]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في البدء كان الخطيئة !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-23 ، الوقت: 11:21:39
  • تقييم المقالة:

 

لسنا ملائكة .. ولن نكون ، أبدا ، ملائكة .. ولو حاول البعض منا ذلك !!

المتصوفون ، والزهاد ، والمنقطعون عن الدنيا ، إلى العبادة والنسك ، حاولوا ذلك ، حاولوا فوق طاقاتهم الميسرة ، وبمجهودات جبارة مستمرة ، غير أنهم لم ينجحوا تماما ، وفشلوا في النهاية ، وظلوا بشرا يخطئون !!  

فما دمنا نعيش فوق هذه الأرض ، وفي هذه الدنيا ، التي لم تسم ـ في اعتقادي ـ « دنيا » إلا لأنها تتصف بالدونية .. والدناءة .. والدنايا ... فسنظل نخطئ ، ونخطئ ، ونرتكب جميع أنواع الموبقات والسيئات ... وهذا هو قدرنا !!

  »فطرة الله التي فطر الناس عليها » .

فنحن نخطئ لكي نستفيد من أخطائنا ، ونتعلم منها ، ونتعظ ، ونعتبر . أو نصبح ضحايا لها ، مرات كثيرة ؛ فنتجرع الحسرة و الألم . والخطيئة موجودة في حياتنا اليومية ، تتخلل تصرفاتنا وأعمالنا ؛ لكي نتراجع عن بعضها نادمين مستغفرين فترة . أو نقترب من بعضها الآخر غافلين مغرورين فترات أخرى .

والإنسان منذ أن سكن الأرض ، واستعمرها ، واختلط ببني جنسه شعوبا وقبائل ، فهو لا ينفك عن إتيان الخطأ ، وإيتاء الخطيئة . ولا أحد منا ، مهما كان حريصا كل الحرص ، وحذرا أشد الحذر ، يسلم من هذا الأمر ، سواء بينه وبين نفسه .. أو بينه وبين غيره .. أو بينه و بين خالقه .

قد يكون الخطأ كبيرا ، وقد يكون صغيرا ، المهم أنه كائن ، وأنه يتم في لحظة ما ، في مكان ما ، مع إنسا ما .

وكل أبناء آدم يدركون قصة أبيهم ، الذي كان أول من أخطأ ، على رغم أن الله جل جلاله ، حذره من ذلك ، بل وبين له العلة والوسيلة ؛ أي تلك الشجرة اللعينة : « شجرة الخطيئة » التي أكل منها هو وزوجه ، فوجدا نفسيهما عاريين .. عاريين من الطاعة ، والطهارة ، والاستقامة ، والبراءة ، والنقاء ... فكان لا بد أن يغادرا الجنة ، ويهبطا إلى الأرض ، موطن الخطايا والشرور ، ومستقر المفاسد والذنوب . فالجنة لا يسكنها العصاة والمذنبون ، وإنما يسكنها الأطهار والمتقون ، يسكنون فيها خالدين أبدا .

لذا بقيت الملائكة في الجنة .. في السماء . وهبط أدم وزوجه ، ومعهما إبليس وجنوده إلى الدنيا .. إلى الأرض . ليكونوا بعضهم لبعض عدو .

والعداوة هي أم الخطيئة ، وهي أساس الشرور !!

ومنذ ذلك الأزل شاءت حكمة الله تعالى أن يكون أبناء آدم خطاءين ، نزاعين إلى الذنوب والمعاصي ، يقترفون السيئات والمنكرات ، بقصد أو بغير قصد .

وهم في ذلك متساوون ، لا خيار بينهم ، ولا اختيار لهم ، بما فيهم الأنبياء والرسل ..

غير أن هؤلاء لا تكون أخطاؤهم عظيمة ، وزلاتهم لا تتكرر ؛ فالله سبحانه يدركهم برحمته الواسعة ، ويشملهم بعفوه الكبير ، ورعايته الكريمة ، ويصنعهم على عينه صنعا ، وقد عصمهم حتى آخر أيامهم من الزلل والخطأ والسقوط .

ورسولنا العظيم محمد ( ص ) ، الذي جاء رحمة مهداة إلى العالمين ، قال لنا في حديث له صحيح :»  والذي نفسي بيده ، لو لم تذنبوا ، لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون الله ، فيغفر لهم » .

والتوبة الصادقة لا تهب التائب عفو الله وحسب ، بل تهبه حبه أيضا : « إن الله يحب التوابين ، ويحب المتطهرين » . بل وتهبه عطاء آخر ، ما كان يخطر للتائب ببال ، ذلك هو فرح الله وحبوره بعودة عبده الغائب والتائب !!

فلنعمد إلى التوبة عند الخطيئة . ولتكن توبتنا صادقة خالصة . ولنسارع إليها قبل فوات الأوان .

وأفضل من هذا أن نعمل أيضا على أن نتفهم أخطاء الآخرين ، ونتقبل اعتذارهم ، خاصة إذا كان اعتذارهم لا نفاق فيه أو كذب ، ولا تشوبه مصلحة مبطنة ، أو غرض خفي ، أو خديعة مبيتة ؛ فإن القلوب آنية الله في أرضه ، فأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها . فالقلب إذا كان رقيقا لينا ، كان قبوله لأخطاء الآخرين و اعتذارهم سهلا يسيرا ، ويؤثر فيه ندمهم وتوبتهم ، وإن كان قاسيا غليظا ، كان  قبوله لذلك صعبا عسيرا .

فلتكن قلوبنا رقيقة لينة ، ولنتبع سيئاتنا حسنات تمحها ، ولنسكب على خطايانا ندما يغسلها .

وإذا قدر الله أن يكون في البدء الخطيئة ، فلنحرص من جانبنا على أن تكون في الخاتمة التوبة والمآب . فإن الله كان غفورا رحيما .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد عكاش | 2012-08-02
    (فلتكن قلوبنا رقيقة لينة ، ولنتبع سيئاتنا حسنات تمحها ، ولنسكب على خطايانا ندما يغسلها).الأخ: الخضر التهامي الورباشي: السلام عليكم ورحمة الله، إنه اللقاء الأوّل بيننا، وشجعني على الحديث معك هو: أنّ التعارف من السّنة، وأني لمحت في كتاباتك ميلك إلى سنة رسول الله، وهذا مؤشر على أنك لا تستغرب خطوتي هذه.سرّتني فيك هذه الروح السمحة اللينة المتسامحة الواقعية، التي تقرّ بأخطائها وذنوبها، و(أنَّ كل ابن آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون)، فهذا سموّ في النفس نفتقر إلى مثله في زمن غلبت فيه الأثرةُ والمطامع والعَظَمَةُ الفارغة ..بارك الله بك وأكثر من أمثالك.
    • الخضر التهامي الورياشي | 2012-08-03

      لابد لكل امرئ عاقل ، ومسلم ، أن يميل إلى سنة رسول الله ، و أن يعمل بحديث رسول الله ، وأن يلتزم برسالته الخالدة ، التي بلغها لنا عن المولى عز وجل ، وهو خير الحاكمين . لأن محمد بن عبد الله ، عليه الصلاة والسلام ، جاء رحمة مهداة للعالمين ، وجاء ليتمم مكارم الأخلاق ، التي هي حرز الأفراد ، وعماد الأمم ، والتي هي غاية كل إنسان فاضل  ينشد الاستقرار ، والأمان ، والسعادة .

      مرحبا بك أخي أحمد عكاش .

      وحقيقة سررت بمعرفتك .

      وشكرا .

  • طيف امرأه | 2012-07-24
    ايها الخضر ..
    ما تركت لي مجال للرد ..
    ففي مقالك شملت الهوامش والمراكز ..وحتى النوافذ والابواب
    لله درك ما اروع حرفك وكلامك !
    دوما يبهجني ما تقول لانه يدخل الى القلوب والعقول باسلوب سلس جذاب
    بارك الله بك واسعدنا دوما بتلك المقالات التي ترفع عن كاهلنا بعضا من تشتت
    سلمتم وسلم قلمكم الناصع اللجيني
    طيف بخالص التقدير

    • الخضر التهامي الورياشي | 2012-07-24

      سيدتي الشاعرة ، عندما أندفع في الكتابة ، فإن خط الإنطلاق يكون من نفسي ، و السطر الأول يتصل بشعوري أو فكري . لذا أحاول دائما أن أعبر عن نفسي ، و أترجم عن شعوري ، و عن فكري ، و لا أحاول أن أخفي حقيقة من الحقائق التي تنطلق بي في عالم الحروف و ما يسطرون .

      و لأنني كذلك ، فكثيرا ما يبدو أنني أعبر عن كثيرين ، و أترجم عن مشاعرهم و أفكارهم و أحلامهم و هواجسهم . و هذا يسعدني ، و يرفع من معنوياتي ، و يزيد من طاقتي ، في حلبة سباق الكتابة ، و عليه ربما قد أفوز ، و أحتل بعض المراتب المشرفة ، و أنال رضا القراء المعجبين ، و تحفيز النقاد المشجعين .

      و سلمت أنت أيضا . و شكرا .

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق