]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل أصبح انسان العصر في خسر؟! الحلقة الأخيرة

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2012-07-22 ، الوقت: 17:11:27
  • تقييم المقالة:

ان شهادة (ول ديورنت) ومابين فيها من التحليل الجنسي لتكفى لما وصل إليه إنسان العصر من تدمير لنفسه ومما يزيد الأمور خطورة أن الكاتب كان قد ألف كتابه منذ80 سنة أي سنة 1920 م . ونحن الآن في القرن الواحد والعشرون عصر المعلومات والتقنيات الرقمية..والقرية الكونية.) تخطينا كل الحدود, فقد نتج عن الثورة المعلوماتية التقنية تغيرات جذرية مست كل الأصعدة والمستويات حيث شهدت مفاهيم: العمل والزمن, والأفكار والمؤسسات والقيم الثقافية تغيرات أساسية..فأصبحنا نشاهد بأم أعيننا عن طريق هذه التقنيات الحديثة ما لم يخطر على بال الكاتب فأصبح الجنس هو المعبود بحق فلم يعد يكفى ما ذكره المؤلف من أفلام ومسارح وقصص جنسية في شهادته السابقة. بل أنهم جسدوا ذالك كله بالصوت والصورة وزادوا عليه حيث أن وسائل الإعلام ـ ولاسيما الفضائيات ـ تحرك غريزة الجنس وتحطم كل الآداب المرعية في هذا المقام، مما جعل سلوك بعض الناس ـ من كبار وصغار- يتجاوز بخطوات السلوك الجنسي لبعض البهائم.ويكفى للحصول على هذه الصور كبسة على زر من أي جهاز وفى أي مكان من العالم. ناهيك عن ملايين المواقع الإباحية في الانترنت.والموبايل والفنادق..الخ
لكننا لا نراه شبع من الجنس رغم إتاحة كل الفرص له للإشباع! بل نراه في قلق دائم, وفى ضغط عصبي متزايد, وجنون ومخدرات وجريمة وانتحار….الخ
ليس هذا ما كان يريده الإنسان التواق إلى الأمن النفسي والاستقرار, الذي ينبغي أن يتوفر لكل نفس « إنسانية » لها مهمة تقضيها على هذه الأرض غير مهمة الحيوان. وهذا ربما أحسه الشباب المسلم بفطرته, الذي ينشد لدى كتابه ومفكريه مستوى من المبادرة والجد والإخلاص, ولونا من الكتابة المباشرة التي تعيش عصرها وأفكاره وتطلعاته, فإذا هم لا يزيدون على مضغ حكايات الأولياء, واجترار بضعة خيالات محلقة في سموات التيه, ومجابهة الواقع الصارخ الملح بما يميعه في وعى الجماهير, ثم يسرح بها بعيدا بعيدا, في أحلام الماضي وتصوراته..لينشغل ببيان الانجازات التي حققها السلف..وهذا ما يجعل هؤلاء الشباب يهربون من التفكير بانغماسهم في ملذاتهم إلى درجة تكييفها مع عقلهم الجمعي. وهو ما يمكن اختزاله في معادلة أحد طرفيها البطن والفرج والطرف الآخر القلب والعقل وتكون المعادلة على الشكل التالي:

العقل+القلب = البطن+الفرج. وعليه يتحدد تعقلنا للأشياء حسب تفعيل طرفي المعادلة بالنسبة للطرف الآخر. وتفسير ذالك أن الإنسان فيه غرائز دنيا تشده إلى تحت؟

وخصائص كريمة تدفعه إلى فوق؟ فإذا كانت هذه الخصائص أشد قوة ذهبت بالإنسان صعدا إلى آفاق الحق والخير والجمال. وإذا كانت مساوية لغريمتها ذهب السالب في الموجب وبقى المرء موضعه. وإذا كانت أضعف منها أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلم تراه إلى مبطلا شريرا دميم الروح. والذي أقصده أن تحصيل الكمال تحتاج إلى معاناة علمية وخلقية…فالكريم لن يكون كريما إلا إذا قهر نوازع الشح. والشجاع لا يكون شجاعا، إلا إذا هزم بواعث الخوف…
وبما أن تحصيل الكمال يحتاج إلى معاناة القراءة الجادة وما تتطلبه من تركيز ووعي، والى مفكرين يعيشون ثقافة العصر بكل تحدياته.فان الثقافة الأوروبية ستبقى بلا منازع في الوقت الراهن, تلك الثقافة الناتجة عن هيمنة أوروبا وضعف وترهل البرامج العربية والإسلامية ومن بينها بلدي موريتانيا, فقد تكونت لدى أبناء هذا المجتمع عقلية مشابهة للعقلية الأوروبية في مفاهيمها وأفكارها ونظرتها إلى الحياة, لأن الباب الوحيد للعلم والتثقيف هو ذالك الذي يفضى إلى هذه الثقافة, التي تلقن في المدارس المنشأة من طرف الحكومات في البلاد العربية ولإسلامية, على نمط المدارس المنشأة في البلاد الأوربية, من ابتدائية وثانوية وعالية. وهذه الثقافة بشكلها الحاضر وجميع ملابساتها أخذت واقتبست من الثقافة الأجنبية, وهى نفسها في الدواوين الحكومية وفى المهن الحرة وفى مجالات الحياة العملية المختلفة.
وارتباط المجتمع بالمناهج التعليمية, والمقررات الدراسية, ومختصراتها قتلت لديهم روح البحث وحرمتهم من المطالعة خارج المنهاج, وكرهت إليهم القراءة والكتابة، إذ حصرت الهدف منهما بالإمتحان والشهادة تنتهي الحاجة إليهما, وتبدأ القطيعة معهما بالنجاح في الامتحان وتحصيل الشهادة. من ثم فان الفئة التي تحصلت على الشهادة ارتبطت هي الأخرى بوسائل الأعلام والمعلومات السريعة، بما تملكه من جاذبية وسائطها المتعددة في الصوت والصورة والحركة، فآثروها على تحصيل العلوم والمعارف، وسلموا أخيلتهم وأوقاتهم لها، وفضلوا التحول إلى متلق يستمع ويشاهد مسترخيا على أريكته، يتجرع ويحتسى كؤوس القهوة أو الشاي مع ما يقدم له من دون كبير تدخل أو اختيار…
أما الفئة الباقية فهم مجموعات تحكم فيها الفكر الجمعي للمجتمع الذي لا يسمح عادة بالخروج عليه لأن ذلك يعتبر إيذانا بتخريب روحه الجماعية التي هي المصدر لتلاحمه الهش، فسيطر على هؤلاء الانشغال ببيان الانجازات.. وبهذا تحكم أوروبا سيطرتها على العالم أجمع بهذه الثقافة وهى (الثقافة التي تمثل الفكر الغربي ككل) سواء في مستعمراتها السابقة أو عولمة يرامحها عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمقروءة والمسموعة..
يبين عبد القادر عودة في كتابه: الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه, السيطرة الكاملة للثقافة الأوروبية على جميع طوائف المسلمين الذين يقسمهم إلى ثلاث طوائف وهي:
1) طائفة غير لمثقفين: وتشمل الأميين والمثقفين ثقافة بسيطة لا تؤهلهم لأن يستقلوا بفهم ما يعرض عليهم والحكم عليه حكما صحيحا, وهؤلاء يجهلون الشريعة الإسلامية جهلا تاما إلا معلومات سطحية عن العبادات. وأكثرهم يؤدون العبادات تأدية آلية, مقلدين في ذالك آباءهم وإخوانهم ومشايخهم, ويندر أن تجد فيهم من يعتمد في تأدية عباداته على دراسته ومعلوماته الشخصية. ويدخل في هذه الطائفة أغلب المسلمين ولا يقل عدد أفرادها عن ثمانين في المائة من مجموع المسلمين في العالم الإسلامي وتتأثر هذه الطائفة تأثيرا كبيرا بتوجيهات المثقفين, سواء كانت ثقافتهم أوروبية أو إسلامية..
2 ) طائفة المثقفين ثقافة أوروبية: تضم هذه الطائفة معظم المثقفين في البلاد الإسلامية وأكثرهم متوسطي الثقافة. ولكن الكثيرين منهم مثقفون ثقافة عالية.ومن هذه الطائفة القضاة والمحامون. والأطباء. والمهندسون والأدباء ورجال التعليم. والإدارة.والسياسة.
وقد تثقفت هذه الطائفة على الطريقة الأوروبية. ولهذا فهم لا يعرفون عن الشريعة الإسلامية إلا ما يعرفه المسلم العادي بحكم البيئة والوسط. وأغلبهم يعرف عن عبادات اليونان والرومان. وعن القوانين والأنظمة الأوروبية. أكثر مما يعرف عن الإسلام والشريعة الإسلامية. ومن هذه الطائفة أفراد يعدون على الأصابع في كل بلد لهم دراسات خاصة في فرع من فروع الشريعة أو في مسألة من مسائلها. ولكنها دراسة محدودة. ويغلب أن تكون دراسات سطحية. وقل أن تجد في هؤلاء من يفهم روح الشريعة الإسلامية على حقيقتها أو يلم الماما صحيحا باتجاهات الشريعة أو الأسس التي تقوم عليها. وهؤلاء المثقفون ثقافة أوروبية. والذين يجهلون الإسلام والشريعة الإسلامية إلى هذا الحد. هم الذين يسيطرون على الأمة الإسلامية. ويوجهونها من مشارق الأرض ومغاربها. وهم الذين يمثلون الإسلام والأمم الإسلامية في المجامع الدولية.)
وهؤلاء على جهلهم بالإسلام متدينون, ويؤدون عبادتهم بقدر ما يعلمون..
3) طائفة المثقفين ثقافة إسلامية: تضم هذه الطائفة المثقفين ثقافة إسلامية عالية وما دونها وعددهم ليس قليلا. وان كانوا أقلية بالنسبة للمثقفين ثقافة أوروبية. ولهذه الطائفة نفوذها العظيم على الشعوب الإسلامية فيما تُعلم لهذه الشعوب أنه متصل بالإسلام.. وقد انحصر نفوذها بعد دخول القوانين الأوروبية إلى البلاد الإسلامية(13)..
وهكذا يستطر الثقافة الأوروبية ومفاهيمها على البشرية ليس في مجال النظريات والأفكار فقط. بل حتى على مستوى التطبيق؛
يقول (نور ثروب):
«كيف ستؤثر ـ يريد نظرية الكم في مناطق العالم الأخرى ـ هذه الطريقة الجديدة في التفكير التي أنشأها الغرب الحديث ؟!!
لقد عالج (هايزنيرغ) هذه المسألة في بدء حديثه وفي ختامه فالطريقة الجديدة في التفكير ستؤدي كما بقول المؤلف، وسواء شئنا أم أبينا، في تغير أو تدمير جزئي في عاداتنا التقليدية وفي قيمنا الأخلاقية(14).
فكثير من قادة الشعوب في العالم غير الغربي، وكذلك غالبية مستشاريهم الغربيين يرون أن مسألة إدخال الآلات العلمية وطرق التفكير الحديثة إلى آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا لا تعدو منح هذه المناطق استقلالها السياسي، ومن ثم تزويدها بالأموال والآليات اللازمة.
لكن هذا الافتراض السهل يهمل عدة أمور:
ـ أولها أن أجهزة العلم الحديث مستمدة من نظرياته، وتتطلب لإتقان صنعها أو لحسن استعمالها فهما جيدا لتلك النظريات.
ـ وثانيها أن هذه النظريات تعتمد بدورها على عقائد فلسفية إذا فهمت على حقيقتها تولد عقلية شخصية وجماعية وشكوكا تختلف كلها عما ألقته الأسرة والطائفة والقبيلة من عقلية وقيم سائدة لدى شعوب آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، وقد تتعارض معها في بعض الأمور. وبموجز القول: لا يستطيع الإنسان أن يستورد آلات الفيزياء الحديثة دون أن يستورد عاجلا أو آجلا عقليتها الفلسفية وهذه العقلية(15) باستحواذها على تفكير الشباب العلمي تتغلب على الولاء العائلي والقبلي القديم. وإذا لم ينتج عن هذا بالضرورة توتر عاطفي وبأس اجتماعي، فمن المهم أن تتنبه لما يطرأ عليها وهذا يعني أن علينا أن ننظر إلى تجربتها على أساس أنها اجتماع عقليتين فلسفيتين مختلفتين، تلك التي تحمل الثقافة التقليدية، وتلك التي انبتت الفيزياء الحديثة ومن هنا تبرز لكل فرد أهمية فهم فلسفة الفيزياء الجديدة..
لكن المرء قد سأل : ألست الفيزياء مستقلة تماما عن الفلسفة ؟! ألم تعزز الفيزياء الحديثة فعاليتها إلا بهجر الفلسفة ؟!
إن (هايزنبرع) يجيب بكل وضوح عن كلا السؤالين بالنفي … فلماذا ؟
لقد ترك (نيوتن) انطباعا بأن فيزياء خالية من الفرضيات التي لا تستلزمها المعطيات التجريبية. وهذا يتضح من إدعائه بأنه لم يضع أية فرضية وإنما استنبط مفاهيمه الأساسية وقوانينه مما وجده في تجاربه فإذا صح رأيه هذا في العلاقة بين الأرصاد الفيزيائية التجريبية وبين نظريته، فإن نظريته لن تحتاج أبدا إلى تعديل، ولا يمكن أن تنطوي على أية نتائج لا تؤكدها التجربة، أي أن اتفاق الوقائع معها يجعلها نهائية وخارج نطاق الشك»(16).
ومن المعلوم أن الفيزياء الحديثة قد اجتهد روادها من أجل تجاوز تزمت الكنيسة , وعجز الميتافيزيقا فكانت العلوم الحديثة تعبيرا عن حاجة إنسان عصر النهضة إلى نظرة جديدة عن الكون , وأسلوب جديد في البحث وهذا ما يفسر صيحة ديكارت العقلانية قي سماء التقليد, ودعوة فرانسيس بيكون التجريبية في أوساط التأملات العقيمة والوهمية, وتنبه كاليلو إلى الرياضيات باعتبارها مفتاح الطبيعة بدل اللغة الكيفية القاصرة .معلنين بذالك إفلاس ميكانيكا أرسطو , ومبينين خرافة نظام بطليموس الفلكي ومسلطي الضوء على عقم المنطق الصوري..
وبهذا تعود النهضة الأوروبية إلى منابعها الأولى, فيما قبل المسيحية, إلى التراث اليوناني والروماني القديم! واعتبرت ذالك رجوعا إلى النور والسؤال الذي يطرح نفسه من أين جاء هذا النور؟
من المْسلم به حتى عند الغرب انه لم يأتي من اليونان ولا من الرومان ولا من عصور الظلام…فمن أين أتى؟ لم يبقى إلا احتمال واحد وهو الإسلام..
انه النور الذي سطع من العالم الإسلامي على أوروبا المظلمة, فحرر عقولها من الخرافة, وحرر نفوسها من الخضوع المذل لسلطان الكنيسة الجائر, فاستنكفت العبودية للبشر, وسعت إلى الحرية من كل سبيل.
ولكنها لم تأخذ النور على أصوله, ولم تهتد بهديه الصحيح . لم تتجه إلى الله على منهج الإسلام الذي اقتبست منه هذا النور. فما الذي جعلها تنتهج هذا المنهج؟
إذا رجعنا قليلا إلى بداية اتصال الإسلام بالغرب, نجد أن هذه الصلة بدأت منذ حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم, ولم تكن صلة مودة ووئام, ولكنها كانت منذ بدايتها صلة عداوة وحروب. وقد عاصرت بداية الدعوة الإسلامية جزءا من حياة الإمبراطور الروماني « فوكس» , وجزءا أكبر من حكم خلفه الإمبراطور « هرقل», ولم تبد الدولة البيزنطية اهتماما بدعوة الإسلام, وجهاد نبيه أول الأمر, فلما امتدت أطراف الدولة الناشئة إلى تخوم الشام, أخذ الرومان يحرضون سكان هذه البلاد, وخصوصا نصارى ايلات, وفلول اليهود الذين طردوا من يثرب على يد المسلمين.
وحدث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم غزوتان ذوات أهمية كبرى وهما: غزوتا مؤتة, وتبوك, فقد تلتهما موقعة اليرموك, وعلى أثرها غادر هذه البلاد العزيزة عليه, وهي من أخصب ما كانت تملك الدولة الرومانية في الشرق, غادرها وعيناه تسكبان الدموع, وهو يقول:” عليك يا سوريا السلام ونعم البلد للأعداء” (17)
ثم بعد هذه الاتصال العدائي تأتي فترة الاستشراق في القرن الحادي عشر.
وقد امتازت هذه الحقبة بالتعصب والجهل جميعا, أما التعصب فمرده إلى حال العداء الذي رأينا طرفا منه, أما الجهل فمرجعه شح المعلومات عن الإسلام.
وكانت دراسة الإسلام والحديث عنه أشبه بالدعايات الحربية التي تبحث عن سوءات الخصوم, فان لم تجد اختلقت هي سوءات خيالية..
ومنذ القرن التاسع عشر, وبعد الحركة الاستعمارية التي اطلعت الغرب مباشرة على عقائد الشرق وتقاليده, تخلى البحث الاستشراقى عن كثير من خرافات القرن الوسيط, ومع ذالك بقيت أفكار كثيرة جدا يعيش عليها المستشرقون المحدثون.
ومن أهم هذه الأفكار « أن القرآن الكريم من صنع محمد, وأنه صلى الله عليه وسلم كان تلميذا لليهود والنصارى, وأن القوانين الإسلامية تحرير وامتداد للقوانين الرومانية.
ويأتي تبعا لذالك ما ابتكره هؤلاء من أن التراث الفكري للمسلمين إنما هو صدى وامتداد للفكر اليوناني الفلسفي والفكر الروماني الأدبي. ثم وصفوا الإسلام بأنه دين تواكل وخمول, واليه يرجع ما يرزح تحته المسلمون من جهل وفقر ومرض وتأخر اجتماعي عام. وهذه الأوهام بدأت بدورها تتقلص قليلا قليلا. ولكن التسليم بأن محمد صلى الله عليه سلم كان نبيا تلقى وحيا من الله, وأن القرآن الكريم كلام الله المعجز, مما يصعب عليهم أن يسلموا به, وأجمل ما نجد في كتابات المستشرقين أن كل واحد منهم يعجبه جانب من الإسلام ويلصق بجانب آخر تهمة. فيأتي آخر فينفى تهمة صاحبه ويبين جانبا آخر مشرقا من جوانب الإسلام, ولكن ليس بينهم من يعترف بالإسلام دينا» (18)
وهذا ما جعلنا نجد الكثير من المغالطات سواء من كتاب الغرب أو من المسلمين أنفسهم لأنهم هم المسئولون عن عدم التعريف بدينهم وتجلية غوامضه, مما ألصق به من زلات الأبناء قبل الأعداء..حيث يبقى الأمل الوحيد أمام هذا الإنسان المعاصر الذي دمر كيانه عن طريق فلسفة الجنس. ليس في الأخلاق بل وفى كل ما يتصل بالنفس والمجتمع ..حتى أصبح هذا العصر أشد العصور انشغالا بالجنس ..
ولعل ما يستحق الذكر هنا تلك الملاحظة الذكية التي ذكرها الدكتور محمد عايد الجابري في مقال له(19) بعنوان:(حوار الحضارات أية مصداقية؟)،بأن هذا لموضوع يرد تارة تحت عنوان (حوار الحضارات)، وأخرى باستعمال كلمة (ثقافة) بدل كلمة (حضارة) مشيرا أنه وبغض النظر عن الفرق الذي يمكن أن يقام بين الكلمتين، وهو فرق يختلق من لغة إلى أخرى، فإن للافت للانتباه حقا هو التركيز، في العالم الغربي كما في العالم الإسلامي، على موضوع معين، تحت عنوان (الإسلام وحوار الحضارات)، حتى غدا هذا الموضوع وكأنه وحده هو المقصود بهذا الحوار). مضيفا أنه من المفروض أن يكون مجرد واحد من الموضوعات التي يجب أن يشملها الحوار، متسائلا: لما الإسلام بالضبط؟ وما المقصود هنا (بالإسلام) ولماذا لم نسمع عن ندوة أو ندوات حول (المسيحية وحوار الحضارات) أو (اليهودية وحوار الحضارات). أو البوذية،أو الهندوسية أو غير هذه من الديانات ؟ مبينا أن هذا التخصيص الذي يصرف عبارة (حوار الحضارات) إلى دين واحد، يحمل على الشك في مدى الموضوعية.والتجرد اللذين تطرح بهما هذه المسألة ويريد الكاتب أن يقول: أن الكتاب الغربيين الذين يروجون لمقولة (صراع الحضارات) يضعون كمقابل («الغرب» (وحضارة الغرب). ليس (حضارة الإسلام) أو الحضارة الإسلامية)، بل الإسلام بدون تخصيص وهذا ما جعل هذا الطرح يضع (الغرب) وهو مصطلح جغرافي ومفهوم ثقافي حضاري في مقابل (الإسلام) الذي هو الدين.)
والآن لنضع هذا الكلام جانبا ولنعرض لبعض الحقائق التاريخية لنعرف مدى مصداقية كل من القولين؛
يعترف الغرب بأن الحضارة اليونانية قد انتقلت إليهم عن طريق الحضارة العربية الإسلامية وأن معرفتهم بالحضارة الفارسية والهندية تدين بالكثير للعرب والمسلمين فكيف حصل هذا الانتقال ؟ وكيف صمدت الحضارة الإسلامية أمام تلك المنافسة الشرسة بين الثقافة الفارسية والرومانية ؟ رغم أنها كانت تدور داخلها، وما مدى مصداقية تجريد الغرب الآن للدين الإسلامي من حضارته؟!!
إن من يقرأ تاريخ الحضارات كثيرا ما يصادفه مصطلح الشعوبية وما هي إلا( نتاج تلاقح بين الحضارة الفارسية والعربية الإسلامية وقد شجع جو الحوار الثقافي الحضاري، الذي ساد فيها، المتخصصين الذين كانوا ذوي ميول يونانية إلى إبراز مآثر الحضارة اليونانية، فدخلوا في حوار تنافسي مع المتخصصين ذوي الميول الفارسية. وهكذا جرى داخل الحضارة العربية الإسلامية حوار تنافسي بين ثقافتين الفارسية واليونانية الشيء الذي حفز ذوي الثقافة العربية الإسلامية إلى الالتحاق بميدان المنافسة، فأبرزوا مآثر العرب ومناقب الإسلام مع الاعتراف للحضارات الأخرى بفضلها، الشيء الذي كرس النسبية في التفكير الحضاري في الفكر العربي الإسلامي، وخفف إلى حد كبير من التمركز حول الذات في هذا الفكر(20).
ولما كان أساس الحضارة الإسلامية فكريا، لذلك كانت حضارته مستقلة كاملة ذات دستور شامل مجرد، يختلف اختلافا جذريا عن مكونات الحضارة الغربية، مثلما اختلف جذريا مع الحضارات القديمة اليونانية والرومانية والهندية.
وإذا كان أساس الحضارة الإسلامية هو الفكر فإن الإسلام لا يعادي العلم الذي هو طريق الحضارة. ولا يعادي القوة السياسية والعسكرية لأنها أداة ومظهر من مظاهر الحضارة. والإسلام بهذا الشمول يضع المنهج الملائم والسليم، والمقومات الأساسية لقيام حضارة إسلامية قائمة على الفكر الذي هو جماع كل مظاهر الحضارات، حتى يكون أساسها قويا متينا لذلك فإن حضارة الإسلام باقية متجددة، لا يصيبها الشلل أو تعتريها الشيخوخة(21).
ولأن الفكر أساس حضارة الإسلام لذا فإن الثقافة الإسلامية هي إحدى مستلزمات هذا الفكر وعليه يكون الحق مع ملاحظة الدكتور الجابري ويصبح الطرح الجديد على الشكل التالي : (الحضارة الغربية) مقابل (الحضارة الإسلامية). ولعل أكثر الأخطاء التي وردت في بحوث من كتب ويكتب عن هذه المواضيع هو عدم انتباههم للمنطلق الخاطئ الذي لم يتقيد بالملاحظة السالفة الذكر..
ثم يأتي بعد هذه الملاحظة, التصويب المهم, الذي ذكره وحيد الدين خان في كتابه: الإسلام يتحدى وهو أنهم يتناولون الدين على انه (مشكلة موضوعية) « Objective problème فهم يجمعون في سلة واحدة كل ما أطلق عليه اسم "دين" في أي مرحلة من التاريخ ثم يتأملون في ضوء هذا المحصول حقيقة الدين!!.
إن موقفهم ينحرف من أول مرحلة(22)، فيبدوا لهم الدين جراء هذا الموقف الفاسد ـ عملا اجتماعيا، لا كشفا لحقيقة، ومن المعلوم أن لكل ما يكشف عن حقيقة من الحقائق مثلا أعلى، ولا بد عند البحث عن هذه الحقائق أن ندرس مظاهرها وتاريخها في ضوء مثله الأعلى. أما الأمور التي تأتي بها أعمال اجتماعية فليس لها مثلا أعلى، وبقاؤها رهن بحاجة المجتمع إليها.
والدين يختلف عن ذلك كل الاختلاف، فليس من الممكن البحث عن حقائقه، كما يبحث عن تطورات فنون العمارة والنسيج والحياكة والسيارات، لان الدين علم على حقيقة يقبلها المجتمع أو يرفضها أو يقبلها في شكل ناقصويبقى الدين في جميع هذه الأحوال حقيقة واحدة في ذاتها، وإنما يختلف في أشكاله المقبولة، ولهذا لا يمكن أن نفهم حقائق الدين بمجرد فهرسة مماثلة لجميع الأشكال الموجودة باسم (الدين). وهذا رد في نفس الوقت على أولئك الذين يستدلون بالتاريخ وعلم الاجتماع لطعن في الدين..
وتعتبر جميع الدراسات التي لم تتقيد بهذه الملاحظات ناقصة أو مشبوهة لذا سنحاول في دراستنا المقبلة بحول الله التقيد بهذه الملاحظات, حتى تفسر لنا الأديان ما عجز عنه الإنسان..!!

الهوامش


(1) -تجديد الوعي: أ.د عبد الكريم بكار، الطبعة الأولى، دار القلم، دمشق، 1421هـ ـ 2000 م، ص: 39.
(2) - معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية: المرابط ولد محمد لخديم, تصدير: الأستاذ الجليل حمدا ولد التاه, تقديم: الدكتور حسين عمر حمادة، رئيس قسم الدراسات والبحوث العلمية باتحاد الكتاب العرب دمشق. الطبعة الأولى، دار الوثائق للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2001 م، الطبعة الثانية، دار وحي القلم بيروت- لبنان سنة 2002 م. وهو الكتاب الفائز بجائزة شنقيط للدراسات الإسلامية 2003 م، ص: 22
(3)- جاهلية القرن العشرين: محمد قطب, دار الشروق1403 ها-1983 م, ص:26-28
(4)- معرفة الله, م.س, ص: 26 .من المقدمة.
(5)- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبى الحسن الندوى, نقلا عن جاهلية لقرن العشرين, م.س, ص:29 .
(6)- معرفة الله, م.س, ص: 27 . من المقدمة.
(7)- أنظر تفاصيل أكتر عن هذه النظرية, في المرجع نفسه الصفحات: 112 -120 .
(8)islamic thought .dec. 1961
(9) revolt against reason ; p :11
(*)- نقلا عن الإسلام يتحدى: وحيد الدين خان، ترجمة، ظفر الإسلام خان، (مدخل علمي إلى الإيمان)، مراجعة وتقديم، الدكتور عبد الصبور شاهين، الطبعة الثانية، المختار الإسلامي 1964 م. ص:42
(10)- جاهلية القرن العشرين, م.س, ص:40 .
(11)- المرحع نفسه, ص:134 -136 (بتصرف بسيط).,
(12)- مناهج الفلسفة: (ول ديورانت), نقلا عن المرجع نفسه, ص:174 -177 .
(13)- الإسلام: بين جهل أبنائه وعجز علمائه: عبد القادر عودة, طبع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد, السعودية,ص:48 وما بعدها بتصرف.
(14)- لعل ما يقصده الكاتب هو تلك العقلية المشابهة للعقلية الأوروبية في مفاهيمها وأفكارها ونظرتها إلى الحياة, لأن الباب الوحيد للعلم والتثقيف هو ذالك الذي يفضى إلى هذه الثقافة, كما بينا سابقا..
(15)- ووسيلتها في التطبيق هي هذه الوسائل التي بين أيدينا والتي تحمل نفس فلسفة أصحابها أي الثقافة الأوربية الغربية وهي نفسها في الدواوين الحكومية وفى المهن الحرة وفى مجالات الحياة العملية المختلفة.ونتيجة لتحكم هذه العقلية فان إنسان العصر يعيش مشتت الذهن بين ما نشأ عليه من عادات وتقاليد وبين ماهو مفروض عليه فرضا..
ينسحب هدا على الجميع , ولنأخذ على سبيل المثال محيطي الذي أعيش فيه والظاهر لغير العميان التأثير المباشر وغير المباشر, حيث يمكننا رصد عقليتين مختلفتين تلك العقلية المحظرية ذات الثقافة التقليدية العالية وعقلية المدارس النظامية الأولى تطرح الأسئلة القديمة المتجددة : ما هذا الكون؟ من أنا؟ والى أين المصير؟ وكانت المحظرة قد أجابت عليها انطلاقا من علومها المنطق وعلم الكلام..والثانية تطرح أسئلة تختلف جملة وتفصيلا عن الأولى : الصدفة ؟ القوانين العشوائية؟ احتمال أزلية المادة ؟ نظرية التطور؟ اكتشاف عوالم جديدة في عالمنا أو في السماوات الأخرى….الخ وهى الفلسفة التي تجسدها هذه الوسائل و الآلات..من هنا لن نتفاجئ بالإرهاصات التي تدور من حولنا ابتداء من ترويض السيارات والإفراط في استخدام الموبايل والتحصيل الجنوني للأموال وكلها وسائل تقرب من قريب أو بعيد الجنس حتى إذا لم يشبع أو تشبع من الجنس رجعت الأسئلة من جديد…وهكذا يبقى الإنسان في خسران.. إلا من رحم ربك..
(16)- دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية, المرابط ولد محمد لخديم, تقديم: الأستاذ الدكتور محمد المختار ولد أباه, الدكتور الداه ولد ممون أستاذ الفيزياء بكلية العلوم والتقنيات جامعة أنواكشوط, ص: 31 من المقدمة.
(17)- كتاب الأصالة: محاضرات ملتقى الفكر الإسلامي التاسع عشر لجزء الأول الجزائر, 1405 ها ـ 1985 م. ص:183 .
(18)- المرجع نفسه, ص:184 .
(19)- الإسلام اليوم: مجلة دورية تصدر عن المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم(ايسسكو)، العدد:19، السنة 1423هـ ـ 2002 م. من مقال للدكتور محمد عايد الجابري ص: 50 (بتصرف بسيط).
(20)- دين الفطرة , م.س ص: 8 -9 , من المقدمة.
(21)- الميزان في مقارنة الأديان: حقائق ووثائق، المستشار محمد عزت الطهطاوي، دار القلم، الطبعة الثانية 1423 هـ _2002 م.
(22)- الإسلام يتحدى: م س، ص: 37.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق