]]>
خواطر :
رأيت من وراء الأطلال دموع التاريخ ... سألته ، ما أباك يا تاريخ...أهو الماضي البعيد...أم الحاضر الكئيب...أو المستقبل المجهول....   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ارحنا بها يابلال

بواسطة: عادل المتعارض  |  بتاريخ: 2011-07-21 ، الوقت: 15:53:33
  • تقييم المقالة:

 

بات زماننا مضرب المثل في انتشارالأزمات والابتلاءات، فلم يعد كبير أو صغير، غني أو فقير، بمعزل عن حادث يعكّر عليه صفو حياته، ويثير أشجانه وأحزانه، بل صار الجميع في بؤرة الأزمة، يعيش مفرداتها بكل كيانه، ولا يكاد يخرج من أزمة حتى تتلقفه أخرى، فتتلاعب به رياح الأزمات حينًا بعد حين، وتتناوشه بمخالبها فتجرحه وتؤذيه.
إلا أنه على الجانب الآخر يقف البعض في وجه الأزمات وقوف الراسخين، يصدون هجماتها بقدم ثابتة ويقين يزلزل الجبال، تتداعى كل أزمة أمام قلبه الواثق وإيمانه العميق، فلا البلاء يهده، ولا الأزمات تزعزعه، بل تكفيه سجدة يسجدها بين يدي ربه حتى يزول ما حل به من كرب، متمثلاً في ذلك قول النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم: "أرحنا بها يا بلال".
إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة، وتجد فيها النفس زادًا أنفس من أعراض الحياة الدنيا، ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام، وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادًا للطريق، وريًّا في الهجير، ومددًا حين ينقطع المدد، ورصيدًا حين ينفد الرصيد: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ).

إن الاستعانة بالصلاة والسجود والركوع على كشف الكرب والبلايا، ودفع الأزمات والرزايا، ورفع الشدائد والملمات، تلك الاستعانة يحتاج إليها الضارب في الأرض كائنًا من كان؛ فهو في حاجة ماسة إلى الصلة الدائمة بربه، تعينه على ما هو فيه، وتكمل عدته وسلاحه فيما هو مقدم عليه، وما هو مرصود له في الطريق، والصلاة أقرب الصلات إلى الله، وهي العدة التي يدعى المسلمون للاستعانة بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ومن ثم يجيء ذكرها هنا في أوانها المناسب، في وقت الحاجة إليها والاضطرار، فما أحوج الخائف في الطريق إلى أن يطمئن قلبه بذكر الله، وما أحوج صاحب الأزمة إلى أن يلتجئ إلى حمى الله.

إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود أن يتصل بالقوة الكبرى، يستمد منها العون حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة،حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة، حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق بين دفع الشهوات وإغراء المطامع، وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد بعنفها وعنفوانها، حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود، حينما يجد الشر نافشًا والخير ضاويًا، ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق، هنا تبدو قيمة الصلاة، إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية، إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض، إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقنية ويفيض.
إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة، إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود، ومن هنا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في الشدة قال: "أرحنا بها يا بلال"، ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله.

إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة، والعبادة فيه ذات أسرار، ومن أسرارها أنها زاد الطريق، وأنها مدد الروح، وأنها جلاء القلب، وأنها قوة الفؤاد، وأنه حيثما كان تكليفٌ كانت العبادة هي مفتاح القلب لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر، إن الله سبحانه حينما انتدب محمدًا -صلى الله عليه وسلم- للدور الكبير الشاق الثقيل، قال له: (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً * إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، فكان الإعداد للقول الثقيل، والتكليف الشاق، والدور العظيم هو قيام الليل وترتيل القرآن، إنها العبادة التي تفتح القلب، وتوثق الصلة، وتيسر الأمر، وتشرق بالنور، وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان. ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام، إلى الصبر وإلى الصلاة، ويوجههم حال الأزمات والشدائد بالفزع إلى ربهم، بتمريغ الأنوف له، وإذلال الوجوه له، وسجود الجباه له، لكي تتصل الأرض بالسماء في مشهد مهيب من مشاهد المدد الإلهي الذي لا ينقطع.

عادل المتعارض
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق