]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

والتقينا مجدداً

بواسطة: fidaa hourani  |  بتاريخ: 2012-07-27 ، الوقت: 12:17:37
  • تقييم المقالة:

 

سارت تشرين نحو القصرِ وحيدةً تتألمُ بشدةٍ لكن صوتَ ألمها لم يردعْ الغريبَ عن قرارهِ. وصلتْ تشرين لمنزلها ، أزالتْ قطعة القماش عن ساقها وحاولت إخفائها بيديها ثم فتحتْ الباب .

حاولتْ الدخول خلسةً لكنها وجدتْ أمها السيدة ملك جالسةٌ على كرسيها المتحرك تنتظرها، أرادتْ تأنيبها ولكنها صعقتْ عندما رأتْ تشرين تعرجُ بسببِ إصابة قدمها وسرعان ما طلبت من الخادمة زينب الإتصال بالطبيب رامز.

 وبعد مرور الوقت ، تم تعقيم الجرح ومعالجته ،لم تجد تشرين أية حجة تخلصها من غضبِ والدتها سوى إدعائها بأنها ساعدتْ نزيهة في التحضير لحفلتها وأثناء مغادرتها سقطتْ عن الدرج وجرحتْ ساقها. نجحتْ كذبتها لأن زينب لم تملك الجرأة لأخبارِ السيدة ملك بأن تشرين ذهبت للغابة لكي لا تَلقَى التأنيبَ منها.

صعدتْ تشرين إلى غرفتها، أخذتْ تفكرُ وتفكرُ بذلكَ الغريبُ الذي سرعانَ ما تعرفَ إليها عندما أدركَ بأنها إبنة علي آغا ،صاحبُ هذا القصرِ .

جاءتْ نادين لتسألها عمَ سترتديه في عيد مولدِ نزيهة . لكن أخباراً أخرى كانتْ تنتظرُها فسرعانَ ما روتْ لإبنة خالتها، التي إعتبرتها دائما اختها الكبرى، حكايتها مع ذلك الغريب وأخذتا تفكران معاً بمن عساه يكون.

وفي منزل آل باشا جلس أسير شاردا ًمبتسماً وهو يتذكر تلك العنيدة الصغيرة .دخلت عمته و طلبتْ منه أن يرتاح قليلاً لأن رحلته كانت طويلة ،لكنه كان عاجزا ً عن عدم التفكير في أن عودته لتل الشمس قد تجلب له متاعب جديدة .

إتصل الشرطي رؤوف به وطلب منه المجيء الى المكتب بسرعة

وبعد مرور ساعة وصل أسير الى مكتب التحقيق غاضباً ...

أسير :"هل جننت؟ القاتل ما زال حراً وأنتَ تريد اغلاق القضية ؟!هل تفعل ذلك لأني شريكك؟إسمع لن اسمح لك بإقفال القضية لمجرد عجزك عن حلها."

لم يكترث عائد لقوله فغادر أسير كما دخلَ غاضباً.

وفي منزل نزيهة إجتمع جميعُ الأصدقاء والجيران لحضورِ الحفلة ِالتي أقامتها لها عائلتها. أخذ نورس يعلق على سمانة جود وانه يجب ان يبدأ بممارسة التمارين واتباع حمية فتشاجر الصديقان حتى تدخلت اماندا وطلبت من نورس عدم التدخل في خصوصيات جود .

اما الجارات فإجتمعنا حول تشرين التي كانت تهنئ صديقتها نزيهة ببلوغها الثامنة عشر  ...

نعمات:"يا الهي كيف أصيبتِ يا تشرين؟"

السيدة ملك عنها:" لقد أصيبت بذلك بعد مغادرتها لمنزلك يا نزيهة."

نزيهة :" ماذا، متى أتتْ؟"

ملك :" ألم تزركِ تشرين اليوم؟!"

غمزت تشرين لنزيهة لتنقذها من المأزق... ثم همست نادين في أذنها :

 "حبل الكذب قصير ."

نزيهة : "نعم،هذا صحيح لقد تعثرتْ بالسجادة اثناء دراستنا وسقطتْ عن الدرج."

ملك :"ماذا؟! تشرين هل كنت تكذبين علي؟"

إرتبكتْ تشرين وحاولتْ البحث عن كذبةٍ جديدةٍ بينما كان الجميع ينظر اليها ينتظرون الإجابة لكنها إكتفتْ بالصمتِ.

ملك :" تشرين قولي الحقيقة!"

سمعتْ تشرين صوت ضحكٍ غريب فرفعتْ رأسها لترى أسير ينظر اليها مستمتعاً بالمأزق الذي وقعت فيه ، كان ينظر اليها بإعجابٍ فلقد بدت بقمة الجمال بفستانها الأسود الكلاسيكي.

تشرين :"حسناً، سأقول الحقيقة لقد سقطتْ عن الشجرة وانا أحاول مساعدة حمامةٍ عالقةٍ بين اغصانها ."

قاطعتها أمها :" تشرين! كفي كذباً،قولي الحقيقة ولو لمرة!"

تشرين :" ولكني أقول الحقيقة هذه المرة."

جاء منقذها شاكر من خلفها ...

شاكر :" لقد أصيبتْ قدمها في منزل نزيهة فلقد كنت موجوداً هناك ثم رأتْ حمامةً عالقةً في شجرة الحديقة فحاولتْ مساعدتها فسقطتْ أرضاً. "

ملك :" إذن هكذا هو الأمر شكراً لصدقكَ يا شاكر."

إزداد ضحك أسير وإزداد معه غضبها، ثم انفصلت هي و نادين عن المجموعة .

نادين : "انها المرة الأولى التي لا تكذبين فيها ولا احد يصدقك ، حسناً ها هو عائدسأترككِ وحدكِ يجب ان أقنع أخاك بمتابعة القضية ."

تشرين :" إلى اللقاء."

فوجئتْ تشرين عندما رأت أسير وحده واقفاً عند الدرج كانت غاضبة لسخريته منها وكان هو يستمتع بعصبيتها .

 قاطعته الشرطية ماريا:" أتعلم يا أسير ان هناك عناصر مشتركة بين الضحايا ؟ "

أسير :" كيف ذلك ؟ !"

ماريا : "جميعهن صغيرات في السن، لا أعرف لماذا لا يأخذ عائد هذا في عين الاعتبار؟! فربما القاتل يبحث عن فتاة معينة مثله تحب الطبيعة فمعظم الجثث عثرنا عليها في أماكن طبيعية ."
إبتسم أسير إبتسامة ساخرة لقولها ثم انقلبتْ ابتسامته الى الجدية متجاهلاً تماماً وجود ماريا، ثم استدار حيث كانت تشرين ولكنها لم تكن هناك.اخذ يبحث عنها بنظراته حتى لمحها عن بعيد تغادر برفقة رجلٍ عجوزٍ فحاول اللحاق بها، بحث خارجاً في كل الإتجاهات

وبالرغم من اصابة قدمها لم يدركها .

حط الغراب الأسود على كتف أسير ...

أسير :" أنتَ مجدداً!"

حلق الغراب بأجنحته عالياً ،لحق به أسير كأنه في أعماقه يدرك انه يحاول ارشاده الى تشرين.
وفي الطريق وقفتْ تشرين تلهث متعبةً من كثرةِ المشي على قدمها المصابة.

تشرين:"عم جبور أخبرني، ما الذي جرى لساندرا ولماذا تريد ان تغادر فجأة دون أن تهنئ نزيهة على عيد مولدها؟"

قال:" لا أعلم،لكن يجب ان نحاول منعها بسرعة ،أعلم ان سقوطكِ عن السنديانةِ كان مؤلماً ولكن يجب أن نسرع".

فجأة توقفت تشرين مصدومة فكيف عرف العم جبور بإصابتها وهي لم تخبر احداً بذلك سوى نادين؟ هل كان يراقبها عندما كانت في الغابة؟ ولماذا ساندرا غاضبة من نزيهة فهي لم يتسنى لها الوقت لتجلس معها وتحادثها؟

وما ان إستدارتْ تشرين حتى حاول العم جبور خنقها بشريطٍ طويلٍ، حاولتْ تشرين الصراخ ولكنها عجزتْ عن ذلك . كادتْ تشرين أن تلفظُ أنفاسها الأخيرة حتى بدأت الرصاصات تخترق جسده فتهاوى ساقطاً وهو ما يزال يحاول خنقها، وما إن وصل أسير اليه حتى دفعه بعيداً عنها ليحررها من شبح الموت.

أخذت تشرين تبكي بشدة وهي عاجزة تماماً عن الكلام كانت صدمتها بأن العم جبور قاتل لا تضاهي شيئاً امام فكرة انه ربما كان يخطط لقتل ساندرا في الغابة الممنوعة.

ولشدة حزنها عانقتْ أسير وهي ترتجف بين يديه من الخوف ...

أسير:"إطمأني ستكونين بخير أيتها الصغيرة."

تشرين :"لا تنادني بالصغيرة."

ضحك أسير وهو ينظر للغراب ثم نظر اليها مبتسماً . أتت سيارات الشرطة وتجمع الناس لمعرفة مصدر صوتْ الرصاص . وما إن رأى عائد تشرين حتى ركض نحوها وضمها .

عائد :" تشرين هل أنتِ بخير ؟"

نظرت تشرين الى المجرم وسألته : "لماذا ؟!"

وفي غرفة البرج تناولتْ تشرين طبشورة حمراء ،وأخذت تكتب وتكتب على جدارها دون تعب لم يكن هناك ما تكتبه في الأيام السابقة ولكن اليوم تغير كل شيء فلقد بدأت حياتها بالتغير.

 كانت تكتب ما يجول في خاطرها من أوجاع والآم ، فاليوم أدركتْ حقيقة العم جبور الذي خدعته ابنته وسلبته كل امواله فقرر أن يقتل كل فتاة شبيهة بها ، ولكن وجود تشرين في الغابة شكل مشكلة لديه في قتل ضحيته الأخيرة.

توقفتْ تشرين عن الكتابة وجلستْ تضم رأسها بين ذراعيها ، كانت ثيابها متسخة بالطباشير،أخذتْ تبكي بصوتٍ مجروح.

 تبكي على فقدانِ صديقةٍ لها عجزتْ عن مساعدتها عندما تسنى لها الوقت لذلك ... تبكي على الرجل الذي ظنته بمقام عمها لبساطته وطيبته، وربما حزنتْ لأنه سيمضي حياته بأكملها وراء القضبان حتى يُصدر حكم الإعدام الذي سيحرره من تأنيبِ ضميره وملاحقةِ أشباح الضحايا له في كوابيسهِ.

وهناك على الجدار كانت عبارة كتبتها تشرين:

"جمعتنا الصدفةُ من جديد،لا أعلم من يكون ذلك الشاب الذي لم يتردد في مساعدتي،لا أعلم لماذا عانقته عندما كنت في غاية الحزن، فهل تراني؟هل تراني يا جداري العزيز بدأتُ أعرف ما يسمونه الشعراء بالحب؟!"

في المساء نزلتْ تشرين من غرفتها شعرتْ بوجود أحدهم في مكتب والدتها، لم تمنع نفسها من التأكد فأخذتْ تتنصتْ .

ملك :" يجب أن يسافر وبأقرب وقت ، انا لا أريد لآل باشا بأن يفتحوا أبواب الماضي من جديد في تل الشمس."

عائد:" أعلم ذلك يا امي ، ولكن ذلك الحقير سيبقى للمزيد من الوقت ربما للأمر علاقة بعمته، أعلم أنني مدين له بحياة تشرين ولكن هذا لن يغير شيئاً فكراهيتي له تزداد يوماً بعد يوم."

أدركت تشرين أن ذلك الغريب الذي انقذها من الموت هو عدوٌ كبيرٌ لأخيها عائد . ولكن في أعماقها أدركتْ ان هناك حلقة مفقودة فكيف لحقيرٍ أن ينقذ حياة أخت عدوه ؟! كيف لذلك البطل الذي خلصها من مشنقة الموت أن يحملها على ظهره مسافةً طويلةً ويعرض حياته للخطر لتخليصها من أيدي القاتل؟؟

 وأقنعت تشرين نفسها أن المشكلة بينه وبين عائد لا تعني بأنها يجب أن تكرهه هي بدورها،بل على العكس فلقد أرادتْ ان تتعرف عليه أكثر وأكثر لتكشف السر الذي تخبأه عائلتهما.

وفي جنازة ساندراإجتمع الأهل والأصدقاء لمواساة عائلة الضحية، إقتربتْ تشرين ووضعتْ الزهورعلى الضريح ثم همست لساندرا: "آسفة!"

 

ونظرتْ إلى نزيهة وعانقتها فهي تعلم كم كانتا مقربتان من بعضهما ... ولم تستطع تشرين التحمل أكثر فهي تكره الجنازاتْ وتكره الموت أيضاً،فغادرتْ تشرين إلى منزلها وحيدةً وفي طريقها توقفتْ لحظةً وأخذتْ تنظر إلى منزل السيدة شكران تحدث نفسها.

" تُرى ما هو سر الكراهية بين عائلتينا؟"

قاطع تساؤلها صوتٌ من خلفها:"إذاً أظنُ أنه لم يتسنى لنا الوقت لنتعرف؟"

استدارت خلفها لتجيب الغريب...

تشرين :"أنا لم أعرف إسمك بعد؟"!

أسير :"آه ،هذا صحيح!"

إقترب أسير منها ومد يده ليصافحها قائلاً :"أسير."

صافحته هي بدورها قائلةً :" تشرين ."

وبعد أن تبادلا النظرات عجزكليهما عن الكلام ، أفلتتْ يده ثم استدارتْ تتابعُ طريقها وحيدةً، أما أسير فبقي ينظر إليها من بعيد.

حطتْ حمامةٌ بيضاءٌ على الغصنِ ، كان هناك ندوبٌ على ساقيها، إبتسم أسير للحمامة ثم نظر إلى تشرين من جديد وقال لنفسه :

"أسير تشرين!"
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق