]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لا تضربني

بواسطة: fidaa hourani  |  بتاريخ: 2012-07-27 ، الوقت: 12:19:08
  • تقييم المقالة:

دخلتْ تشرين وحيدةً إلى قصرها الكبير، جلستْ تفكر بذلك الغريب الذي لم تتقبل عائلتها عودته.

فجأةً، قُرعَ بابُ القصر بشدةٍ هرعتْ تشرين لتفتحهُ ظناً منها بأن أسير جاء ليخبرها بسبب العداوةِ بين عائلتيهما .هذا ما ظنته تشرين لكنها صُعقتْ عندما فتحتْ الباب لتجد إمرأةً مرميةً على الأرضِ وآثار الضربِ المبرح تغطي جسدها الضعيف. نظرتْ تشرين إلى ملامحِ المرأةِ المسكينةِ  ثم صرختْ :" ناهد!"

وفي الجنازةِ إنضم أسير إلى المجموعة ليواسي أهل الضحية ،ثم همس لعمته شكران :" تبدين متعبة فلنعد للمنزل."

قاطع حديثهما رنين هاتف عائد ...

عائد :" إنها تشرين!"

إبتعد عائد عن المجموعة، أما أسير فلقد إنتابه القلق فهل تراها تعرضت لمكروهٍ ما بعد إفتراقهما في منتصف الطريق؟

 كانتْ رغبة أسير في معرفة القصة قوية لكنه ببساطة إكتفى بالصمت وإدعى بأن هذا الأمر ليس من شأنه.

 عاد عائد مسرعاً بخطواته اتجاه أفراد عائلته ، قال :

يجب أن نعود فوراً إلى القصر، لدينا زائرة مهمة.""

ملك :"من تكون؟ "

أجابها :" ناهد ، ناهد عادتْ لتل الشمس!"

 

 

وفي الصباح التالي :

إستيقظَ أسيرعلى صوتِ جاراتِ عمته المزعجاتِ، فأخذَ يتنصتُ على ثرثرتهن كالعادة.

نعمات :"صادفتُ مجيدة ،خادمة السيدة كوكب، في طريقنا إليكِ،

وأخبرتني بأن ناهد عادتْ ليلة أمس إلى القصر.المسكينة تعرضتْ للضرب المبرح."

إناس: "هكذا تعامل اللواتي تتخلين عن أهلهن من أجل الحب الزائف."

شكران : "مسكينة ! بعد أن فقدتْ والدتها كاثرين لم يبقَ لها أحد في هذه البلدة سوى خالتيها."

نعمات : "ما زلتُ أذكر آخر زيارة لها قبل عامين، كانت جنازة والدتها كما تعلمان، نصحتها السيدة ملك بالإنفصال عن زوجها لكنها رفضتْ، يا لغبائها!!"

فاجئهن صوت أسير الذي إنضم لمجموعتهن .

أسير :" إذاً ناهد غير سعيدة بزواجها! آسف لكني لم أستطع منع نفسي من التنصت عليكن."

إناس :" آه، لا مشكلة إجلس وشاركنا الحديث."

جلس أسير إلى جانب عمته ،ثم قال مبتسماً :" إذاً أخبروني ما الذي فاتني؟"

أجابته نعمات:" ليلة أمس عندما عادتْ تشرين وحدها إلى القصر رأت ناهد ملقاةً على الأرض ويبدو أن زوجها ضربها ضرباً مبرحاً ."

قال أسير غاضباً : "يا له من رجلٍ جبان، يضرب إمرأة ضعيفة! يا لحقارته!"

و على الطريق العام :

تلفتتْ تشرين خلفها نحو القصر، كان الفضول سيقتلها لما يجرى في الداخل.

تشرين:" لماذا يجبروننا دائماً على مغادرة القصر، هل نحن صغار على أن نستمع لحديثهم ؟!"

نادين :"صغار! أنا لا ، أنتِ بلى. "

تشرين:" وهل أنتظر حتى أصبح عجوزاً مثلك ليخبروني بالقصة ؟"

نادين :"هل أنا عجوز؟! إسحبي كلامكِ على الفور."

. تشرين :"هذا كان كلامك! حسناً لستِ بعجوز، لكنك لست صغيرة

نادين: لا تحرفي كلامي يا تشرين،ما يدور في القصر الآن ليس من شأننا.

لم تبالي تشرين لنصيحتها بل تابعت قائلةً :

"آخر مرة رأيتُ فيها ناهد كانتْ في جنازةِ خالتنا كاثرين، كيف أنسى زوجها الوغد الذي أجبرها على مغادرة الجنازة دون أن تودعنا. أخبريني من أجبرها على الإرتباط بذلك الحقير؟!"

نادين: "أجبرها ؟ لقد تحدتْ الجميع لتتزوج عاصم ، أتذكرينه ؟"

تشرين :" قليلاً ،فأنا لم أره إلا مرة واحدة في حياتي."

نادين :"عاصم كان السائق الخاص بالعائلة ، وناهد كانت معجبة به، لكنه كان ..."

قاطعتها تشرين :" فقيراً ،لا يملك مالاً ولا منزلاً ... لا شيء."

نادين:" نعم ، كيف عرفتِ؟!"

تشرين :" كل قصص الحب تبدأ هكذا، تابعي."

نادين :" يا الهي ! أنت تخيفينني بحدسك هذا ،المهم لقد أحب عاصم ناهد كثيراً،صحيح كنت في الخامسة عشر تقريباً لكنني كنت أرى شرارة الحب في عينيهما."

تشرين:" لا بد انك كنت عمياء ، إنه لا يحبها فمن يحب لا يضرب من عشقها قلبه."

نادين : "ما زلتِ صغيرة،الناس يتغيرون."

تشرين :" برأي الناس لا يتغيرون بل مواقفهم هي من تتغير. ومن يحب لا يمكن أن تقبل يده صفع امرأةٍ أحبها بصدق، إنه لا يحبها."

نادين :" أتعلمين؟ قد تكونين محقة."

تشرين : "نادين يبدو أنكِ نسيتي أنني دائماً أكون محقة."

وتابعتْ الفتاتان طريقهما حتى وصلتا الى الميناء.

نادين: "عندما تقدم لخطبتها رفضتْ العائلة بأكملها حتى أمكِ طردته من وظيفته."

تشرين : "ماذا ؟ لماذا قامت أمي بذلك؟"

نادين :" لأنها كانت تظنُ بأنه طامعٌ بثروةِ ناهد."

تشرين:" يبدو أنني ورثت قوة حدسي عن أمي."

نادين:" هل تعرفين ماذا قالتْ أختها شادن في جنازة خالتنا ؟"

تشرين: "ما الذي قالته؟هل لهذا علاقة بسفرها الى بريطانيا ؟"

نادين:" نعم، فبعد موت والدتهما قررتْ أن تسافر بعيداًعن مشاكل العائلة."

تشرين :" تعنين أنها هربت؟"

نادين :" لا أحد يعلم."

وفي القصر الكبير جلست ناهد تناقش مشاكلها مع عائلتها .

ناهد:" أرجوكِ خلصيني منه يا خالتي ملك."

ملك:" الآن تطلبين مني ذلك، ألستِ أنتِ من تخلى عن هذه العائلة لتهرب مع شخصٍ وضيعٍ مثله؟! على أية حال عائد ذهبَ لإحضاره، لنقنعهُ بأمرِ الطلاق."

ناهد:" لا أريد منه سوى أطفالي، لكنه لن ينفصل عني من دون مقابل. لقد هربت من بين يديه بعد أن أوشك على قتلي بالسكين، لقد كان ثملاً وحاول أن يأخذ قلادة أمي ليقامر بها ،أنا لا أريد العودة إليه،أرجوكِ ساعديني يا خالتي."

و في الميناء إستندت تشرين على الحاجز الحديدي، ثم إبتسمتْ قائلةً : "نادين ، ألستِ محامية العائلة؟عليكِ مساعدتها على وضعِ ذلك الحقير خلف القضبان."

نادين:" إن وافقتْ سألفُ حبل المشنقة حول رقبته."

ابتسمتْ تشرين وما إن إستدارتْ خلفها حتى رأت مركباً آتٍ من بعيد فهرعتْ نحوه يقتلها الفضول لمعرفة من القادم ،لكنها لم تتعرف لهويته فأشارت لنادين بيدها قائلة :" أنظري هناك هل تعرفين من القادم؟ "

نادين:" يا الهي! إنه هو!"

تشرين:" من هو؟ "

نادين:" الحقير!"

تشرين: "أتعنين حقيري؟! "

نادين  :" نعم إنه هو، إنه عاصم ."

تشرين:" الوغد! أتى بقدميه ليلقى حتفه على يدي."

خشيت نادين من تصرفاتِ تشرين المتهورة فأمسكتْ بها لتمنعها من التدخل.

نادين:" إسمعي، إدعِ أنكِ لا ترينه، ربما أتى ليعتذر من ناهد."

تشرين:" يعتذر، أتمزحين؟! لقد ضرب زوجته الضعيفة و يجب ان يلقى عقابه على ذلك."

وصل عاصم للميناء فنزل بخطواتٍ بطيئة، كان فخوراً بنفسه مما جعل تشرين تغضب لعدم مبالته فرجل في مكانه يجب ألا يشعر إلا بالخجل و الندم . دفعت تشرين نادين بعيداً عنها ثم وقفتْ في طريق عاصم استغرب عاصم لتصرف الفتاة، فابتسم ساخراً:" إبتعدي يا صغيرة عن دربي!"

تشرين:" ماذا لو لم ابتعد؟ ستضربني كزوجتك؟"

عاصم: "وهل أنتِ محاميتها؟ "

:" لا، بل الأسوء، أنا تشرين."تشرين

:" إذاً كبرتْ الصغيرة ،وأصبحت صبيةً جميلة،ولكن وقحة."عاصم

تشرين :" وقحة أفضل من أن أكون مثلك جبانة، أدعي الرجولة بضرب إمرأة ضعيفة أيها الخسيس."

عاصم: "من تناديه بالخسيس؟ سأؤدبك.."

لم يتمالك عاصم نفسه فرفع يده ليصفعها لكن كانتْ ذراع أسير أسرع منه فأوقفهُ قائلاً:" أتمدُ يدك على فتاة! يا لك من جبان."

إنصدمت تشرين لتدخل أسير المفاجىء... دفع أسير عاصم أرضاً ثم قال لنادين:"خذيها إلى منزلك."

هزتْ نادين رأسها موافقة لكن تشرين ردعتها مجدداً قائلة:" ومن تكون أبي؟!"

هاجم عاصم أسير ليضربه، تشابكا ورماه أسيرأرضاً من جديد.

عاصم :" توقعتُ أن يدافع الجميع عن هذه الوقحة ما عداك أنتَ يا أسير، فمن كان يصدق أن أحد أفراد آل باشا يضربني من أجل إبنة علي آغا!؟"

تشرين:" ماذا تعني بكلامك هذا ؟!"

صرخ اسير بوجهها:" نادين خذيها وارحلا من هنا."

قاومتْ تشرين محاولات نادين ثم قالتْ:" انا لا أسمح لكَ بأن تعاملني كطفلة ولا أظن أني طلبتُ مساعدتك."

أسير:" إذهبي من هنا ولا تتدخلي بشؤون الكبار."

تشرين:" كفَ عن معاملتي كطفلة، لا أسمحُ لكَ بذلك، من تظن نفسك يا هذا؟!"

إستفزَ ردها أسير فترك عاصم و نظر إليها مصدوماً لوقاحتها فتمكن عاصم من الثأر لنفسه فسرعان ما لكم أسير على وجهه وتراجع أسير ببساطةٍ عن ضربه عندما رأى عائد آتٍ مسرعاً نحوهم.

قال أسير لعائد:" آخ! يا شريكي، لقد فاتكَ التشويق ."

عائد: "لا تتدخل بشؤون عائلتي يا أسير."

لم تهتم تشرين لوجود عائد فلقد كانت تشعر بالذنب لما سببته لأسير و لما أصابه جراء عنادها فقالت له:"هل أنتَ بخير؟"

أجابها أسير بكبرياء رداً على وقاحتها السابقة: "هذا ليس من شأنك!"

وفي المساء دخلتْ تشرين إلى غرفة البرج السرية، أخذتْ طبشورةً عن الأرض ثم بدأتْ تدون على جدارها ، كتبتْ :

"أرجوك لا تضربني ! كانت عبارة ناهد عندما إتفقتْ مع عاصم على نسيان ما جرى والعودة معه . فكيف لها أن تقبل بشرط عاصم الوحيد لقبوله الإنفصال عنها ، حرمانها من أبنائها الثلاثة.

حاولت أمي كعادتها التوصل لحل بدفعِ مبلغٍ من المال، لكن كعادتها تحدتْ ناهد أوامرها وقررتْ العودة مع رجلً أُجبرتْ على أن تقبل به زوجاً لها من جديد.

أرجوك لا تضربني ! كانتْ جملة قالتها صبية تحدتْ عائلتها من أجله وهربتْ معه.

أرجوك لا تضربني! كانتْ عبارة قالتها أم لزوجها الذي كانتْ تثق به وكانت تؤمن دوماً بأنه سيتغير ويعود لها من جديد .

يا جداري العزيز، قد أكون صغيرة كما يقولون ولكني لا أثق بأن الناس قد يتغيرون ... لا أثق بأن الجلاد قد يحب ضحيته يوماً ،ضحيته التي تصرخ في داخلها والخوف يتملكها : أرجوك لا تضربني ."

وبينما كانت تشرين تكتب على جدارها السري، كان هناك عند الميناء صديقها الغريب الذي أخذ ينظر إلى المركب حيث وقف الجلاد وإلى جانبه جلستْ ضحيته. أخذت ناهد تنظرُ إلى ملامح ذلك الغريب الذي إبتسم لها هناك في البعيد،فجأة وقفت الضحية مرتبكة ثم إقتربتْ حتى مقدمة المركب ونظرتْ بإمعانٍ شديد مستعينة بالأنوار،وبصوتٍ تملكته الدهشة قالت ناهد : "أسير!"


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق