل تعرفنى قال وهل يجهل مثلى مثلك قال انى

قد أردت أن أجزيك بيدك عندى قال إن الكريم يجزى الكريم ثم أتى

ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انه كان للزبير على منة

وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لى دمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هولك

فأتاه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لى دمك فهولك قال شيخ

كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة قال فأتى ثابت رسول الله صلى الله عيله

وسلم فقال يا رسول الله بابي أنت وأمى إمرأته وولده قال هم لك ، قال فأتاه فقال

قد وهب لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت

بالحجاز لامال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال يا رسول الله ماله قال هو لك فأتاه ثابت فقال قد أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم

مالك فهو لك قال أى ثابت ما فعل الذى كأن وجهه مرآة صينية تتراءى فيه عذارى

الحى كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب

قال قتل قال فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموال قال

قتل قال فما فعل المجلسان يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة قال

ذهبوا قتلوا قال فأنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم فوالله ما في

العيش بعد هؤلاء من خير أفما أنا بصابر لله قبلة دلو ناضح ( 2 ) حتى ألقى الاحبة فقدمه

* ( هامش ) * ( 1 ) بفتح الزاى المشددة و " الزبير " بضم الزاى إلا هذا .

( 2 ) سيأتى تفسير الغريب . ( * )

ـ 57 ـ

ثابت فضرب عنقه فلما بلغ ابا بكر الصديق قوله ألقى الاحبة قال يلقاهم والله في

نار جهنم خالدا خلدا . وذكر أبوعبيد هذا الخبر وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك أهله

وماله إن أسلم . قال ابن إسحق حدثنى شعبة بن الحجاج عن عبدالملك بن عمير

عن عطية القرظى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل من بنى قريظة

كل من أنبت وكنت غلاما فوجدونى لم أنبت فخلوا سبيلى وسألت أم المنذر سلمى

بنت قيس أخت سليط رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إحدى خالانه

رفاعة بن سموال القرظى وكان قد بلغ قالت فانه زعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل

فوهبه لها ثم خمست غنائمهم وقسمت للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه

وللراجل سهم وهو أول في ، وقعت فيه السهمان وخمس وكانت الخيل ستة وثلاثين

فرسا . ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الانصارى أخابنى عبدالاشهل بسبايا

من بنى قريظة إلى نجدفا بتاع لهم بهم خيلا وسلاحا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد إصطفى

لنفسه منهم ريحانه عمرو بن خنافة إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة فكانت

عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفى عنها وسيأتى ذكرها في موضعه من هذا الكتاب إن

شاء الله تعالى وأنزل الله عزوجل في أمر الخندق وبنى قريظة من القرآن القصة في سورة

الاحزاب ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا

وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ) والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة . وكانت

الجنود التى أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة إذ جاء وكم من فوقكم بنو قريظة ومن

أسفل منكم قريش وغطفان إلى قوله ( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم

تطؤها - يعنى خيبر - وكان الله على كل شئ قديرا ) فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر لسعد

ابن معاذ جرحه فمات منه وأتى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم من الليل معتجرا ( 1 ) بعمامة من

* ( هامش ) * ( 1 ) الاعتجار بالعمامة هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل

منها شيئا تحت ذقنه . ( * )

ـ 58 ـ

استبرق فقال يا محمد من هذا الذى فتحت له ابواب السماء واهتزله العرش ( 1 )

قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده

قد مات . ولما حمل على نعشه وجدوا له خفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان له

حملة غيركم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر ابن عائذ لقد نزل سبعون

ألف ملك شهدوا سعدا ما وطئوا الارض إلا يومهم هذا ، وقال ابن سعد مرت

عليه عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات وبعث صاحب

دومة الجندل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبة من سندس فجعل

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبون من حسن الجبة فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن يعنى من هذا .

واستشهد يوم بنى قريظة خلاد بن سويد الحارثى الذى طرحت المرأة عليه

الرسا ، وقد تقدم خبر قتلها وزاد ابن عائذ ومنذر بن محمد أخو بنى جحجبا . ومات

أبوسنان بن محصن الاسدى ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرة

بنى قريظة ، ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه

وسلم لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم . فكان كذلك .

* ( هامش ) * ( 1 ) قال القاضى أبوبكر بن العربى في تفسيره : " معنى اهتزاز العرش لموت

سعد أن تعتقد أن اهتزازه إنما هو استبشار الملائكة الحافين به كما نقول اهتز

البلد اليوم لموت فلان العالم . ( * )

ـ 59 ـ

ـ ذكر فوائد تتعلق بما سبق من ذكر الخندق وبنى قريظة ـ

أول من حفر الخنادق في الحروب منوشهر بن ايرج وأول من كمن الكمائن بخت

نصر ذكر ذلك عن الطبرى . والنسبة إلى بنى النضير نضرى بفتحتين كثقفى . وعينة

ابن حصن لقب لقب لقائد الاحزاب واسمه حذيفة لقب بذلك لشتر في عينيه .

وذكر حيى بن أخطب وما قال لكعب وانه لم يزل يقتل في الذروة والغارب . قال

السهيلى هذا مثل وأصله في البعير يستصعب عليك فتأخذ القراد ( 1 ) من ذروته وغارب

سنامه فيجد البعير لذة فيأنس عند ذلك وأنشد للحطيئة :

لعمرك ما قراد بنى كليب * إذا نزع القراد بمستطاع

يريد أنهم لا يخدعون ولا يستذلون . واللحن العدل بالكلام عن الوجه

المعروف إلى وجه لا يعرفه إلا صاحبه ، كما أن اللحن الذى هو الخطأ عدول عن

الصواب المعروف ، وقال الجاحظ في قول مالك بن أسماء :

منطق صائب وتلحن أحيا * نا وخير الكلام ما كان لحنا

يريد أن اللحن الذى هو الخطأ قد يستملح ويستطاب من الجارية الحديثة

السن . وخطئ الجاحظ في هذا التأويل ، وأخبر بما قاله الحجاج بن يوسف

لا مرأته هند بنت أسماء بن خارجة حين لحنت فأنكر عليها اللحن

* ( هامش ) * ( 1 ) دويبة معروفة تلصق في جلد البعير . ( * )

ـ 60 ـ

فاحتجب بقول أخيها مالك بن أسماء * وخير الحديث ما كان لحنا * وقال

لها الحجاج لم يرد أخوك هذا إنما أراد الذى هو التورية والالغاز فسكتت

فلما حدث الجاحظ بهذا الحديث قال لو كان بلغنى هذا قبل أن أؤلف كتاب

البيان ما قلت في ذلك ما قلت فقيل أفلا تغيره فقال وكيف وقد ساربها البغال

الشهب وأنجد في البلاد وغار . انتهى ما حكاه السهيلى ، وتأويل الجاحظ أولى لما

فيه من مقابلة الصواب بالخطأ ولعل الشاعر لو أراد المعنى الآخر لقال منطق ظاهر

ليقابل بذلك ما تقتضيه التورية واللغز من الخفاء ، وكما قال الجاحظ في تأويل وتلحن

أحيانا قال ابن قتيبة . وحبان بن العرقة هو حبان بن عبد مناف بن منقد بن

عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى والعرقة أمه وهى قلابة بنت سعيد بن سعد بن

سهم تكنى أم فاطمة سميت العرقة لطيب ريحها . كذا ذكر السهيلى ، وابن الكلبى

يقول هى أم عبد مناف جد أبيه وهو عنده حبان بن ببأبى قيس بن علقمة بن عبد

مناف وموسى بن عقبة يقول فيه جبار بن قيس بالجيم والراء أحد بنى العرقة . وحديث

اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ حديث صحيح . قال السهيلى والعجب من رواية

من روى عن مالك أنه كره أن يقال اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ولم ير التحدث

بذلك مع صحة نقله وكثرة الرواة له ، ولا أدرى ماوجه ذلك ولعلها غير صحيحة

عنه فقد خرجه البخارى . قلت هذا يقتضى أن يكون إنكار مالك محمولا عنده

على أمر عنده يرجع إلى الاسناد وليس كذلك بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر

فمنهم من يحمله على ظاهره ومنهم من يجنح فيه إلى التأويل . وما كانت هذه سبيله

من الاخبار المشكلة فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعى فلعل

الكراهة المروية عن مالك من هذا الوجه والله أعلم . وأسيد بن سعية بفتح

الهمزة وكسر السين كذا هو عند أكثر الرواة ، ونقل عن بعضهم أسيد بضم

الهمزة وفتح السين . وجهشت إلى الشئ وأجهشت أسرعت متبا كيا ، ويعنى

ـ 61 ـ

بالارفعة السموات قال ابن دريد كذا جاء في هذا الحديث " سبعة أرفعة "

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 61 سطر 1 الى ص 70 سطر 22

بالارفعة السموات قال ابن دريد كذا جاء في هذا الحديث " سبعة أرفعة "

على لفظ التذكير على معنى السقف قال الفسوى ومثل تسميتهم إياها بالجرباء ( 1 )

تسميتهم إياها بالرفيع ، قال ابن الاعرابى سموها بالرفيع لانها مرفوعة بالنجوم . قال

أبوعلى والاجرب خلاف الاملس . والمرأة المقتولة من بنى قريظة اسمها بنانة امرأة

الحكم القرظى قال السهيلى وفى قتلها دليل لمن قال تقتل المرتدة من النساء أخذا

بعموم قوله عليه السلام " من بدل دينه فاضربوا عنقه " وفيه مع العموم قوة أخرى

وهى تعليق الحكم بالردة والتبديل ولا حجة مع هذا لمن زعم من أهل العراق بأن

لا تقتل المرتدة لنهيه عليه السلام عن قتل النساء والولدان . قلت هما عامان تعارضا

وكل من الفريقين يخص أحد الحديثين بالآخر ف العراقيون يخصون حديث من بدل

دينه فاقتلوه بحديث النهى عن قتل النساء والصبيان ، وغيرهم يخالفهم وتخصيص

المخالف أولى لوجه ليس هذا موضع ذكره . وأما استدلاله بهذا الحديث على قتل

المرتدة ولم تكن هذه مرتدة قط فعجيب بل هى قاتلة قتلت خلاد بن سويد ومقاتلة

بتعاطيها ذلك ونافضة للعهد فالعراقى موافق لغيره في قتل هده وفى انفرادها بالقتل

عن نساء بنى قريظة ما يشعر بأنه لما انفردت به عنهن من قتل خلاد فليس هذا

من حكم المرتدة في ورد ولا صدر . وقول الزبير وهو بفتح الزاى وكسر الباء ألست

صابرا قبلة دلو ناضح هو عند ابن إسحق بالفاء والثاء المثلثة الحروف ، وقال

ابن هشام إنما هو بالقاف والباء الموحدة وقابل الدلو الذى يأخذها من المستقى .

وذكر أبوعبيد الحديث في الاموال افراغة دلو . ( 2 )

* ( هامش ) * ( 1 ) أى السماء .

( 2 ) في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 63 ـ

ـ سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء ـ

روينا عن ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن أبى الاسود عن

عروة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة أخا بنى عبد الاشهل بعثه إلى

القرطاء من هوازن . وروينا عن ابن سعد قال ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء

خرج لعشر ليال خلون من المحرم على رأس تسع وخمسين شهرا من مهاجر رسول

الله صلى الله عليه وسلم بعثه في ثلاثين راكبا إلى القرطاء وهم بطن من بنى أبى

بكر بن كلاب وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية ، وبين المدينة وضرية سبع

ليال وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرا

منهم وهرب سائرهم واستاق نعما نوشاء ولم يعرض للظعن وانحدروا إلى المدينة

فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ماجاء به وفض على أصحابه ما بقى فعدلوا الجزور بعشرة

من الغنم وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا والغنم ثلاثة آلاف شاة ، وغاب تسع عشرة

ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم . وذكر أ بوعبدالله الحاكم أنها في المحرم سنة ست

وأن ثمامة بن أثال الحنفى أخذ فيها وذكر حديث اسلامه . وروينا من طريق مسلم

رحمه الله حدثنا قتيبة بن سعيد فثنا ليث عن سعيد بن أبى سعيد أنه سمع أبا هريرة

يقول بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له

ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سوارى المسجد فخرج اليه

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة قال عندى يا محمد خير إن تقتل

ـ 64 ـ

بل ذا دم وان تنعم تنعم على شار وان كنت تريد المال فسل تعط منه

شئت الحديث . وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب

بن المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا

عبده ورسوله يا محمد والله ما كان على الارض أبغض إلى من وجهك فقد أصبح

وجهك أحب الوجوه كلها إلى والله ما كان على الارض من دين أبغض إلى من .

دينك فقد أصبح دينك أحب الدين كله إلى الحديث . والقرطاء قرط وقريط وقريط

بنو عبد بن عبيد وهو أبوبكر بن كلاب من قيس غيلان ذكره الرشاطى قال

وذكر الطبرى قال قال أ بواليقظان تزوج النبى صلى الله عليه وسلم عمرة وهى من

القرطاء من بنى أبى بكر بن كلاب وممن ينسب هذه النسبة محمد بن القسم بن شعبان

القرظى الفقيه له مصنف في الفقه على مذهب مالك رحمه الله وهو مصرى وقد ذكره الامير .

ـ 65 ـ

ـ سرية عبدالله بن عتيك ـ

لقتل أبى رافع سلام بن أبى الحقيق

واستأذن نفر من الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ذبا عن الله وعن رسوله

صلى الله عليه وسلم وتشبها بالاوس فيما فعلوه من قتل ابن الاشرف فأذن لهم

وكذلك كانوا رضى الله عنهم يتنافسون فيما يزلف إلى الله والى رسوله . وكان ابن

أبى الحقيق بخيبر فخرج اليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر عبدالله بن

عتيك ومسعود بن سنان وعبدالله بن أنيس وأبوقتادة بن ربعى وخزاعى بن

أسود حليف لهم من أسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ابن عتيك ونهاهم أن

بقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا

فلم يدخلوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله قال وكان في علية له اليها عجلة قال

فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت اليهم امرأته فقالت من أنتم

فقالوا ناس من العرب نلتمس الميرة قالت ذا كم صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا

أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه محولة تحول بيننا وبينه قال

وصاحت المرأة فنوهت بنا قال وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا والله ما يدلنا عليه

في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع

عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده ولولا ذلك لفرغنا منها

بلبل . قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله بن أنيس بسيفه في بطنه

حتى أنفذه ، وهو يقول قطنى أى حسبى حسبى قال وخرجنا وكان عبدالله

ـ 66 ـ

ابن عتيك رجلا سئ البصر فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا ( 1 ) شديدا ، ويقال رجله

فيما قال ابن هشام وغيره قال وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم ( 2 ) فندخل فيه قال

فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم

فاكتنفوه يقضى بينهم . قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات قال

فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدتها

ورجال يهود حولها وفى يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول أما والله لقد

سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت قلت انى ابن عتيك بهذه البلاد ثم أقبلت

تنظر في وجهه ثم قال فاض والله يهود فما سمعت كلمة ألذ إلى نفسى منها قال ثم جاءنا

فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا بقتل

عدوالله واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا

أسيافكم فجئناه بها فنظر اليها فقال لسيف عبدالله بن أنيس هذا قتله أرى فيه

أثر الطعام . قال ابن سعد هى في شهر رمضان ست قال وقالوا كان أبورافع

قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركى العرب وجعل لهم الجعل العظيم لحرب

رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذكر ابن عقبة فيمن قتل أبا رافع أسعد بن

حرام ولم يذكره غيره . والعجلة درجة من نحل قاله القتبى .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى أصابها وهن .

( 2 ) المنهر خرق في الحصن نافذ يدخل فيه الماء . ( * )

ـ 67 ـ

ـ إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ـ

رضى الله عنهما

روينا عن ابن إسحق قال وحدثنى يزيد بن أبى حبيب عن راشد مولى حبيب

ابن أبى أوس الثقفى عن حبيب بن أبى أوس قال حدثنى عمرو بن العاص من

فيه قال ولما انصرفنا مع الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا

يرون رأيى ويسمعون منى فقلت لهم تعلمون والله انى أرى أمر محمد يعلو الامور

علوا منكرا وإنى قد رأيت أمرا فما ترون فيه قالوا وما ذا رأيت قلت رأيت

أن نكون عند النجاشى فان ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشى فانا ان

ما تأخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فان الاسلام يجب ما كان

قبله وإن الهجرة تجب ما كان قبلها قال فبايعته ثم انصرفت .

قال ابن إسحق : وحدثنى من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان

معهما . قال أبوالقاسم السهيلى وذكر الزبير حديث عمر وهذا وقال وقدم معهما عثمان

ابن طلحة صحبهما في تلك الطريق قال عمرو كنت أسن منهما فأردت أن أكيدهما

فقد منهما قبلى للمبايعة فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يغفر لهما ما

تقدم من ذنبهما وأضمرت في نفسى أن أذكر ما تقدم من ذنبى وما تأخر فلما بايعت

قلت على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى وأنسيت أن أقول ما تأخر . قوله قد استقام

الميسم أى ظهرت العلامة ، ومن رواه المنسم بالنون أراد الطريق .

ـ 68 ـ

ـ غزوة بنى لحيان ـ

هى عند ابن سعد لغرة هلال شهر ربيع الاول سنة ست ، وقال ابن إسحق

وخرج يعنى النبى صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة

إلى بنى لحيان يطلبهم بأصحاب الرجيع خبيب بن عدى وأصحابه وأظهر أنه يريد

الشام ليصيب من القوم غرة ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن

هشام حتى أتى منازل بنى لحيان فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال فلما

نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد قال لو أنا هبطنا

عسفان لرأى أهل مكة انا قد جئنا مكة فخرج في مائتى راكب من أصحابه حتى

نزل عسفان ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم كرا وراح

رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا فكان جابر بن عبدالله يقول سمعت رسول

الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه آيبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون

أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسواء المنظر في الاهل والمال . والحديث

عن غزوة بنى لحيان عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبى بكر عن عبد

الله بن كعب بن مالك . وقال ابن سعد فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع

به قريش فيذعرهم فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحدا .

ـ 69 ـ

ـ غزوة ذى قرد ـ

ويقال لها غزوة الغابة

قال ابن إسحق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يقم بها إلا

ليالى قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى في خيل من

غطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة وفيها رجل من بنى غفار

وامرأة له فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح . فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة

وعبدالله بن أبى بكر ومن لا أتهم عن عبدالله بن كعب بن مالك كل قد حدث

في غزوة ذى قرد بعض الحديث أنه كان أول من نذربهم سلمة بن عمرو بن

الاكوع غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيدالله معه

فرس له يقوده حتى إذا علا ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم فأشرف إلى ناحية

سلع ثم صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق

القوم فجعل يردهم بالنبل ويقول إذا رمى خذها وأنا ابن الاكوع واليوم يوم الرضع

فاذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فاذا أمكنه الرمى رمى ثم قال خذها

وانا ابن الاكوع اليوم يوم الرضع قال فيقول قائلهم أوكيعنا هو أول النهار قال

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ في المدينة الفزع الفزع فكان

أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفرسان المقداد بن عمرو

- وهو الذى يقال له المقداد بن الاسود حليف بنى زهرة - ثم عباد بن بشر وسعد

ابن زيد أحد بنى كعب بن عبد الاشهل وأسيد بن ظهير يشك فيه وعكاشة بن

ـ 70 ـ

محصن ومحرز بن نضلة وأبوقتادة وأبوعياش عبيد بن زيد بن صامت أخو بنى

زريق فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال اخرج

في طلب القوم حتى ألحقك بالناس . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما

بلغنى عن رجال من بنى زريق لابى عياش يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس

رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم فقال أبوعياش قلت يا رسول الله انا افرس

الناس ثم ضربت الفرس فوالله ماجرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى فعجبت

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أعطيته افرس منك وانا اقول انا افرس

الناس فزعم رجال من بنى زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعطى فرس ابى عياش

معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة وكان ثامنا . كذا وقع

هنا ، وبعضا الناس يقول ان معاذ بن ما عص وأخاه عائذا قتلا يوم بئر معونة

شهيدين وقد تقدم ذلك ، وبعض الناس يعد سلمة بن الاكوع أحد الثمانية

ويطرح أسيد بن ظهير ولم يكن سلمة يومئذ فارسا قد كان أول من لحق بالقوم

على رجليه فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا . فحدثنى عاصم بن عمر

ابن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة وكان

يقال لمحرز الاخرم ويقال له قمير وان الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة

في الحائط حين سمع صاهلة الخيل وكان فرسا صيعا ( 1 ) جاما فقال نساء من نساء بنى

عبد الاشهل حين رأين الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط به يا قمير هل

لك في ان تركب هذا الفرس فانه كما ترى ثم تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم

والمسلمين قال نعم فأعطينه إياه فخرج عليه فلم يلبث أن بذ الخيل لجمامه ( 2 ) حتى

* ( هامش ) * ( 1 ) أى وأحسن القيام عليه . ( 2 ) أى : استراحته ، يقال : جم الفرس جماما

إذا ذهب اغناؤه ، وكذا إذا ترك الضراب وإذا ترك فلم يركب . ( * )

ـ 71 ـ

أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا يا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 71 سطر 1 الى ص 80 سطر 22

أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم ثم قال قفوا يا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق

بكم من ؟ ؟ ؟ كم من أدباركم من المهاجرين والانصار قال وحمل عليه رجل منهم فقتله

وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على اريه ( 1 ) في بنى عبدالاشهل فلم يقتل من

المسلمين غيره . قال ابن هشام قتل يومئذ من المسلمين مع محرز وقاص بن محرر

المدلجى فيما ذكر غير واحد من أهل العلم . قال ابن اسحق . ولما تلاحقت الخيل

قتل أبوقتادة حبيب بن عيينة بن حصن وغشاه برده ثم لحق بالناس وأقبل

رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم

فيما قال ابن هشام فاذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل

أبوقتادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بأبى قتادة ولكنه قتيل لابى

قتادة وضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه

عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا

بعض اللقاح وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذى قرد

وتلاحق به الناس وأقام عليه يوما وليلة وقال له سلمة بن الاكوع يا رسول الله لو

سرحتنى في مائة رجل لا ستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال رسول

الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنى انهم الآن ليغبقون ( 2 ) في غطفان فقسم رسول الله

صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا وأقاموا عليها ثم رجع رسول

الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة وأقبلت إمرأة الغفارى على ناقة ( 3 ) من إبل

رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر فلما فرغت قالت

يا رسول الله انى قد نذرت لله أن أنحرها ان نجانى الله عليها قال فتبسم رسول الله

* ( هامش ) * ( 1 ) الارى مربط الدابة .

( 2 ) الغبوق شرب العشى

( 3 ) في نسخة زيادة " هى العضباء " ( * )

ـ 72 ـ

صلى الله عليه وسلم قال بئس ما جز يتيها ان حملك الله عليها وبحاك بها ثم تنحرينها

لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين إنما هى ناقة من إبلى إرجعى إلى أهلك على

بركة الله . والحديث عن إمرأة الغفارى وما قالت وما قال لها رسول الله صلى الله

عليه وسلم عن أبى الزبير المكى عن الحسن البصرى ، وقال ابن عقبة كان رئيس

القوم يعنى المشركين مسعدة الفزارى وهو عنده قتيل أبى قتادة وفيه قوله عليه

السلام لتعرفوه فتخلوا عن قتيله وسلبه ثم ان فوارس النبى صلى الله عليه وسلم

أدركوا العدو والسرح فاقتتلوا قتالا شديدا واستنقذوا السرح وهزم الله تعالى العدو

ويقال قتل أبوقتادة قرفة إمرأة مسعدة وأما ابن سعد فقال وقتل المقداد بن عمرو

حبيب بن عيينة بن حصن وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر ، قال ابن عقبة

 

وقتل يومئذ من المسلمين الاخرم ( 1 ) محرز بن نضلة قتله أوبار . كذا قاله وهو عند ابن

سعد آثار وعندابن عائذ آبار فشد عكاشة بن محصن فقتل أوبارا وابنه وذكر

ابن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عبدالله بن لهيعة عن أبن الاسود عن عروة

نحو ما ذكرنا عن ابن عقبة . وذكر ابن سعد أنها في شهر ربيع الاول سنة ست

من الهجرة وان اللقاح عشرون فأغار عليها عيينة في ليلة الاربعاء في أربعين فارسا

فاستوقوها وكان أبوذر فيها وقتلوا ابن أبى ذر وجاء الصريخ فنادى الفزع الفزع

فنودى يا خيل الله اركبى وكان أول مانودى بها . قلت قد تقدم عن قتادة من طريق

ابن عائذ النداء بياخيل الله اركبى في وقعة بنى قريظة وهى قبل هذه عندهم وركب

رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج غداة الاربعاء في الحديد مقنعا فوقف وكان

أول من أقبل اليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه فعقد له رسول

الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه وقال امض حتى تلحقك الخيل وخلف سعد

* ( هامش ) * ( 1 ) في نسخة " الاجدع " ( * )

ـ 73 ـ

ابن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة قال وذهب الصريخ إلى بنى عمرو

ابن عوف فجاءت الامداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الابل

حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد فاستنقذوا عشر لقاح وأفلت القوم بما

بقى وهى عشرة وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد صلاة الخوف وأقام

به يوما وليلة يتحسب الخبر وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها وكانوا

 

خمسمائة ويقال سبعمائة وبعث اليه سعد بن عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر فوافت

رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى قرد . قال ابن سعد والثبت عندنا أن سعد بن زيد أمير هذه

السرية ولكن الناس نسبوها للمقداد لقول حسان * غداة فوارس المقداد * قلت وأوله :

ولسر أولاد اللقيطة أننا * سلم غداة فوارس المقداد

قال فعاتبه سعد فقال اضطرنى الروى إلى المقداد . ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة يوم الاثنين وكان قد غاب خمس ليال .

وفى رواية لابن سعد في هذا الخبر عن هاشم بن القاسم عن عكرمة بن عمار

قال حدثنى إياس بن سلمة عن أبيه قال خرجت أنا ورباح غلام النبى صلى الله

عليه وسلم وخرجت بفرس لطلحة بن عبيدالله كنت أريد أن أنسيه ( 1 ) مع الابل

فلما أن كان بغلس أغار عبدالرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه

وسلم فقتل راعيها وخرج يطردها ، وذكر نحو ما تقدم وفيه حتى ما خلق الله شيئا

من ظهر النبى صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهرى ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من

ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفونها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت

* ( هامش ) * ( 1 ) التندية ان تورد الابل والخيل فتشرب قليلا ثم ترد للمرعى ساعة وتعاد إلى الماء . ( * )

ـ 74 ـ

عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه أنه جلاهم عن

ماء ذى قرد ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه قوله

عليه السلام انهم الآن يقرون بأرض غطفان قال فجاء رجل من غطفان فقال

مروا على فلان الغطفانى فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة

فتركوها وخرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا

اليوم أبوقتادة وخير رجالتنا سلمة فأعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم

الراجل والفارس جميعا ، وفى رواية البخارى لهذا الخبر من طريق سلمة فقلت يا نبى

الله قد حميت القوم الماء وهم عطاش فابعث اليهم الساعة فقال يا ابن الاكوع

ملكت فأسجح ( 1 )

ـ ذكر فوائد تتعلق بهذه الواقعة ـ

قرد مفتوح القاف والراء وحكى السهيلى عن أبى على الضم فيهما . وقوله اليوم يوم

الرضع يريد يوم هلاك الرضع والرضع اللئام من قولهم لئيم راضع وهو الذى يرضع

الغنم ولا يحلبها فيسمع صوت الحلب وقد قيل فيه غير ذلك . ومحرز بن نضلة المعروف

فيه سكون الضاد ورأيت عن الدار قطنى فتحها وحكى البغوى عن ابن إسحق محرز

ابن عون بن نضلة وبعضهم يقول ابن ناضلة . ( 2 )

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : قدرت فسهل وأحسن العفو ، وهو مثل .

( 2 ) في هامش الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 75 ـ

ـ سرية سعيد بن زيد إلى العرنيين ـ

وهى في شوال سنة ست عند ابن سعد

قال ابن عقبة وكان قد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة وعرينة حى

من بجيلة وكانوا مجهودين مضرورين قد كادوا يهلكون فأنزلهم عنده وسألوه أن

ينحيهم من المدينة فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاح له بفيفاء

الخبار ( 1 ) من وراء الحمى فيها مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى يسارا فقتلوه

ثم مثلوا به واستاقوا لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله صلى

الله عليه وسلم في آثارهم فأدركوا فوق المنقى فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وأمير الخيل يومئذ سعيد بن زيد . وتحدث

بهذا الحديث كما زعموا أنس بن مالك وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

نهى بعد ذلك عن المثل بالآية التى في سورة المائدة ( إنما جزاء الذين يحاربون

الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم

وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة

عذاب عظيم ) هذه الآية والتى بعدها . قرئ على أبى محمد عبدالرحيم بن يوسف

المزى وانا اسمع وأخبرك أبوعلى حنبل بن عبدالله بن الفرج وأقر به قال أنا

الرئيس أبوالقاسم بن الحصين قال أنا أبوعلى بن المذهب قال أنا أبوبكر القطيعى

* ( هامش ) * ( 1 ) بفتح الخاء المعجمة . ( * )

ـ 76 ـ

قال أنا عبدالله بن احمد بن حنبل قال أنا أبى فثنا ابن أبى عدى عن حميد عن

أنس قال أسلم ناس من عرينة فاجتووا ( 1 ) المدينة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه

وسلم لو خرجتم إلى ذود ( 2 ) لنا فشر بتم من ألبانها . قال حميد وقال قتادة عن أنس

وأبوالها . فلما صحوا كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبى صلى الله عليه وسلم

مؤمنا ومسلما وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهربوا محاربين فأرسل

رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار هم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمرأ عينهم ( 3 )

وتركهم في الحرة حتى ماتوا . وقال ابن سعد وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم

الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسا واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهرى فأدركوهم

فأحاطوا بهم فأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة قال وكانت

اللقاح خمس عشرة غزارا فردوها إلى المدينة ففقد رسول الله صلى الله عليه وسلم

منها لقحة تدعى الحناء فسأل عنها فقيل نحروها .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هو

اؤها واستو خموها ، ويقال اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة .

( 2 ) أى نوق

( 3 ) أى احمى مسامير الحديد وكحلهم بها . ( * )

ـ 77 ـ

ـ ذكر فوائد تتعلق بهذا الخبر ـ

قد تقدم أن نفرا من عرينة وروى من عكل أو عرينة على الشك ، وروى من

عكل وعرينة من غير شك وروى أن نفرا قدموا ولم يذكر من أى قبيلة هم . والكل

في الصحيح من حديث أنس فأما عرينة ففى بجيلة وقضاعة فالذى في بجيلة عرينة

ابن نذير بن قسر بن عبقر وعبقر أمه بجيلة ، قاله الرشاطى قال ومنهم الرهط الذين

أغاروا على إبل النبى صلى الله عليه وسلم . قال والعرن حكة تصيب الفرس والبعير

في قوائمهما . وأما عكل ففى الرباب . وعكل إمرأة حضنت بنى عوف بن وائل بن

قيس بن عوف بن عبدمناة من الرباب حكى ابن الكلبى قال ولد عوف بن وائل

الحرث وجشما وسعدا وعليا وقيسا وأمهم ابنة ذى اللحية من حمير وحضنتهم عكل

أمة لهم فغلبت عليهم . قال ابن دريد اشتقاق عكل من عكلت الشئ إذا جمعته

وقال غيره يكون من عكل يعكل إذا قال برأيه مثل حدس ورجل عكلى أى أحمق

منهم من الصحابة خزيمة بن عاصم بن قطن بن عبدالله بن عبادة بن سعد بن

عوف المذكور لم يذكره أبوعمر ولا نسبه ابن فتحون قاله الرشاطى . وقوله فاجتووا

المدينة : قال ابن سيده وجوى الارض جوى واجتواها لم توافقه . وقد وقع في بعض

الروايات أنهم شكوا أجوافهم . وأبوال الابل وألبانها يدخل في شئ من علاج

الاستسقاء إبل البادية التى ترعى الشيح والقيصوم . وقول ابن عقبة وذكروا أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثل فمن الناس من رأى ذلك

ـ 78 ـ

وزعم أن هذا الخبر منسوخ بقوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله )

الآية وبنهيه عليه السلام عن المثلة ، وقد روى في ذلك شئ عن بعض السلف

ومن الناس من أبى ذلك وقد يترجح هذا لانه مختلف في سبب نزول هذه الآية

فقد ذكر البغوى وغيره لنزولها قصة غير هذه وأيضا فليس فيها أكثر مما تشعره

لفظة " إنما " من الاقتصار في حد الخرابة ( 1 ) على ما في الآية ، وأما من زاد على الخرابة

جنايات أخر كما فعل هؤلاء حيث زادوا بالردة وسمل أعين الرعاء وغير ذلك .

فقد روينافى خبرهم عن ابن سعد أنهم قطعوا يد الراعى ورجله وغرسوا الشوك في

لسانه وعينيه حتى مات فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم والزيادة في

عقوبتهم فهذا قصاص ليس بمثلة والمثلة ما كان ابتداء عن غير جزاء . وقد روينا

من طريق الترمذى والنسائى جميعا عن الفضل بن سهل عن يحيى بن غيلان

وثقهما النسائى عن يزيد بن زريع عن سليمان التيمى عن أنس بن مالك قال إنما

سمل النبى صلى الله عليه وسلم أعين أولئك العرنيين لانهم سملوا أعين الرعاء ولو أن شخصا

جنى على قوم جنايات في أعضاء متعددة فاقتص منهم للمجنى عليهم لما كان التسوية

التى حصل به من المثلة المنهى عنها . واذا اختلفت في سبب نزول الآية الاقوال

وتطرق اليها الاحتمال فلا نسخ . وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير وجه

وروى أيضا من حديث ابن عمر وعائشة وغيرهما . ولولا ما شرطناه من الاختصار

لاوردنا طرفا من طرفه ولبسطنا الكلام عليه .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى الجناية . ( * )

ـ 79 ـ

ـ غزوة بنى المصطلق ـ

وهى غزوة المريسيع

وهى في شعبان سنة ست عند ابن إسحق ، وفى سند أربع عند موسى بن عقبة

وفى شعبان سنة خمس يوم الاثنين لليلتين خلتا منه عند ابن سعد ، والخندق

بعدها عنده في ذى القعدة من السنة . قال ابن إسحق فحدثنى عاصم بن عمر بن

قتادة وعبدالله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثنى بعض حديث

بنى المصطلق قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بنى المصطلق يجمعون

له وقائدهم الحرث بن أبى ضرار أبوجويرية بنت الحرث زوج النبى صلى الله عليه وسلم فلما

سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج اليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم

يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله نبى

المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم

فأفاهم عليه . وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بريدة بن

الحصيب الاسلمى يعلم علم ذلك فأتاهم ولقى الحرث بن أبى ضرار وكلمه ورجع إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم . وثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس

اليهم وأسرعوا الخروج وقادوا الخيل وهى ثلاثون فرسا في المهاجرين منها عشرة

وفى الانصار عشرون . واستخلف على المدينة زيد بن حارثة ، وقال ابن هشام

استعمل عليها أباذر النفارى ويقال نميلة بن عبدالله الليثى .

ـ 80 ـ

رجع إلى خبر ابن سعد : وكان معه فرسان لزاز والظرب وبلغ الحارث بن أبى ضرار

ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم وأنه قد قتل عينه الذى كان وجهه ليأتيه بخبر

رسول الله صلى الله عليه وسلم فسئ لذلك الحرث ومن معه وخافوا خوفا شديدا وتفرق عنهم

من كان معهم من العرب وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المر يسيع وهو

الماء فضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة فتهيئوا للقتال وصف رسول الله صلى

الله عليه وسلم ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر وراية الانصار إلى سعد بن

عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا

حملة رجل واحد فما أفلت منهم إنسان وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم وسبى

رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والدرية . وقد روينا من طريق مسلم

خلاف ذلك قال حدثنا يحيى بن يحيى فثنا سليم بن أخضر عن ابن عون قال :

كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال فكتب إلى إنما كان ذلك في

أول الاسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى المصطلق وهم غارون

وأنعامهم تسعى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ قال يحيى

أحسبه قال جورية أو البتة ابنة الحارث . وحدثنى هذا الحديث عبدالله بن عمر

وكان في ذلك الجيش . وقد أشار ابن سعد إلى هذه الرواية وقال الاول أثبت قال

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب

وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقر ان مولاه وجمع الذرية ناحية واستعمل

على قسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء الزبيدى ، وكان الابل ألفى

بعير والشاء خمسة آلاف شاة وكان السبى مائتى بيت وقال غاب رسول الله

صلى الله عليه وسلم عن المدينة ثمانيا وعشرين ليلة وقدم المدينة لهلال رمضان .

رجع إلى ابن اسحق : قال وقد أصيب رجل من المسلمين من بنى كلب بن عوف

ـ 81 ـ

ابن عامر بن ليث بن بكر يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الانصار من

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 81 سطر 1 الى ص 90 سطر 7

ابن عامر بن ليث بن بكر يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الانصار من

رهط عبادة بن الصامت وهويرى أنه من العدو فقتله خطأ فبينما الناس على ذلك

الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار يقال له جهجاه

ابن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنى حليف بنى عوف

ابن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهنى يا معشر الانصار وصرخ الجهجاه

يا معشر المهاجرين فغضب عبدالله بن أبى بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد

ابن أرقم غلام حدث فقال أقد فعلوها أقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا

وجلا بيب قريش هذه إلا كما قال الاول " سمن كلبك يأكلك " أما والله لئن رجعنا

إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال :

هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتوهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم

ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دار كم فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه فأخبره الخبر

وعنده عمر بن الخطاب فقال مر به عباد بن بشر فليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

فكيف يا عمر إذا تحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه قال لا ولكن أذن بالرحيل

وفى ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحمل الناس وقد مشى

عبدالله بن أبى بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن

أرقم قد بلغه ما سمعنه منه فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به وكان في قومه

شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه

يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا

على ابن أبى ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد

 

ابن الحضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه وقال : يا نبى الله والله لقد رحت في ساعة

منكرة ما كنت تروح في مثلها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو ما بلغك ما قال

ـ 82 ـ

صاحبكم ؟ قال أى صاحب يا رسول الله ؟ قال عبدالله بن أبى قال وما قال ؟ قال

زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الاعز منها الاذل . قال فأنت والله يا رسول الله

تخرجه إن شئت هووالله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد

جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فانه ليرى أنك قد استلبته

ملكه ، ثم متن ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى

وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذته الشمس ثم نزل بالناس فلم يلبثوا

أن وجدوا مس الارض فوقعوا نياما وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث

الذى كان بالامس من حديث عبدالله بن أبى ثم راح رسول الله صلى الله عليه

وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فوق النقيع يقال له نقعا فلما

راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس هبت على الناس ريح شديدة آذتهم

وتخوفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخافوها فانها هبت لموت عظيم

من عظماء الكفار ، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بنى

قينقاع وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم ونزلت السورة التى

ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبى ومن كان على مثل أمره ، فلما نزلت أخذ رسول

الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال هذا الذى أوفى الله بأذنه .

وبلغ عبدالله بن عبدالله بن أبى الذى كان من أمر أبيه فحدثنى عاصم بن عمر

ابن قتادة أن عبدالله أنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه

قد بلغنى أنك تريد قتل عبدالله بن أبى فيما بلغك عنه فان كنت فاعلا فمرنى

فأنا أحمل لك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده منى

إنى أخشى أن تأمر به غيرى فيقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال

* ( هامش ) * ( 1 ) يقال متن به أى سار به يومه أجمع . ( * )

ـ 83 ـ

رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به وتحسن صحبته ما بقى معنا . وجعل بعد

ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف

ترى باعمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم

بقتله لقتلته قال قال عمر قدو الله علمت لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمرى .

وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلما فيما يظهر ، فقال يا رسول الله جئتك مسلما

وجئت أطلب دية أخى قتل خطأ فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه

هشام بن صبابة فأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير ثم عدا على

قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتدا فقال في شعر يقوله :

شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع

وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فيحمينى وطاء المضاجع

حللت به وترى وأدركت ثورتى * وكنت إلى الاوثان أول راجع

ثأرت به فهما وحملت عقله * سراة بنى النجار أرباب فارع

وقال مقيس بن صبابة أيضا :

جللته ضربة باتت لها وشل * من ناقع الجوف يعلوه وينصرم

فقلت والموت تغشاه أسرته * لا تأمنن بنى بكر إذا ظلموا

قال ابن هشام وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق يا منصور أمت أمت . قال

ابن إسحق وأصيب من بنى المصطلق ناس يومئذ وقتل على بن أبى طالب منهم

رجلين مالكا وابنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبيا كثيرا فشاء

ـ 84 ـ

قسمته في المسلمين . وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويريه بنت الحارث بن أبى

ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبوعمر كان اسمها برة فغيره رسول

الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية فأرسل الناس ما بأيديهم من سبايا بنى

المصطلق لذلك فكانت مائة بيت وأسلم بنو المصطلق ، ثم بعد ذلك بأزيد من

عامين بعث اليهم الوليد بن عقبة مصدقا فخرجوا للقائه فتوهم أنهم خرجوا لقتاله

قفر راجعا وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بظنه فهم عليه السلام بقتالهم

فأنزل الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) الآية والتى بعدها .

ـ 85 ـ

ـ حديث الافك ـ

وفى هذه الغزاة قال أهل الافك في عائشة ماقالوا فبرأها الله مما قالوا : روينا من

طريق البخارى قال حدثنا يحيى بن بكير فثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب

قال أخبرنى عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيدالله بن

عبدالله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم حين قال لها

أهل الافك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا . وكل حدثنى طائفة من الحديث وبعض

حديثهم يصدق بعضه بعضا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض . الذى حدثنى

عروة عن عائشة أن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت : كان النبى

صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها

خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة

غزاها فخرج سهمى فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل

في هودجى وأنزل فيه حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك

وقفل ودنونا من المدينة قافلين أذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما

قضيت شأنى أقبلت إلى رحلى فاذا عقد لى من جذع أظفار قد انقطع فالتمست

عقدى وحبسنى ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى فاحتملوا هودجى

فرحلوه على بعيرى الذى كنت ركبت وهم يحسبون أتى فيه وكان النساء إذا ذاك

خفافا ولم يثقلهن اللحم إنما يأكلن العلقة ( 1 ) من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج

* ( هامش ) * ( 1 ) أى القليل . ( * )

ـ 86 ـ

حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعد

ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلى الذى

كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونى فيرجعون إلى فبينا أنا جالسة في منزلى غلبتنى

عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش فأدلج ( 1 )

فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم فأتانى فعرفنى حين رآنى وكان يرانى

قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى فخمرت وجهى بجلبابى والله

ما يكلمنى كلمة ولا أكلمه وما سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته

فوطئ على يدها فركبتها فانطلق بى يقود بى الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا

موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك . وكان الذى تولى الافك عبدالله بن أبى

ابن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول

أصحاب الافك لا أشعر بشئ من ذلك وهو يريبنى في وجعى أنى لا أعرف من

رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذى كنت أرى منه حين أشتكى إنما يدخل على رسول

الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذى يريبنى ولا أشعر

بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معى أم مسطح قبل المناصع وهو متبر زنا

وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ السكنف قريبا من بيوتنا

وأمرنا أمر العرب الاول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن

نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهى ابنة أبى رهم بن عبدمناف

أمها بنت صخربن عامر خالة أبى بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت

أنا وأم مسطح قبل بيتى قد غرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت

تعس مسطع فقلت لها بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا قالت أى هنتاه أولم

* ( هامش ) * ( 1 ) أى نزل من آخر الليل . ( * )

ـ 87 ـ

تسمعى ما قبل ؟ قلت وما قال ؟ قالت فأخبرتنى بقول أهل الافك فازددت مرضا

على مرضى فلما رجعت إلى بيتى ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعنى سلم ثم قال كيف

تيكم ؟ فقلت أتأذن لى أن آتى أبوى قالت وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر

من قبلهما قالت فأذن لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوى فقلت لامى يا أمتاه

فما يتحدث الناس قالت يا بنية هونى عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند

رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت فقلت سبحان الله ولقد تحدث

الناس بهذا . قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ ( 1 ) لى دمع ولا أكتحل

بنوم حتى أصبحت أبكى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بن أبى طالب وأسامة بن

زيد حين استلبث الوحى يستأمرهما في فراق أهله قالت فأما أسامة بن زيد

فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى يعلم من براءة أهله وبالذى

يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا . وأما على بن أبى

طالب فقال يا رسول الله : لم يضبق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل

الجارية تصدقك قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال إيه بربرة هل رأيت

من شئ يريبك قالت بربرة والذى بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه ( 2 )

عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن

فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبدالله بن أبى بن سلول قالت فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرنى ( 3 ) من رجل قد بلغنى

أذاه في أهل بيتى فوالله ما علمت عن أهلى إلا خيرا . ولقد ذكروا رجلا ما علمت

عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلى إلا معى فقام سعد بن معاذ الانصارى

* ( هامش ) * ( 1 ) أى لا ينقطع .

( 2 ) أى أعيبه

( 3 ) أى من يقوم بعذرى إن كافأته على سوء صنيعه . ( * )

ـ 88 ـ

فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الاوس ضربت عنقه وإن كان من

إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد

الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد كذبت

لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمر سعد بن

معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن

المنافقين فتثاور الحيان الاوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله

عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى

سكتوا وسكت قالت فمكثت يومى ذلك لا يرقأ لى دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح

أبواى عندى وقد بسكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لى دمع يظنان

؟ ؟ ؟ البكاء فالق كبدى قالت فبينما هما جالسان عندى وأنا أبكى فاستأذنت

على امرأة من الانصار فأذنت لها فجلست تبكى معى قالت فبينما نحن على ذلك

دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندى

منذ قيل لى ما قيل قبلها ولقد لبث شهرا لا يوحى اليه في شأنى قالت فتشهد رسول الله

صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال أما بعد يا عائشة فانه قد بلغنى عنك كذا

وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله

وتوبى اليه فان العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت فلما

قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه قطرة

فقلت لابى أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال والله ما أدرى ما أقول

لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لامى أجيبى رسول الله صلى الله عليه وسلم

فقالت ما أدرى ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فقلت وأنا جارية

حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث

حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إنى بريئة والله يعلم أنى بريئة

ـ 89 ـ

لا تصدقونى بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة لتصدقونى ،

والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبى يوسف قال فصبر جميل والله المستعان على

ما تصفون قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشى قالت وأنا حينئذ أعلم أنى بريئة

وأن الله مبرئى ببراءتى ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأنى وحيا

يتلى ولشأنى في نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت

أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئنى الله بها قالت فوالله

مارام ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله

عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ( 2 ) حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في

يوم شات من ثقل القول الذى ينزل عليه قالت فلما سرى عن رسول الله صلى الله

عليه وسلم سرى عنه وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها يا عائشة أما الله

فقد برأك فقالت أمى قومى اليه قالت فقلت والله لا أقوم اليه ولا أحمد إلا الله .

وأنزل الله ( إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم ) العشر الآيات كلها فلما أنزل الله

هذا في براءتى قال أبوبكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه

وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ما قال فأنزل الله

( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين و المهاجرين في

سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) قال

أبوبكر بلى والله إنى لاحب أن يغفر الله لى فرجع إلى مسطح النفقة التى كان ينفق

عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا . قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل

زينب ابنة جحش عن أمرى قال يا زينب ماذا علمت أرأيت فقالت يا رسول

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : مابرح .

( 2 ) البرحاء في أصل معناها : شدة الحمى وشدة الكرب . ( * )

ـ 90 ـ

الله أحمى سمعى وبصرى ما علمت إلا خيرا قالت وهى التى كانت تسامينى من

أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت

فيمن هلك من أصحاب الافك . قال البخارى ثنا محمد بن كثير قال أنا سليمان

عن حصين عن أبى وائل عن مسروق عن أبى مروان عن أم رومان أم عائشة

أنها قالت لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها . ( 1 )

* ( هامش ) * ( 1 ) في حاشية الاصل " بلغ مقابلة لله الحمد " . ( * )

ـ 91 ـ

ـ ذكر فوائد تتعلق بخبر بنى المصطلق وحديث الافك ـ

............................................................................

- عيون الاثر مجلد: 2 من ص 91 سطر 1 الى ص 99 سطر 17

ـ ذكر فوائد تتعلق بخبر بنى المصطلق وحديث الافك ـ

المصطلق هو جزيمة بن كعب من خزاعة . والمر يسيع ماء لهم . وجهجاه بن

مسعود وقال أبوعمر جهجاه بن سعد بن حرام هو صاحب حديث " المؤمن يأكل

في معى واحد " وقيل إن ذلك قيل في غيره وقال الطبرى المحدثون يزيدون فيه

الهاء والصواب جهجا دون هاء وجهجاه هذا هو الذى جاء وعثمان رضى الله عنه

يخطب وبيده عصا النبى صلى الله عليه وسلم فأخذها وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت

فيها شظية منها فبقى الجرح وأصابته الاكلة وشدت العصا وكانت مضببة ذكره

ابن سلمة التجيبى في تاريخه . وسنان بن وبر باسكان الباء عند بعضهم الاموى

وقال أبوعمر سنان بن تيم ويقال ابن وبر وفى كتاب ابن شبة سنان بن أبير .

وحكى الاموى عن ابن اسحق سنان بن عمرو ويقال ابن وبرة . ومتن بالناس قال

صاحب العين ساروا سيرا ممانا أى بعيدا . وفى حديث الافك ذكر صفوان بن

المعطل قال السهيلى وكان يكون على ساقة العسكر يلتقط ما يسقط من المتاع ولذلك

نحلف في هذا الحديث وقد روى أنه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل

الناس ويشهد لذلك حديث أبى داود أن امرأة صفوان اشتكت به إلى رسول الله

صلى الله عليه وسلم فذكرت أشياء منها أنه لا يصلى الصبح فقال صفوان يا رسول

الله إنى امرؤ ثقيل الرأس لا أستيقظ حتى تطلع الشمس فقال له النبى صلى الله عليه وسلم

إذا استيقظت فصل . وقتل صفوان شهيدا في خلافة معاوية واندقت رجله يوم قتل

فطاعن بها وهى منكسرة حتى مات . وجذع ظفار قال يعقوب مدينة باليمن وقد

ـ 92 ـ

وقع جذع طعارى وهو أيضا صحيح . وأم رومان زينب بنت عامر بن عو يمر

ابن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحرث بن غنم كذا قال

مصعب ، وغيره يخالفه وقد وقع في الصحيح رواية مسروق عنها بصيغة العنعنة

وغيرها ولم يدركها ، وملخص ما أجاب به أبوبكر الخطيب أن مسروقا يمكن أن

يكون قال سئلت أم رومان فأثبت الكاتب صورة الهمزة ألفا فتصحفت على من

بعده بسألت ثم نقلت إلى صيغة الاخبار بالمعنى في طريق وبقيت على صورتها

في آخر ومخرجها التصحيف المذكور . ومسطح لقب واسمه عوف بن أثاثة بن عباد بن

المطلب بن عبد مناف . ذكر الاموى عن أبيه عن ابن اسحق قال قال أبوبكر لمسطح

يا عوف ويحك هلا قلت عارفة * من الكلام ولم تتبع به طمعا

وأدركتك حميا معشر أنف * ولم تسكن قاطعا يا عوف منقطعا

فأنزل الله وحيا في براءتها * وبين عوف وبين الله ما صنعا

فان أعش أجز عوفا عن مقالته * شر الجزاء إذا ألفيته تبعا

قال أبوعمر أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالذين رموا عائشة بالافك حين نزل القرآن ببراءتها

فجلدوا الحد ثمانين فيما ذكر أهل السير والعلم والخبر . ووقع في هذا الحديث

فقام سعد بن معاذ الانصارى فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه ووقع عند أبن إسحق

في هذا الخبر بدل سعد بن معاذ أسيد بن حضير فمن الناس من يرى أن ذكر سعد

في هذا الخبر وهم لان سعدا مات عند انقضاء أمر بنى قريظة ويرى أن الصواب

ما ذكره ابن إسحق من ذكر أسيد بن حضير . ولو اتفق أهل المغازى على أن وقعة

الخندق وبنى قريظة متقدمة على غزوة بنى المصطلق لكان الوهم لازما لمن رآه

كذلك ولكن هم مختلفون في ترتيب هذه المغازى كما سبق في هذه وغيرها . ورأيت

ـ 93 ـ

عن الحاكم أبى عبدالله أن سبب هذا الخلاف إنما هو لا ختلاف في التاريخ

هل هو لمقدم النبى صلى الله عليه وسلم في ربع الاول كما هو عند قوم أو للعام الذى

قدم فيه كما هو عند آخرين وذلك لا يتم لامرين أحدهما أن تلك المدة التى وقع

الاختلاف فيها إنما هى نحو ثلاثة أشهر وهى من أول العام إلى ربيع الاول وزمن

الخلاف أوسع من ذلك فهذه الغزوة عند ابن عقبة في سنة أربع . وعند غيره في

شعبان سنة ست . الثانى أنها مختلفة الترتيب عندهم في تقديم بعضها على بعض

فهذه عند ابن سعد وجماعة قبل الخندق وعند ابن اسحق وآخرين بعدها وذلك

غير الاول وأما ابن سعد فانه يؤرخ هذه الوقائع بالاشهر لا بالسنين .

وفى هذه الغزوة نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن العزل أخبرنا أ بوعبدالله بن عبدالمؤمن

بقراءة الحافظ أبى الحجاج المزى عليه وأنا أسمع بمرج دمشق قال له أخبركم

المؤيد بن الاخوة إجازة من أصبهان فأقر به قال أنا زاهر بن طاهر الشحامى

قال أنا أبوسعد الكنجروذى قال أنا أبوطاهر محمد بن الفضل قال أنا جدى

أبوبكر محمد بن إسحق بن خزيمة فثنا على هو ابن حجر فثنا إسماعيل هو ابن

جعفر فثنا ربيعة هو ابن أبى عبدالرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ

عن ابن محير يزأنه قال : دخلت أنا وأبوصرمة على أبى سعيد الخدرى فسأله أبو

صرمة فقال يا أبا سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر العزل ؟ فقال نعم

غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بنى المصطلق فسبينا كرائم العرب فطالت علينا

العزبة ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم

بين أظهرنا لانسأله فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا عليكم أن لا تفعلوا

ما كتب الله خلق نسمة هى كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون . قال ابن سعد وفيها

سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه فنزلت آية التيم . فقال أسيد بن الحضير

ـ 94 ـ

ماهى بأول بركتكم يا آل أبى بكر . قرأت على أبى الفتح الشيبانى بدمشق أخبركم

الخضر بن كامل قراءة عليه وأنتم تسمعون قال أنا أبوالدر ياقوت بن عبدالله

الرومى سماعا " ح " قال الشيبانى وأنا أبواليمن الكندى إجازة إن لم يكن سماعا

قال أنا ابن البيضاوى قالا أنا أبومحمد بن هزار مرو قال أنا المخلص فثنا البغوى

فثنا مصعب بن عبدالله الزبيرى قال حدثنى مالك عن عبدالرحمن بن القسم عن

أبيه عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره

حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدى فأقام رسول الله صلى الله

عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فجاء

أبوبكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذى قد نام فقال حبست رسول الله

صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت عائشة فعاتبنى أبوبكر وقال

ماشاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتى فلا يمنعنى من التحرك إلامكان

رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح

على غير ماء فأنزل الله تعالى آية التيمم فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء

ما هذا بأول بركتكم يا آل أبى بكر قالت فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا

العقد تحته . قال البغوى هذا معنى لفظ الحديث . وروى الطبرى في معجمه من حديث

محمد بن إسحق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت

لما كان من أمر عقدى ما كان قال أهل الانك ما قالوا فخرجت مع النبى صلى

الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدى حتى حبس التماسه الناس وطلع

الفجر فلقيت من أبى بكر ماشاء الله وقال لى يابنية في كل سفرة تكونين عناء

وبلاء وليس مع الناس ماء فأنزل الله الرخصة بالتيمم فقال أبوبكر والله يا بنية

إنك لما علمت مباركة . فهذه الرواية تقتضى أن الواقعتين كانتا في غزوتين والله أعلم

ـ 95 ـ

ـ سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ـ

قال ابن سعد بعد ذكر غزوة الغابة وهى غزوة ذى قرد : ثم سرية عكاشة بن

محصن الاسدى إلى الغمر غمر مرزوق مفتوح الغين المعجمة ساكن الميم بعدها راء

مهملة . وهو ماء لبنى أسد . وكانت في شهر ربيع الاول سنة ست . قالوا وجه رسول الله

صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا قال الواقدى فيما

حكاه عنه الحاكم أ بوعبدالله فيهم ثابت بن أقرم وسباع بن وهب فخرج سربعا

يغذ ( 1 ) السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا عليا بلادهم ووجد ديار هم ؟ ؟ ؟ ( 2 ) فبعث

شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربئة ( 3 ) لهم فأموه فدلهم

على نعم لبنى عم له فأغاروا عليها فاستاقوا مئتى بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم

إلى المدينة وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا . وقال ابن

عائذ أمير هم ثابت بن أقرم ومعه عكاشة بن محصن الاسدى حليف بنى أمية

ابن عبد شمس ولقيط بن أعصم حليف بنى عمرو بن عوف ثم من بنى معاوية

ابن مالك من بلى فأصيب فيها ثابت . كذا وجدت عن الحاكم سباع بن وهب ولعله

شجاع بن وهب الذى يأتى ذكره بعد ذلك .

* ( هامش ) * ( 1 ) أى : يسرع .

( 2 ) أى : أهلها غائبون .

( 3 ) أى : طليعة . ( * )

ـ 96 ـ

ـ سرية محمد بن مسلمة إلى ذى القصة ـ

بفتح القاف والصاد المهملة

قال ابن سعد في ربيع الآخر سنة ست قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه

وسلم محمد بن مسلمة إلى بنى ثعلبة وبنى عوال وهم بذى القصة وبينها وبين

المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة في عشرة نفر فوردوا عليهم ليلا فأحدق

يهم القوم وهم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الاعراب عليهم بالرماح

فقتلوهم ووقع محمد بن مسلمة جريحا فضرب كعبه فلا يتحرك وجردوه من الثياب

ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين فمله حتى ورد به المدينة فبعث رسول

الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارعهم فلم يجدوا أحدا</


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق