]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الثقافة التاريخية والدينية عبر تجسيد الصحابة

بواسطة: سري سمور  |  بتاريخ: 2012-07-27 ، الوقت: 13:31:49
  • تقييم المقالة:

 

الثقافة التاريخية والدينية عبر تجسيد الصحابة بقلم: سري سمّور  

أستهجن طوفان وفيضان الإنتاج التلفزيوني كلما جاء شهر رمضان، حيث تحرص شركات الإنتاج على عرض أعمالها خلال الشهر الكريم، وكأن الشهر هو شهر لمتابعة المسلسلات والترفيه، لا للصيام والتقوى والعبادة؛ وهذا واقع نحياه منذ سنين طويلة، ومع انـتشار الفضائيات، فإن عدد الأعمال التلفزيونية يزداد في رمضان سنة بعد أخرى، ويقال بأن 200 مسلسل تعرض في هذا العام!

ولقد اعتاد الناس على أن يكون ضمن ما يعرض من أعمال مسلسل تاريخي يتناول حقبة زمنية معينة، أو شخصية تاريخية مؤثرة؛ سواء أكانت شخصية صحابي أو عالم أو مجاهد أو غير ذلك؛ ويثور الجدل أثناء وبعد عرض العمل وأحيانا قبله، خاصة فيما يتعلق بدقة المعلومات أو صحتها وتسلسلها في المسلسل التاريخي؛ وهنا يقع اللوم ازدواجيا على المنتجين والمؤرخين على حد سواء فالمطلوب من المنتجين وكتبة السيناريوهات تدقيق العمل من مؤرخين موثوقين شيمتهم التحقيق والتثبت، ونحن ولله الحمد لدينا من المؤرخين الذين أفنوا سنوات طوال من أعمارهم بين المراجع التاريخية، وكتبوا دراسات وأبحاث قيمة، وبمقدورهم تدقيق ومراجعة وتصحيح سيناريوهات أي مسلسل تلفزيوني عن أي شخصية تاريخية؛ كما أنني لا أعفي المؤرخين من اللوم بضرورة حرصهم على انتزاع قانون ضمني أو حقيقي لتدقيق الأعمال التاريخية من حيث المعلومة وطريقة تقديم الشخصية التاريخية، فنحن لا نتحدث عن رواية أو سيناريو من خيال الكاتب بل عن تاريخ أمة يفترض أن يهتدي به أناس الحاضر كي يتجنبوا الأخطاء، ويحرصوا على تكرار الانتصارات والإنجازات، ويجب عدم العبث بطريقة تـقديم الشخصيات التاريخية، لأن كل أمة تـفخر وتحرص على إجلال عظمائها، لدرجة الكذب والمبالغة، فما بال بعضنا يحرف سيرة قادة أو علماء عما هو موثق فيسيء تـقديمها للناس؟!

وما دام العمل التاريخي خاليا من سموم المستشرقين، ومعتمدا من المرجعيات التاريخية، ومصادقا عليه من المؤسسات الإسلامية المعروفة، فلا غبار عليه إجمالا؛ ولكن كنا نلحظ أن تـقديم الشخصيات التاريخية كان على الدوام يمتلئ بمسألة الحب والعشق، وكأن كل العلماء والمجاهدين كانوا عشاقا يهيم الواحد منهم بامرأة ما بـطريقة لا تبقي له أي وقت لتحصيل العلم أو الجهاد أو إصلاح الأمة، وكأن سيرهم مستنسخة من سير قيس العامري وكثيّر عزة وجميل بثينة!

على الدوام كان هناك عرض لشخصيات تاريخية؛ فقد تناولت المسلسلات سير الأئمة الأربعة، وسير أئمة الحديث الشريف، وسير بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين، وتناولت سير بعض الصحابة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص؛ ولم يكن ثمة جدل حول تشخيص الصحابي عموما، بل كان الجدل حول المادة المعروضة؛ فمثلا ظهر ابن العاص كرجل ثرثار، وهذا يخالف ما هو موجود عن سيرته في المراجع المعتمدة.

وفي رمضان هذا العام 1433هـ،2012م ثار جدل واسع حول مسلسل «عمر» الذي يتناول سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب العدوي-رضي الله عنه- وكان الاعتراض قبل شهر رمضان إبان عرض إعلانات ترويجية للمسلسل حول مجرد فكرة تجسيد شخصية عمر الفاروق ، لما لهذا الصحابي العظيم من فضل وسبق في اعتناق الإسلام وقوة في الدفاع عنه، وما جاء من آي الذكر الحكيم مؤيدا لآرائه، وما روي من أحاديث نبوية صحيحة حد التواتر عن فضله وقوة إيمانه؛ وقد رفض المعترضون الفكرة لدرجة إطلاق فتاوى بحرمة تجسيد شخصية عمر حتى قبل أن يطلعوا على فحوى المسلسل!

مسلسل عمر هو عمل مشترك بين مجموعة إم بي سي وتـلفزيون قطر، ما يدل على أن العمل متعوب عليه فعلا، ويتزامن مع برنامج للداعية د.عمرو خالد بعنوان «عمر صانع حضارة» وهو عمل متعوب عليه أيضا استلزم تصوير مواقع عدة في دول عدة عاش فيها عمر أو زارها، والتزامن كما يبدو متعمد ومقصود، وهو محمود وجيد؛ لأننا في هذه المرحلة –كما قال عمرو خالد- نحتاج إلى تناول سيرة صناعة حضارة أمة العرب والمسلمين؛ ومع أني لم أشاهد إلا بضعة مشاهد من المسلسل إلا أن العمل هذه المرة يبدو مستندا إلى  السير والتراجم المحققة، ولكن لـفت نظري أن من يقوم بدور عمر ممثل متوسط طول القامة والجسم وهو ثامر إسماعيل الذي لم يسبق له التمثيل(وهو مسلم سوري) من قبل بناء على شرط لجنة العلماء المشرفة على المسلسل؛ ومعلوم أن عمر كان ضخما و طويل القامة وكان يجدر مراعاة ذلك عند اختيار من يؤدي الدور، وهذه ملاحظة أولية هامة للغاية؛ وقد يكون تبرير القائمين على المسلسل أنهم لم يجدوا ممثلا ضخم الجثة لم يسبق له تأدية أي عمل وفق شرط اللجنة، وفي نـفس الوقت يستطيع إتـقان الدور، وهي حجة غير مقبولة سلفا، ولو كان الأمر عند الأوروبيين والأمريكان لحرصوا على صناعة ممثل وتدريـبه ليقوم بالدور المطلوب، ولو اقتضى الأمر تأجيل إخراج العمل سنة أو سنتين أو أكثر، ولننظر مثلا  إلى صورة المجاهد الشيخ عمر المختار ونـقارنها بصورة الممثل أنطوني كوين فسنجد تشابها كبيرا، إضافة لما تلعبه وسائل تكنولوجيا الماكياج والإضاءة وغيرها...أعود لمسألة الاعتراض حد التحريم على تجسيد عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- فنتذكر فيلم الرسالة والذي حصد الكثير من الجوائز(أفضل قصة وأفضل ممثل وأفضل إخراج وأفضل موسيقى تصويرية...إلخ) والذي لا يتردد الكثيرون أن يقولوا بأن العرب لم ينتجوا شيئا له قيمة إلا هذا الفيلم، ففي مقدمته توضيح بأنه لن تظهر لا صورة ولا ظل ولا صوت لشخصية سيدنا محمد-صلى الله عليه وسلم- ولكن أيضا لوحظ أنه لم يظهر أي من الخلفاء الأربعة لا صورة ولا صوتا ولا ظلا، باستثناء ظهور سيف علي ابن أبي طالب-كرم الله وجهه- في معركة بدر، والرسالة فيلم أخذ موافقة الأزهر الشريف والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وقد ظهر في الفيلم شخصيات صحابة كبار ومن آل البيت من أمثال أسد الله وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة مولى وحب النبي، وكذلك بلال بن رباح مؤذن النبي، وآل ياسر الذين بشرهم النبي-صلى الله عليه وسلم- بالجنة ربما قبل الخلفاء الأربعة، ولم يكن ثمة اعتراض على تجسيد هؤلاء فالفكرة هي الاعتراض على تجسيد الخلفاء الأربعة وليس جميع الصحابة...ولا أدري سبب حرمة تجسيدهم تحديدا، ما هو الضرر المترتب على ذلك، ولم لا ننظر إلى الأمور بطريقة إيجابية، ونـقرع أجراس الخطر لأن أبناءنا يعرفون رونالدو وميسي ومايكل جاكسون أكثر من معرفتهم بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم...وعلى كل حال فإن لي بعض الملاحظات على مسألة المسلسلات التاريخية:-

1)لدينا مشكلة قراءة فمن غير المجدي القول للناس، لا سيما جيل الشباب، والجامعي منهم قبل من لم يكمل تعليمه هاك كتاب عن سيرة صحابي أو قائد أو حتى كتاب سيرة نبوية اقرأه وتعلم منه، فهو جيل الوجبات السريعة غذائيا وثـقافيا، ويمل الواحد منهم من مقال من صفحتين، فالحجة بأن لا داعي للتمثيل وليقرأ الناس سير عظمائهم، ليست سوى ترفا فكريا وعيشا خارج الواقع، وقبل التذرع بها علينا حل مشكلة العزوف عن القراءة، وهذا العزوف زاد أكثر من ذي قبل بعد انتشار مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي. 2)للدراما المتلفزة تأثير كبير ينطبع في وعي الإنسان، فهي وسيلة تتفاعل فيها حاسة البصر مع السمع مع الخيال والعقل الباطن، وجيد أن نحسن التعامل مع هذه الوسيلة بدل الدعاوى العبثية المستندة إلى التحريم والزجر الذي لا يفيد، فلينظر الواحد منا إلى أن العمل المحقق والمتقن يشاهده ملايين ستتولد عندهم طاقة إيجابية واعتزاز بتاريخ أسلافهم ومحاولة السير على نهجهم، تماما مثلما سممت كثير من الأفلام والمسلسلات أفكار قطاعات من الناس وانعكست سلبا على سلوكهم، فهان عليهم اقتراف المعصية، أو حتى ارتكاب الجنح والجرائم! 3)العمل المتلفز قد يحظى بالتصديق أكثر من الكتب عند قطاعات من الناس، حتى عند متعلمين، وأتذكر نقاشات خضتها حول مسلسل الزير سالم الذي عرض قبل أكثر من عشر سنين، ومخالفة العديد من أحداثه لما قرأناه من سير الشعراء وتاريخ أيام العرب وحروبهم، دون جدوى لدرجة أن بعضهم قال لي:هل عرضوا المسلسل قبل أن يرجعوا للمراجع والكتب؟يبدو بأنك لم تقرأ جيدا أو أن ما قرأته ليس هو المعتمد! 4)بناء على الملاحظة السابقة يجب منع عرض أي عمل تلفزيوني يتناول شخصيات تاريخية إسلامية دون عرضه على لجنة من العلماء والمؤرخين تتابع أدق التفاصيل، قبل عرضه للجمهور. 5)المشكلة أحيانا بالفنان الذي يؤدي دور صحابي جليل، فلا يستساغ أبدا أن يؤدي هذا الدور ويراه المشاهد في أدوار أخرى زانيا وسكيرا عربيدا أو مجرما قاتلا؛ ففي الغرب هناك اتـفاق مع من يقوم بتجسيد المسيح عليه السلام ألا يؤدي أدوارا إباحية أو غير سوية بعد تأدية هذا الدور؛ وفي الدراما العربية قام الراحل عبد الله غيث بتجسيد سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب في الرسالة، وجسّد شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد عرف عن هذا الفنان اختيار أدوار رصينة عموما؛ وقد رأينا نور الشريف يجسد شخصية الخليفة عمر بن عبد العزيز و شخصية عمرو بن العاص وقبلها شخصية ابن خلدون، وقد كان قبلها يظهر في أدوار فيها مشاهد غير لائـقة بتاتا...وهنا يجب الاتـفاق مع الممثلين على مراعاة هذا الجانب، لأن الصورة تبقى عالقة في ذهن المشاهد المتلقي.

إجمالا فإن التجسيد في عصر الديجتال وثورة التكنولوجيا له إيجابيات كبيرة وكثيرة ويـقود نحو ثـقافة تاريخية ودينية واسعة إذا أحسن الجميع التعاون بينهم وأعني بالجميع علماء الدين والمؤرخين وشركات الإنتاج ومن يؤدون الأدوار...وأقول:كفانا عقودا من عروض درامية متلفزة أو سينمائية أو مسرحية تسمم العقول وتخدش الحياء وتعمل كمعاول هدم للقيم والأخلاق، ولنشاهد أعمالا تنشر الثقافة الدينية والتاريخية وتدفعنا إلى النهضة وتشجعنا على صناعة الحضارة.

      ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

الجمعة 8 رمضان-1433هـ،27/7/2012م من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق