]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في أول تشرين

بواسطة: fidaa hourani  |  بتاريخ: 2012-07-24 ، الوقت: 13:06:14
  • تقييم المقالة:

لنغوص معا في ذكريات لم تكتب لها النسيان، تبدأ الحكاية قبل 18 عاما . في غابةٍ موحشةٍ بجانبِ بحيرةٍ صغيرةٍ وأسفل سنديانةٍ عملاقةٍ أحاطتها ثلاثةُ سيداتٍ عالقاتٍ تحت غضبِ ذلك اليوم، يوماً عاصفاً ومريباً، كأنه يريُد أن يقتلعَ كلَ ما حوله من مكانه قرباناً لغضبه. 

كأن الطبيعة نفسها قد جُهزتْ لموعدٍ غريبٍ... وعلى صوتِ المطرِ الغزيرِ و قصفِ الرعدِ المخيفِ، كانتْ بين تلك السيدات إمرأةٌ تصرخُ بشدةٍ. هناكَ عند السنديانةِ كانتْ تصرخُ بقوةٍ من شدةِ المها، تصرخُ وتصرخُ ... أنفاسها كانتْ خائفةً، وآهاتها كانت قاتلةً. وما إان تمكنتْ من التوقف عن الصراخ حتى سمعتْ صوتَ بكاءٍ... بكاءٍ صارخٍ أجبرها على الصمت كان ذلك بكاءُ طفلةٍ ولدتها هي ... وُلدتْ عند منتصف الليل الذي أعلن بداية شهر تشرين أو بالأحرى بداية الشهر الدامي.

كانت تلك المولودة تبكي بشدةٍ كأنها ترفضُ الخروجَ في هذا اليومِ، يومٍ لا يمكن لكل من شاهده بأن ينسى الأسى الذي تذوقه من كأس الخيانةِ والغدرِ. لم يكن مكتوباً لهذه المولودةُ بالقدومِ مبكراً، لكنها أرادتْ الخروج قبل أوانها لتودعْ مع قدومها أرواحاً عزيزةً على قلوبِ هؤلاءِ السيداتِ قلوبٍ ستُجرحُ بالحزنِ والألمِ ليكفرونَ عن ذنوبٍ ليستْ بذنوبهم.

حملتْ إحدى السيدتان المولودةَ ووضعتها بين ذراعي أمها. نظرتْ الأمُ لصغيرتها، كم حزنتْ حينها وإرتبكتْ... خشيتْ من بريقِ عينيها، فإمتزجتْ إبتسامَتُها مع دموعِ الفراقِ ، فراقِ الأحبةِ ...

همستْ الأمُ في أذني صغيرتها و تمتمتْ بحروفٍ موجعةٍ ثم غابتْ عن الوعي ... لم تقلْ السيدة حينها سوى كلمة واحدة ، كلمة رأتها في تلك العينان المسحورتان. كانت تلك الكلمة كلمةٌ بشعةٌ جلبتْها في أولِ لحظةٍ لها من حياتها .

وفي أول تشرين ،عند منتصفِ الليلِ همستْ الأمُ في أذني إبنتها الوحيدة كلمةً قتلتْ بكلِ حرفٍ أسودٍ من حروفها قلبَ إنسانٍ. تلكَ الكلمةُ وببساطةٍ لخصتْ لغاتَ العالمِ كله بكلمةٍ قد تليقُ بأن تكونَ إسماً لها ... تلك الكلمةُ كانتْ الموتْ.

"هناكَ شهدتْ الغابةُ الممنوعةُ ولادةَ صبيةٍ كُتبَ لها أن  تجلبَ الموتَ رسالةً، أن تنشرَ الأسى والمعاناة لعائلتين ربطهما الدمْ ... هناك وفي ذلك اليوم المشؤوم لم تشهد بلدة تل الشمس قدوم الموت فحسب بل شهدت ولادة تشرين ."

تلك الطفلة كَبُرَتْ وكَبُرَتْ حتى أصبحَتْ شابةً فاتنةً يُحبها الجميع بالرغم من تصرفاتها الغريبة كانت تُدْخِلُ البهجةَ إلى كُلِّ شخصٍ يُقابلها... لَمْ تُدركْ تلكَ الصبيةُ يوماً الأسرارَ التي خبأتها الظروف ، ولم تعلم واقعَ الصراعِ القديمِ الذي محت أثاره تلك السنين.

الآن وبعد مرور كل تلك الأعوام ،عادتْ تشرين إلى منزلها أو كما يسمونه الجميع بالقصر الكبير حيث توارثته عائلة آغا منذ مئات السنين. كان ذلك القصر القديم ميراثاً لم تفكر السيدة ملك يوماً بالتفريطِ فيه بل على العكس حاولتْ دائماً محاربة أي عائقٍ يحاول أن يهدم اللحظاتِ الجميلةِ داخل جدرانه... وكان هناك ميراثاً صغيراً آخر تركته لإبنتها تشرين ، كان عبارة عن غرفةٍ صغيرةٍ داخل برج ملاصقٍ للقصر ... لم تعلم تشرين يوماً سرَّ هذا البرج المغلق الذي لا يحتوي سوى غرفة فارغة مقفلة بجدرانها الأربعة ، لكنها عشقته .

إعتادتْ منذ طفولتها سرقةَ الطباشيرِ وتدوينَ لحظاتٍ أرادتْ ألا تنساها يوماً... كعودةِ عائد ، منذ خمسةَ أعوامٍ مضتْ ، حزيناً مدمراً بعد رحلته من أميركا... كقصة قريبتها شادن التي تركت كل شيء وسافرتْ للخارجِ هرباً من الحزن... كاليوم الذي فارقت فيه خالتها كاترينا الحياة... كقصة حبٍ رفضتها قريبتها نادين من أجل حبٍ آخر شبهَ مُستحيل.  كانت هناك لحظاتٌ حزينةٌ وأخرى سعيدةٌ ، فلطالما كانت تضحك عندما تقرأ ذكريات طفولتها المدونة على الجدران.  ضحكتْ عندما تذكرتْ سرقةَ شاكر،صديق طفولتها، لأزهار جارتهم نعمات ليهديها إليها في عيد مولدها السابع ... إبتسمتْ عندما قرأت ذكرياتَ تدربها مع رفيقها جود على أول تمثيلية لهما فوق مسرح المدرسة. وكانت فرحة جداً عندما تذكرتْ صديقتيها نزيهة واماندا حين قطعا عهدا على الحفاظ على سرٍّ يخصُ إحداهنَ وأقسمنَ على عدم البوح به يوماً ... كل تلك الذكريات لا تضاهي ابتسامة تشرين وفرحتها عندما تتذكر اللحظات التي علمتها فيها السيدة ملك عزف البيانو وعشق الموسيقى ... تشرين لم تعرف يوما الأسرار التي ولدتْ معها، لم تعِ يوماً حروفَ الموتِ التي همست لها أمها بها. 

 لم تدرك تشرين أنه في الأيام القادمة ستكتب على جدارها عباراتٍ من نوعٍ آخر ومن مذاقٍ مختلفٍ، ستكتبها بطباشير مفعمة بالحبِ ، بالألمِ وبالحنينِ ...

 فداء

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق