]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

عودة الغريب

بواسطة: fidaa hourani  |  بتاريخ: 2012-07-26 ، الوقت: 11:39:54
  • تقييم المقالة:

 

هناك في المطار البارد إستقبلتْ السيدة شكران إبن أخاها. .. واستقبلتْ معها تل الشمس عودة الغريب الذي طال فراقه... وفي اللحظات التي وقف فيها الغريب يتأمل بلدته التي طال غيابه عنها كانت تشرين تعزفُ عند العم ممتاز موسيقى عذبة كأنها تنادي ذلك الغريب للقدوم إليها... كان شاكر يتأمل براعة أناملها في رسم الألحان السحرية التي لعنته بحب هذه الفتاة التي لم تفارق أحلامه يوماً...

 كانتْ عودة الغريب قد تم تدبيرها من قبل المختار والشرطي رؤوف، فالجميع يدرك بأن المحقق عائد قد فقد براعته في حل سلسلة الجرائم المتكررة خلال الفترة الماضية... وهنا قرروا إعادة تشكيل فريق التحقيق القديم لحل هذه الجريمة المشابهة لجريمة قديمة صادفتهم قبل عدة سنوات وتم حلها بفضل جهود المحققان اللذين تغاضا عن جرحهما في سبيل مهنتهما التي كانا يعشقانها منذ طفولتهما القاسية. صُعق أهالي الضيعة عندما قام المختار بتقديم المحقق الجديد لهم ولكن الصدمة الكبرى كانت من نصيب عائد الذي لم يتحمل عودة عدوه اللدود.

ودعت تشرين صديقها شاكر وهي تدخل إلى القصر حيث استقبلتها الخادمة زينب التي لا تكبرها سوى بسنواتٍ قليلة ، وعندما أخبرتْ تشرين بأن والدتها ليست في القصر سرعان ما هربت مغادرة القصر. جرت تشرين بسرعة نحو ذلك المكان الذي عشقته منذ طفولتها لم تكترث لتحذيراتِ زينب ... فلطالما كان الغموض يشدها الى أعماقه كأنه يريد لصغيرته أن تكبر بسرعة لتكتشف اسرار الحياة . .. قررتْ تشرين المرور على الشاطئ أولاً لتداعبَ أمواج البحر وتستمتع بوقتها بمشاهدة طيور النورس وبعد أن فعلت ذهبتْ الى ذلك المكان الذي لا تزوره سوى خلسة بسبب أوامر والدتها... هناك تمددتْ تشرين على المرج الأخضر وأخذت تنظر إلى السماء لوهلة أغمضتْ عينيها وكادتْ أن تغفو حتى أتى صوتُ فتاةٍ من فوقها يناديها فتحتْ تشرين عينيها لترى قريبة صديقتها نزيهة قالتْ مستغربةً : ساندرا! ما الذي تفعلينه في تل الشمس ؟؟

لم تكن ساندرا لوحدها بل كانت برفقة العم جبور الذي أراد مساعدتها في جمع بعض الأغصان...أخبرتْ تشرين بأنها قدمتْ مع عائلتها من المدينة لحضور حفلة عيد مولد نزيهة.  عرضتْ تشرين عليهما المساعدة لكن العم جبور رفض وطلب منها العودة للمنزل قبل تأخر الوقت فهو يدرك مدى خوف السيدة ملك عليها اذا ما علمت بأن تشرين كانت في مكان مخيف كهذا. 

ودعتهما تشرين وبعد ان إبتعدتْ عنهما حط غرابٌ أسود على كتفها وبدأ ينعق ثم طار بإتجاه البحيرة... تشرين لا تعرف لغة الغربان لكن لطالما إعتبرتهم اصدقائاً  لها... كيف لا وهم دائماً يراقبونها من بعيد كأنهم رسلٌّ من الغابةِ الممنوعةِ ؟أرسلوا لحمايةِ تلك الطفلة التي ولدتْ بين أحشاءِ الطبيعةِ.

لم تُرد تشرين اللحاق بالغراب لكن قدميها لم تستطعا منعها فجرتْ وجرتْ حتى وصلتْ إلى السنديانةِ الكبيرةِ حيث حطَّ الغرابُ على إحدى أغصانها ، تلك السنديانة التي ولدت تشرين في حضنها، تلك الشجرة العملاقة المسنة التي إعتادتْ تشرين تسلقها في زياراتها السرية للغابة.

نظرتْ تشرين للأعلى وكم صُدمتْ عندما رأت حمامةً بيضاءَ قد علقتْ ساقها بين أغصانِ الشجرةِ المتشابكةِ ... خلعتْ حذائها وبدأتْ تتسلقُ أغصانَ الشجرةِ حتى وصلتْ الى الهدفِ، وسرعان ما مدتْ ذراعها محاولةً فكَّ قيودِ تلكَ الحمامةِ... حاولتْ تشرين الحفاظ على توازنها فهي لم تعد تلك الطفلة الرشيقة التي لا يردعها شيء ،وأخيراً تمكنتْ من فكِ قيود الحمامةِ وكم شعرتْ بالحزن عندما رأت الدماء تسيل من ساقها أرادتْ مداوتها، ولكن الحمامة أثبتت لتشرين قوتها عندما حلقتْ في السماء فرحةً بحريتها... وبينما كانتْ تُراقبُ الحمامةَ لاحظتْ رجلاً غريباً يقف عند البحيرة. كان ذلك الغريب الذي قدم إلى البحيرةِ لفحصْ مكان الجريمةِ السابق لأن عائد رفض مشاركته في حل اللغز. نظرتْ تشرين لملامحه لكنها لم تتعرف إليه وكانت الندبة فوق عينيه الملونتين تربكها وتخيفها فبدأتْ تتسائل عن هوية هذا الرجل الذي ظنتْ بأنها تراهُ للمرةِ الأولى في حياتها شعورٌ ما شدها إليه... إحساس لم تشعر به يوماً... شيءٌّ جعل جسدها بأكمله يرتجف ومع إقترابِ نظراتها إليه، شتت إنتباهها الغراب الذي حلقَ فجأةً في وجهها. وسرعان ما إختل توازنها وسقطتْ صارخةً على الأرض ...

حانتْ ساعة اللقاءِ بذلك الغريب حيثُ هرعَ لنجدةِ تلك الصبية الممدة على الأرض ركض نحوها، توقف ثم نظرإليها يسألها عن حالها. رفعتْ تشرين رأسها عالياً وتقابلتْ عيونهما ،وكم كان فيهم بريقٌ يومضُ بلقاءٍ غريبٍ ... كانتْ عيناها مرتبكتان، ويداها ترتجفان من صقيعِ اللقاءِ فأدركَ المحققُ بأنها خائفةً من أن يكونَ ذلك المجرمُ، قاتلُ النساءِ الذي لم يستطع أخاها حل سلسلة الجرائم التي إرتكبها ، لكن الغريب هدأها قائلاً بأنه المحقق الجديد فإطمأنتْ تشرين لذلك .

ناولها الغريبُ حذائها وطلبَ منها الوقوف فوقفتْ ،وما إن خطتْ قدميها حتى صرختْ من الألمْ ... ساعدها الغريبُ على الجلوس فوق  الصخرة وما إن مدتْ ساقيها حتى لاحظ أن الدماءَ تسيلُ من جرحِ ساقها اليسرى حاولَ المحققُ إيقاف النزيف بقطعةِ قماشٍ مزقها من قميصهُ وربطَ بها قدمها.

سألها أن تقف مجدداً فخطتْ خطواتٍ قليلةٍ ،إدعت فيها قوتها، لكن سرعان ما فضحتها آهاتُ الألم فقال الغريب:"يا الهي أنتِ تتألمين!"

عرض عليها إيصالها للمشفى لكنها أخبرته بأن منزلها قريبٌ .حاولتْ من جديد السير لكن الألم كان يردعها بقوة. فكر الغريبُ مطولاً ثم قال عارضاً عليها : حسناً الحلُ الوحيد هوأن أحملكِ على ظهري وصولاً إلى منزلكِ.

كانت تلك الفكرة سيئةً جداً بالنسبة لتشرين فسرعان ما ردتْ غاضبةً : "هل جننتْ؟ بالتأكيد لا، سيقتلكَ أخي إن سمع ما قلته للتو."

حاولَ أن يعرضَ عليها من جديدٍ لكنها أجابتهُ بإختصارٍ : "لا،لا،لا."

قال :" يا الهي كم أنتِ عنيدةٌ !"

أجابتهُ:"إن كنتُ عنيدةً فأنتَ وقحْ ."

غضبَ الغريبُ لردةِ فعلِها فبدأَ بإخافتها بأنه سيغادرُ ويتركها وحدها في هذا المكان حيث سيعثرُ عليها ذلك المجرم وتصبح ضحيةً جديدةً لهُ في ظلماتِ الغابةِ .

إعتلى الخوفُ قلبَها عندما أدار لها ظهرهُ مغادراً، لكن فاجئهُ الغراب الذي حطَّ على غصنٍ مجاورٍ له ،نظرتْ تشرين لصديقها الغراب ثم نادتْهُ:" أنتَ! قفْ أنا موافقةٌ."

إبتسمَ الرجلُ ومدَّ يده لها ليساعدها على النهوض فأمسكتْ بها ، ولأول مرةٍ شَعرَ أسيرُ بأن دقاتَ قلبِهِ كالجليدِ تنبضُ بسرعةٍ رهيبةٍ ،أما هي فشعرتْ بالدمِ كاللهيبِ يجري في عروقها لأول مرة . تقابلتْ عينيهما كأنهما تعرفان بعضهما منذ زمنٍ بعيدٍ، أراد كليهما أن ينطقا لو بحروفٍ مبعثرةٍ لكنهما إكتفيا بالصمتِ. صعدتْ تشرين على ظهره ، وأثناء سيره حاول منها التعرف على إسمها لكنها أبتْ البوحَ به وبدوره رفضَ أن يصرح بهويته بل إكتفى بالصمتِ.

 لم يشعرا بأن كلماتهم القليلة كانت كافية لمرور الوقت فسرعان ما وصلا إلى الشارع العام وفجأةً صرختْ تشرين :" قف! لقد وصلنا."

نظرَ الغريبُ حولهُ ولم يجدْ سوى ذلك القصر القديم ، فكرَ رويداً ثم إمتلكَ الجرأةَ ليسألها: "أين؟!"

أشارتْ لهُ:"هناك، ذلك بيتي.هل أنتَ بخير تبدو مرتبكاً؟!"

لم يهتم الغريب لسؤالها، نظر إلى القصرِ ثم إليها ، فقال:"إذاً إنها أنتِ، أنتِ هي تشرين."

صُعقتْ تشرين عندما لفظَ إسمها فمن يكون هذا الغريب الذي لم تلتقِ به يوماً ؟ساعدها على الوصولِ حتى بوابةِ القصرِ،وهناك وبينما كانت هي مرتبكةً لنظراتهِ إليها، ابتسم أسير لسؤلها :" كيف عرفتَ إسمي؟" أجابها: "لا يُهمْ، سنلتقي مجدداً أيتها الصغيرة."

ثم إستدارَ الغريبُ مغادراً فنادتهُ تشرين من بعيدٍ تُحْرِقُها شراراتُ الفضولُ ثم نادتْهُ :"أنتْ ألن تخبرني من تكون ؟"

لكن الغريب تابع طريقهُ صامتاً دون أن يجيبها ولو بكلمةٍ واحدةٍ.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق