]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مستويات الابداع في كتاب نسيان كوم لأحلام مستغانمي

بواسطة: Wahab Khaled  |  بتاريخ: 2012-07-28 ، الوقت: 23:21:06
  • تقييم المقالة:

مستويات الإبداع في كتاب  " نسيان COM" لأحلام مستغانمي

 

دراسة وصفية تحليلية      بقلم الأستاذ : وهاب خالد                                      

 

وصف بانورامي للكتاب:

    " يحظر بيعه للرجال " عبارة مكتوبة بلون أحمر داخل دائرة حمراء . تتصدر دفّة الكتاب  وكأنها إحدى إشارات المنع على الذكورة ، منع متعمد من طرف المؤلفة ، ربما يكون لأغراض دعائية محضة  فالكاتبة تعمد إلى تطبيق مقولة : " كل ممنوع مرغوب " ، فهي متأكدة بأنّ الرجال سيتسللون لواذا لقراءة كتابها، لهذا نجدها في الصفحات الأولى ترغم نفسها على كتابة توضيح للرّجال المتسللين إلى هذا الكتاب بهدف التفتيش والتنقيب والبحث عن العوالم الخفية والمناطق المعتمة وربما الجوانب المسكوت عنها من حياة الأنثى تلك التركيبة الغريبة والعجيبة التي تغري الذكور بل وترغمهم على ضرورة القيام بمغامرة الكشف عن كنوزها المدفونة في ضميرها ووجدنها ، وقد ساهمت المبدعة في كشف المناطق المعتمة من الحياة النفسية الشعورية للمرأة محاولة انتشالها من أرض الضياع ومد يد المساعدة لها من خلال الوصفات السحرية التي أجهدت نفسها في إعدادها كي تخطو خطو ة إلى الأمام في سبيل نسيان الرجل الذي أضاعها وأضاع قافلته في عرض الصحراء فكيف السبيل إذن لإعادة الوفاق بين كل من الطرفين ( الأنوثة / الذكورة ) ؟ وهل بإمكان كل طرف الاستغناء عن الآخر ، أم أن هذه الثنائية ما هي إلا أحد الأركان التي يؤسس عليها الأديب نصه الإبداعي من أجل خلق نوع من الألفة والالتحام العاطفي بينه وبين متلقيه ؟  ثم ما هي العوالم والمستويات الإبداعية التي ابتدعتها الكاتبة من أجل معالجة قرائها من براثين الذاكرة التي تصر على تشكيل صورة الآخر ( الأنوثة / الذكورة ) كلما توافر الشروط المواتية لمثل هذا التجلي .

   للإجابة على هذه الأسئلة . سأعتمد على منهج وصفي تحليلي ، كما أني سأستعير من المنهج البنيوي أحد أدواته النقدية الإجرائية والمتمثلة في الثنائيات الضدية ، وذلك من أجل جعل الدراسة أكثر علمية لان مثل هذا المنهج يعمل على دراسة النص بوصفه ظاهرة لغوية أبداعية ، دون التطرق إلى الجوانب الخارجية ، وذلك بهدف الوصول نتائج أكثر دقة وعلمية .

والآن أن الأوان لفتح دفة الكتاب ، لنجد أحلام مستغانمي تخاطب أولئك الرجال المتسللين إلى الكتاب قائلة  :

    " هذا الكتاب يسمح لمن تسلل من الرجال هنا ، أن يتعلم من أخطاء غيره من الذكور من باب " تعلم الأدب من قليل الأدب " ، عليهم أن يتعلموا الحب من قليلي الحب ، أن يعتبروا بمصائر الكاذبين والخونة والمتذاكين و الأنانيين ، وليأخذوا علما أنّ النساء استيقظن من سباتهنّ الأزلي ." 1

    تنصب الكاتبة نفسها رسوله للأنوثة ، ومدافعة عن حقوقها التي أهدرتها الذكورة المتغطرسة الأنانية التي تعتبر المرأة مجرّد متع يستبحه الرجل متى شاء وكيفما شاء ؟ لهذا فهي تدعو أترابها، ومن يؤمن بقضايا المرأة من الرجال  إلى ضرورة التكتل والانضواء تحت لواء حزب أنشأت له موقعا على شبكة الانترنيت تقول : " إلى من يشاركني الرأي ، ويود الانخراط في حزب جديد لا ذاكرة له ، ولا سوابق مصرفية ، ولا تاريخ دموي ، ولا شعارات نضالية أو أصولية ، بإمكانه الانضمام إلينا في موقع : WWW,NESSYANE, C0M،

    ليس في مشروعنا من خطة ، سوى مواجه امبريالية الذاكرة ، والعدوان العاطفي للماضي علينا . ليس في جيوبنا وعودا بحقائب وزارية ، فقط نعدكم بأن نحمل عنكم وزر الخيبات " 2

   نجد المؤلفة بفضل حسها الأنثوي النادر لا تضع الرجال جميعهم في خندق المغضوب عليهم ، بل نجدها تميز بين الرجال المتغطرسين ، والرجال الحقيقيين تقول : " أما الرجال الحقيقيون فاعتذر لهم ، أحب إثم ذكائهم ، فأنا واثقة أنهم سينجحون في رشوة النساء بما يملكون من وسائل " رجالية " ، لا تصمد أمام إغراءاتها امرأة " 3

   وهكذا نجد الكاتبة تصر على بناء نصها  وفق ثنائية ضدية تتمثل في ثنائية ( الذكورة/ الأنوثة ) محاولة الانتصار لأبناء جلدتها بكل ما أوتيت من قوة ، محوّلة الأدب إلى مرشد عاطفي مساعد لهن في نسيان الخيبات المتتالية التي منيت بها النساء في معاركهن الخاسرة ضد الرجل وفي هذا الصدد تقول :" لا يمكن حصر عدد الكتاب الذين عبر الأزمنة والحضارات وبكل اللغات عملوا مرشدين عاطفيين للتائهين من العشاق في الأزقة والشوارع الجانبية للحب " 4

مستويات الخطاب الإبداعي :

   في سبيل إقناع قارئها للانضواء تحت لواء حزبها الذي أصبح معروفا بالنسبة لهم تحت اسم " النسيان " لم تدخر المبدعة جهدا في تفجير كل طاقاتها الإبداعية الأدبية والفنية والعلمية فعبر متنها الموسوم بـ " نسيان   Com"  الذي هو عبارة عن كتاب يحوي حوالي 336صفحة نجدها توظف مقدرتها الأدبية المتميزة معتمدة في المقاطع النثرية التي تمثل حوالي نسبة ( 95%  ) من الكتاب على أسلوب الحكي المدعم بأسلوب الإقناع المستوحى من التجارب الواقعية التي عايشتها الكاتبة ،  سواء عبر فعل القراءة والمطالعة أو عبر فعل الإنصات والإصغاء لتجارب الآخرين .

    فيما تمثل ( 5 %) من الكتاب مقاطع شعرية ومقولات لبعض عظماء الثقافة والفن ، موظفة إياها بغرض استمالة المشاعر والأحاسيس من أجل تخفيف وطأتها على قارئها ، وبهذا نجد الخطاب الأدبي يتوزع على عدّة  مستويات لعل أبرزها المستوى الوعظي الإرشادي والمستوى التلقيني التعليمي والمستوى العلمي النقدي والمستوى النفسي التحليلي لبعض الظواهر التي تخص كل من عالمي الذكورة والأنوثة  وفيما يلي بسط لهذه المستويات

المستوى الوعظي الإرشادي :

   ارتبط هذا المستوى بالجانب الديني مع ظهور الرسالات السماوية ، فهمة الرسول النبي هي إرشاد ووعظ أتباعه إلى ما هو صلاح لهم ، وقد امتدت هذه المهمة فيما بعد إلى كل من الكاهن والقديس والإمام   وغالبا ما نجد الواعظ أو المرشد ( المرسل للخطاب ) له خلفية معرفية مسبقة حول أولئك الذين سيلقي عليهم خطابه بغرض الإبلاغ المدعم بأسلوب الإقناع ، ومثل هذا الخطاب لابد وأن يكون ذا منهجية علمية محددة تجعله مستساغا ومقنعا من طرف متلقيه ، وقد استعارت الكاتبة هذا الأسلوب لتدرجه ضمن دائرة نصها الإبداعي محددة الفئة المستهدفة ( الأنثى التي تعاني من الخيبات التي سببها الذكر ) وكذا المقصدية من وراء هذا الخطاب الوعظي الإرشادي ، والمتمثلة في إقناع  الأنثى بنسيان هذا الكائن المراوغ الذي يرتبط ذكره عندها بالألم والمعاناة ، ففي الفصل المعنون بـ : " اختبري بتقواه ... أخلاق قلبه "  تسدي الكاتبة بعضا من نصائحها تقول :

" لا تطمئني إلى رجل انصرف عن طاعة الله مأخوذا بدنياه ، إنّ من لا يعترف بفضل الله عليه لن يعترف بجميلك .

ومن لا يستحي من ملاقاة الله مذنبا ، سيذنب في حقك دون شعور بالذنب . ومن ترك صلاته وصيامه بذرائع واهية ، وقد تربى عليها سيعثر حين يشاء عن الذرائع التي يحتاجها لترك .

ومن لا يرى أبعد من حياته ولا يحسب للآخرة حسابا هو في الحب لا يرى أبعد من لحظته ، ولن يصدق في التزامه معك أبعد من يومه .

ومن نسي أنّ الله يراه ، سينسى أن يرى دموعك حين تبكين ظلمه .

ومن لم يعتد التضرع إلى الله طلبا للغفران ، لن تجدي معه عند الحاجة تضرعاتك .

ومن لم يغالب كبرياءه عن إيمان سيطغى ، ويغدو التجني عقيدته . ومن لم يطمئن الايمان قلبه ، سيسوء ظنه ، ويسود باطنه ، ويسكن الوسواس قلبه ولن تعرفي معه الأمان .

ومن لم يزينه بهاء التقوى ستشوهه كل زينة عداه ، وسيشوهك في آخر المطاف كي لا ينفضح بك . " 5

   تعتمد الكاتبة في إسداء نصائحها على مورثها الثقافي الديني ، الذي لا يتعارض مع الخلفية الثقافية للفئة المستهدفة من المتلقين ، وهذا ما يجعل خطابها الوعظي مقنعا تنسل كلماته مخاطبة العقل ومستميلة النفوس إلى تقبل هذه الحكم المضيئة ،  التي ترسم ملامح للرجل الذي يمكنه إقناع المرأة ، هذه الملامح في الحقيقة ما هي إلا وحي الإله الحكيم العليم .

    وقد جاءت هذه الحكم المضيئة ضمن تراكيب لغوية تعتمد صيغة النفي تليها مباشرة صيغة الإثبات وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية الغرض منه الإقناع ، ومثل هذه الأساليب الحجاجية نجدها موظفة بكثرة في فن الخطابة  . والمتمعن في هذه التراكيب اللغوية يجدها تتعمد ذكر ضد الشيء لتثبيت المعنى المقصود ، مطبقة القاعدة المشهورة " بالضد تعرف الأشياء ، فعندما نتلفظ بكلمة الليل لابد وأن ترتسم صورة ذهنية  للنهار

صيغة النفي  =    الرجل الغافل           صيغة الإثبات          ناكر للجميل

                              ضده          

المعنى المراد إثباته =  الرجل المنتبه       صيغة الإثبات         معترف بالجميل

   إن مخاطبة النفوس بما تالفة من حديث يجعلها تستكين وتهدأ ، فما بلك بمخاطبتها بما تعتقده وتذعن له طواعية ، لا شك وأنها ستنساق لحديثك ولن تختلف معك قيد أنملة ، لذا فإن توظيف الخاطب الديني في شكل حكم وفوائد مضيئة سيكون مقنعا أشد الإقناع ، لأنه لا يتعارض مع ما جبلت عليه كل من الذكورة والأنوثة من قيم وأخلاق.

المستوى النفسي التحليلي :

   كثيرا ما تم توظيف الأدب كأداة لفهم أغوار النفس الإنسانية ، وما الأبحاث والدراسات التي قام بها العالم النفسي " فرويد " وأتباعه إلا محاولات للكشف عن خبايا هذه النفس في أرقى مستوياتها لحظة الإبداع والخلق الأدبي وذلك ضمن مسلكين : " الأول يتعلق بفهم شخصية الفنان بما تنطوي عليه من عقد وأمراض ، وذلك من خلال دراسة العمل الفني وجعله وثيقة نفسية ، والثاني يتعلق باتخاذ شخصية الفنان أو نفسيته كأداة لفهم وتفسير العمل الفني " 6  ، إذ الأدب ما هو إلا صياغة فنية لتجربة إنسانية هذه التجربة لا يمكن في أي حال من الأحوال فصلها عن النوازع النفسية ، التي تتجاذبها والتي ترغمها على نقل هذه الأحاسيس والعواطف في شكل تراكيب لغوية تعبيرية تؤطرها رسومات وخطوط ( التي أصبحت مع تطور الإنسان تعرف بحروف الأبجدية ) .

    ولأن الكاتبة تعتمد في نقل هذه المشاعر والأحاسيس على ما يسمى في النقد البنوي بالثنائيات الضدية : " التي هي عبارة عن بنيات موضعية تتصادم داخل النص ، وبدراستها يتم استخلاص المعنى العام الذي تدور حوله ، ليتم فيما بعد تأويله. " 7  

   وأهم ثنائية ضدية اعتمدت من طرف الكاتبة هي :  ( الذاكرة / النسيان ) فالوظيفة الأساسية للذاكرة هي : العمل على حفظ الواقع المختلفة التي تمرّ بالإنسان فهي تقوم بتدوين هذه الوقائع ضمن شريط ذهني  بحيث عندما يتم استدعاء واقعة معينة لابدّ وأن تتوفر لها شروط معينة حتى يتم استدعها .

    أمّا فعل النسيان فإنه فعل تدميري عنيف يقوم على محو ومسح هذه الوقائع مثلما يحدث عند إزالتنا لملف غير مرغوب فيه من قائمة المستندات ، لنجده فيما بعد في سلة المحذوفات ، وحتى وأن تم حذفه من هذه السلة ، فإنه سيبقى موجودا في وحدة التخزين الخاصة بالحاسوب الذي نتعامل معه . إذن ففعل النسيان يبقى مجرّد وهم يخفف من وطأة الذكريات ولا يمكنه أبدا تدميرها ومحوها تماما .

   وفيما يلي عرض للمستوى النفسي التحليلي المرتبط بهذه الثنائية :

تقول الشاعرة أحلام مستغانمي في كتابها " نسيان كوم " :  8

 

" أيها النسيان أعطني يدك

كي أسير في مدن الذكرى معك

نضج الفراق

على شفاهي أزهرت قبل الوداع

لك قطافي .. يا نسيان هبني قبلتك   

            *                  *                 *                             

نسياني ..يا نسياني

امرأة تشبهني يوما بكت

من رجل كم يشبك

ها هي اليوم سلت

هو هناك .. وهي هنا تراقصك

                                *                   *                  *

يا قدري .. يا أملي .. يا رجلي من دون الرجال

يا نسياني

راقصني ... خاصرني .. طيرني .. غازلني

" قل ما أجملك "

بك أحتفي .. لك أفي

مادمت لي ..مادمت لك

لن أرتدي حداد الحب                                  من نص " أيها النسيان هبني قبلك "   حزيران 2007

 

 

 

     تصرّ أحلام الشاعرة على منح الأنثى إكسير الشفاء من الذكور. عبر مد جسور تصل إلى المشاعر والأحاسيس فيجعلها تنتفض وتستيقظ من غفلتها التي لونها الرجل بمختلف الحيل والأساطير. التي قامت بخداع الأنثى لردح من الزمن ، جعلتها تستنيم لإرادته . وليس أقدر من فن الشعر على مد مثل هذه الجسور، ولهذا فهي تستدعي عبر أسلوب النداء( النسيان ) المضاد الموضوعي للذاكرة التي أسرها الرجل . تستدعيه لتسير معه جنبا إلى جنب في مدن الذكرى ، هذه المدن التي سلبت الإنسان إنسانيته فأصبح وحيدا على الرغم من أنه محاط بمجموعة من البشر ، مما يجعل الذاكرة مهيأة لاستدعاء مختلف الوقائع ، فالوحدة أرض خصبة لاشتغال الذاكرة ، ولتعطيل فعل التذكر ، لابد من اشتغال فعل النسيان الذي لا يكون إلا بالفراق والابتعاد عن كل الأشياء التي من شأنها تحريض الذاكرة على استحضار الصور الذهنية لتلك الوقائع ، لهذا فإن النسيان يصبح عبارة عن مسكن لأوجاع الأنثى المحاصرة بالذكورة على كل المستويات من الإنسان البدائي إلى ارقي صور الإنسان الحضاري ، وبما أن اللغة من أرقى المستويات الحضارية التي ابتكرتها البشرية ، فأنها لا تنفك تحاصر هي الأخرى الأنوثة ، ولأن " فعل الكتابة يمارس وعيه على ذواتنا ، وهو إذ يمارس وعيه يقوم باستدعاء قبيلة من الآباء والأجداد القابعين في الذاكرة ، والذين نجرهم وراءنا لأنهم ببساطة جزء من تفكيرنا فهم من أعطوا للغتنا شكلها وقوانينها التي نتوارثها جيلا فجيل ، ولأن العبقرية اللغوية التي ورثناها  تجعلنا نميز بين الألفاظ الموجه للمذكر ، والألفاظ الموجه للمؤنث وذلك في جميع تعاملاتنا اليومية الشفوية منها والكتابية . " 9

    والشاعرة التي نحن بصدد تحليل قصيدتها لا بد لها من الاحتكام لمنطق هذه اللغة المتوارث حتى يمكنها التواصل مع قراءها الذين تحكمهم نفس القوانين والضوابط اللغوية ، ولو أنها حاولت الابتعاد عن منطقية هذه اللغة فإنها حتما ستجد نفسها في معزل عنهم ، فحينما وظفت الشاعرة أحلام  لفظة ( النسيان ) وهي لفظة مذكرة من الناحية اللغوية ، لم تكن تدري بأنها ستقع في فخ الذكورة من جديد ،  لاسيما عندما أرادت إسناد أفعال لهذه اللفظة ( النسيان ) ، وهذا ما أجبرها على الاحتكام إلى منطق اللغة فقامت بتوظيف أفعال لابد أن تستدعي حضور الرجل على الأقل ذهنيا في الوقت الذي كانت تعمل فيه جاهدة على تغيبه  حيث تقول :      " يا قدري .. يا أملي .. يا رجلي من دون الرجال                

                   يا نسياني

 

                        راقصني ... خاصرني .. طيرني .. غازلني

 

                 " قل ما أجملك

 

   وهكذا يصبح النسيان صورة أخرى للذكورة ، تلك الذكورة التي تحاول الأنثى تأثيثها من جديد وفق متطلباتها وحاجاتها وتصوراتها ، هذه التصورات في الحقيقة ما هي إلا ظل من ظلالها ، ففعل المراقصة والمغازلة والمخاصرة لا يمكن أن تكون إلا أفعالا تستدعي حضور الرجل ، وهكذا نجد مطلع القصيدة يعلن ضرورة التخلص من أسر الذاكرة ، من خلال استدعاء فعل النسيان . الذي لا تذكره الشاعرة إلا في ظل موقف ايجابي يهبها أنوثتها المسلوبة من طرف الذكر، ولكنها في المقطع الختامي من القصيدة تقر بأن النسيان الذي وهبته أنوثتها قد تحول إلى رجل ، وذلك بعد أن  منحته صفات وأفعالا تستدعي حضوره، وهكذا يصبح المقطع الأخير انكسار لمسيرة القصيدة الايجابي ، فقد اتجهت بها إلى نهاية مأزومة بالخيبات ، ومع أنّ الشاعرة " لن ترتدي حداد الحب  " إلا أنّ هذا يعبر عن المفارقة ، فعدم ارتدائها ثوب حداد الحب . يعني أنها قد وجدت حبا جديدا ، والمتمثل في الوفاء للنسيان الذي بساطة قد ألبسته ثوب الذكورة من جديد عبر استدعاء أفعالها ( المغازلة ، المراقصة ... )     وهكذا يصبح من العبث إخماد ( فعل الذاكرة ) باستدعاء ( فعل النسيان )  ، الذي اتخذته الأنوثة كأحد أسلحتها المشهورة في مواجهة الذكورة .

 

                           مسار القصيدة

                                                   المقطع الأول

                                                    (+) (الأنوثة / النسيان )

 

 

 

المقطع الأخير(--) ( الذكورة / الذاكرة )

 

 

 

 

 

 

 

    إلا أن الكاتبة عبر هذا الوسيط اللغوي ( القصيدة ) استطاعت أن تبني بينها وبين أولئك الذين يتلقون خطابها مساحة للتراسل الوجداني المؤسس على فرضية أن الأديب بإمكانه أن يتقمص دور المرشد العاطفي ، وذلك بغية التخفيف من حدة بعض المشاعر غير المرغوب فيها . وعبر القصيدة التي تم تحليلها أنفا ، وعلى الرغم من مسارها المنكسر( من الموجب إلى السالب )إلا أنها قدمت بدائل أخرى ولو أن هذه البدائل قد ارتدت أثوابا زائفة غير أثوابها، فكانت بذلك بمثابة المسكن لا الدواء الشافي .

المستوى العلمي النقدي :

    تقوم المبدعة بإنشاء مساحة أو فضاء تفاعلي للتواصل مع قرائها مستخدمة هذه المرة تقنية الوسائط الالكترونية، كالقرص المرفق بكتابها والمعنون بـ " أيها النسيان هبني قبلتك " وهو عبارة عن قرص سمعي يتضمن بعض من أشعار الأديبة المغناة من طرف  الفنانة " جاهدة وهبي " ، هذه الأشعار المغناة تعد بمثابة مسكنات نفسية للنساء اللواتي أصبح النسيان بالنسبة إليهن شر لابد ّمنه ، نسيان يجعل الأنوثة في مهب رياح عاتية تتقاذفها يمنا وشمالا ، وليست سوى الذكورة تنظرها في مقدمة الدرب الذي ستجتازه . وتدعيما لمشروعها هذا أي جعل المتلقين ضمن دائرة اهتمامها قامت بإنشاء موقع الكتروني حمل أيضا اسم " نسيان COM " تدعو من خلاله القراء إلى الانضمام والتواصل معها عبره ، وذلك من أجل طرح أفكارهم والمشاركة في عملية الإبداع ، وقد قامت بتقسيمه على النحول التالي :

 

نساء في مهب النسيان

 

نصائح لنسيان رجل

 

                           

 

مقولات عن النسيان

 

إلى الرجال الرجال

 

 

 

   وبمجرد ضغط المستخدم على إحدى هذه العبارات الوصلات، سيصل عبر تقنية " النص المتفرع(Hybertext )*"10 التي توفرها شبكة الأنترنيت إلى الفضاء المرغوب فيه . ليباشر عملية الإبداع والخلق الفني ، وينتقل بذلك من حالة الجمود والسكون إلى حالة الحركة والنشاط ، مما يجعله قارئا مشاركا ونشاطا ضمن فضاء النص ، فيضيء الزوايا المعتمة ، ويستنطق المسكوت عنه ، ويشارك في ملء فراغات النص ... وباختصار سيغدو منتجا بدل أن يكون مستهلكا .

   في الحقيقة هذه الأفكار التي عملت المبدعة على انجازها ضمن مشروعها هذا . هي حصيلة " جهد نقدي لمناهج ونظريات نقدية غربية حديثة مهتمة بالقارئ وبفعل القراءة " 11، وقد تمكنت أحلام مستغانمي _ بفعل مطالعاتها واحتكاكها المباشر بما يحدث داخل نوادي النقد الأدبي _ من ترجمة ما هو مدون على صفحات كتب أولئك المفكرين والنقاد إلى واقع ملموس . يمكن القارئ من التفاعل مع المقروء بيسر عبر استخدام مكتسبات التكنولوجيا ، إلا أنه لا يمكن أن ندعي أبدا بأنها أول من قامت بانشاء مثل هذا الموقع الأدبي التفاعلي ، لأن الغرب لهم ريادة السبق في هذا المجال ، فقد اقتحموا هذا العالم بل وأنتجوا الكثير من الكتب التفاعلية لاسيما في مجال الأدب الذي أصبح يعرف لديهم بـ ( الأدب التفاعلي )  فنجد القصيدة التفاعلية " التي هي نمط من الكتابة الشعرية ، التي لا يمكن أن تتجلى إلا عبر الوسيط الالكتروني ، وهي تقوم بتزويد ( المتلقي/ المستخدم ) بعدد من الظلال التي لا تعينه فقط على فعل التأويل ، وإنما تفتح له أبوابا في طرائق القراءة وأشكالها " 12، ويعتبر الشاعر الأمريكي ( روبرت كاندل _ Robert kendal) أول من بدأ الممارسة الفعلية ( للقصيدة التفاعلية ) ، وقد تحدث عن تجربته في نظم القصيدة التفاعلية قائلا : " في عام 1990 م عندما شرعت في كتابة القصيدة الالكترونية لم أكن اعرف أي شخص يمارس الكتابة الإبداعية على الشبكة ... وحدها كانت طيوري تحلق في ذلك الفضاء الالكتروني المطلق " 13 لتعمم هذه التقنية الجديدة في الكتابة على بقية الأجناس الأدبية ، فظهرت الروايات التفاعلية كرواية (شروق شمس69) للروائي الأمريكي ( روبرت أرلانو ) المعروف بـ( بوبي رابيد) والموجودة مجانا على شبكة الانترنيت على الربط التالي:  Start .htmـ69/WWW .SUNShine69 .com" 14"،والمسرحية التفاعلية كـ " مسرحية ( النورس البحري _ لتشيكوف ) " 15

    بعد أن عرفنا بأن هذه التقنية المستحدثة  في الكتابة ، هي تقنية تم ابتكارها من طرف الغرب في أواخر القرن المنصرم . لا نكون مبالغين إذا اعتبارنا المبدعة أحلام مستغانمي من  بين الكتاب الطلائعين الأوائل على الأقل في عالمنا العربي ، الذين عملوا على خلق فضاء تفاعلي عبر وسائط الكترونية  يمكنها استيعاب آراء وأفكار وحاجات القراء .  ولكن ما هي الاستراتجيات التي يقوم عليها هذا الفضاء ؟  وما هي الآليات التي تمكن القارئ من التفاعل معه ؟

 ( موقع نسيان com  ) كفضاء تفاعلي  :

   في عصر المعلوماتية أصبح من الضروري على أرباب الأدب مواكبة هذه التطورات العلمية المذهلة التي غيرت مجرى حياة الإنسان المعاصر فأصبح يتلقى عبر عدة قنوات كما هائلا من المعلومات ، لعل أبرز وأهم هذه القنوات هي الشبكة العنكبوتية العالمية أو الانترنيت بما توفره من فضاءات تفاعلية تجعل المتلقي / المستخدم في تفاعل مستمر متقمصا دور الباث حينا ودور المستقبل أحينا أخرى ، وبما أن الظاهرة الأدبية تستلزم لتشكيلها تظافر جهود طرفين هما الباث ( الكاتب ) والمستقبل ( المتلقي ) من أجل تبليغ وتفسير فحوى الرسالة ( النص )  ، فإنها بحاجة إلى خلق نوع من التفاعل النشط بين كل من القارئ والكاتب ، والأنترنيت هي الوسيط المساعد على إحداث مثل الامتزاج والتفاعل ، ولهذا فإن القيمة المضافة للأدب هي هذه التفاعلية والديناميكية التي تجعله فضاء رحبا للإبداع عبر طرح الأفكار والتصورات ، وكذا ملء فراغات  أو فجوات النصوص ، وإضاءة الجوانب المعتمة .

    إنّ على القارئ المعاصر الذي يحبذ ارتياد مثل هذه الفضاءات أن يؤمن أولا بأنه قارئ ايجابي نشيط  ومبدع أيضا يتفاعل مع المقروئ مبديا آراءه وتصوراته ومغيرا لبنيات النص بحسب ما توفره له هذه التقنية من تغيرات فيحذف أو يضيف أو يشكل صور تعبيرية أخرى أو يعلق على  حدث ما ...

وسأعرض الآن بعض المزايا التي توفرها هذه النصوص التفاعلية متخذا موقع ( نسيان com) أنموذجا

   إذا كان القارئ الورقي لا يملك إلا نصا في شكل كتاب ورقي . ينزوي به في ركن ليباشر عملية القراءة النمطية ، التي تبدأ بالصفحة الأولى وصولا إلى صفحة النهاية ، ليكون فيما بعد ،  المعنى الشامل للنص معطيا التفسير و التأويل المناسب له .

    فإن القارئ المتعامل مع التقنية الحديثة ( شبكة الانترنيت ) . سينزوي في ركن مقابل شاشة زرقاء تسافر به في عوالم افتراضية حسب ميولاته ورغاباته .

    " وإذا افترضنا بأنه سيقوم بفتح موقع : ( نسيان com) للأديبة أحلام مستغانمي ، فما عليه إلا كتابة رموزالموقع :  WWW.NESSYANE. C0M    ، وسيسافر في عوالمه عبر الضغط على الوصلات التي تحمل كل واحدة منها بنيات نصية موضعية ، متعلقة بجزء أو فكرة من الكتاب ،   وسيجد هذه الوصلات مرتبة في الموقع على النحو التالي :

 

نصائح لنسيان رجل

 

نساء في مهب النسيان

 

إلى الرجال الرجال

 

مقولات عن النسيان

 

 

 

 

  

ولنفترض مجددا أنه سيضغط على الوصلة التي تحوي البنيات النصية التالية : " نساء في مهب النسيان" فإنه عبر تقنية النص المتفرع (Hybertext )التي توفرها الشبكة سيصل إلى النص التالي :

 

 

 

 

 

             

 

      هذا الباب خاص بشهداتكنّ و تجاربكنّ في مواجهة الخيبات العاطفيّة. إنّه باب للدعم المتبادل بين النساء ننتظر أن تثرونه بخبراتكن. زوّدننا بيوميّات نسيانكن، لنطمئن على صحتكنّ العاطفيّة. وُجد هذا الباب لدعمكنّ في معركتكنّ مع الذاكرة. و سنكون سعيدات بتلقّي رسائلكن. على أمل أن تشي يوما بعد يوم بمزاجكنّ الجميل، و بدخول حبّ جديد في حياتكنّ. من تريد منكنّ أن تُوصل خبر لرجل كم أصبحت سعيدة بعد النسيان، نحن بخدمتها. و من تريد أن نحتفل معها بعيد نسيانها، و بتحطيمها رقماً قياسيّا في لامبالاتها، عليها أن تزوّدنا بالتاريخ، حتى تتكفّل القارئات بإرسال برقيات التهنئة لها. للنساء فقط لا تنسين إبداء رأيكن

 

           

 

Designed and Developed by Yammine Elias2009

الصفحة الرئيسية |نصائح لنسيان رجل | نساء في مهب النسيان | مقولات عن النسيان | الى الرجال الرجال

 

 

نساء في مهب النسيان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

     وبعد الفراغ من قراءة النص . سيكون بإمكان ( المتلقي / المستخدم ) إبداء رأيه بالضغط على الوصلة التي تحوي البنية النصية ( رأيكن ) ، أو الانتقال إلى بنيات نصية أخرى أسفل الصفحة . لينتقل بذلك عبر تقنية النص المتفرع (Hybertext ) إلى نصوص أخرى . توفر له أنواع مختلفة من الـتـفـاعل " 16

 

الإحالات :

1_  أحلام مستغانمي : كتاب نسيان   com، ط3، 2010 ، دار الآداب بيروت ، ص: 13

2_ كتاب نسيان com: ص : 9

3_ كتاب نسيان com:  ص : 13

4_ كتاب نسيان com: ص: 18

5_ كتاب نسيان com:  ص: 123

6_ فائق مصطفى و عبد الرضا علي : في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات ، ط1 ، 1989، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر العراق، ص 175

7_ د / ابراهيم محمود خليل : النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك ، دار المسيرة ، الأردن ، دط ، 2001، ص 99 (بتصرف)

8_ كتاب نسيان com:  ص: 291/292

 9ـ محمد الحرز : شعرية الكتابة والجسد دراسة حول العي الشعري والنقدي ، ط1، 2005م،دار الانتشار العربي لبنان ، ص : 76 ( بتصرف ) .

10_ ينظر : فاطمة البريكي : مدخل إلى الأدب التفاعلي ، ط1 ، 2006 ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، ص : 21_28

(*) : قام بترجمة هذا المصطلح ( د حسام الخطيب في كتابه : ( الأدب والتكنولوجيا وجسر النص المتفرع ) الذي  يعالج فيه النص بوصفه وجها من وجوه الثورة التكنولوجية الحديثة على نحو ما ، دراسا علاقته بالنظرية الأدبية والنقدية ، رابطا بينه وبين آلية الحواشي والشروحات في الثقافة العربية التراثية ... ويتحدث  أرباب ( النص المتفرع ) على نسقين منه ، أطلق على أحدهما اسم ( النسق السلبي ) ، وعلى الآخر اسم ( النسق الايجابي ) . والمقصود بالنسق السلبي هو ذلك النص الذي يصممه الخبراء لتقديم مادة مضمونية محددة ، مثل الموسوعات ، وتاريخ الفن ، وما شابه ذلك . ومثل هذا النص يكون مغلقا في وجه أية تعديلات على يد المتلقي / المستخدم ، الذي تتاح له حرية التجول بين شبكة النصوص والوصلات الرابطة بينها على النحو الذي يرضي هدفه ، ولكنه لا يستطيع تغيير اي شيء في البناء الأصلي للنصوص ، أي في طريقة تشكيلها ، او الإضافة إليها أو الحذف منها .

   أما النسق الايجابي ، فيتيح للمستخدمين أن يعدلوا ، أو يحذفوا بنيات نصية ، وأن يعدلوا كذلك الوصلات بين هذه البنيات النصية . ولكن كل ذلك مقيد بقيود وقواعد للتصرف بالنصوص , وهذا النسق يمكن أن ينقل عملية تأليف النصوص نقلة نوعية من التأليف الفردي إلى التأليف الجماعي ، كما أن له درجات أكثر تعقيدا كفيلة بإعطاء القراء فرص ممتازة لإغناء النصوص ، بحيث تخرج جماعية النص من نطاق مجموعة المؤلفين إلى نطاق مجموعات المؤلفين ومجموعات القراء المهتمين .

11 _ ينظر : إدريس بلمليح : القراءة التفاعلية دراسة لنصوص شعرية حديثة ، ط1 ، 2000م ،دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء المغرب .

وينظر أيضا  : فولفغانغ إيزر : فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب في الأدب ، ترجمة حميد لحمداني والجلالي الكدية ، دط ، دت ، منشورات مكتبة المناهل المغرب .

وينظر : بشرى موسى صالح : نظرية التلقي أصول وتطبيقات ، ط1 ، 2001م ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء المغرب .

وينظر أيضا : عبد الكريم شرفي : من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة دراسة تحليلية نقدية في النظريات الغربية الحديثة ، ط1 ، 2007م ، منشورات الاختلاف الجزائر .

12_ فاطمة البريكي : مدخل إلى الأدب التفاعلي ، ص 77/78

13_ المرجع نفسه : ص 79

14_  المرجع نفسه : ص 116

15_ المرجع نفسه : ص 107

16_ ينظر : موقع الأديبة أحلام مستغانمي ، كتاب ( نسيان com) على الرابط التالي :

WWW.NESSYANE. C0M 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق