]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نضالات الحركة الاسيرة .... بين التوجهات النخبوية و الشعبية

بواسطة: نضالات الحركة الاسيرة .... بين التوجهات النخبوية و الشعب  |  بتاريخ: 2012-07-21 ، الوقت: 22:19:23
  • تقييم المقالة:

 

نضالات الحركة الاسيرة .... بين التوجهات النخبوية و الشعبية

مهيبة سالم بلاطية

 

        قد يرى البعض  أن  التصعيد الأخير الذي قامت به الحركة الفلسطينية  الاسيرة في اضرابها عن الطعام، استجابة مفاهيمية للثورات العربية، فقد  كان الرفض  للاعتقال اللإداري نافذة لتسليط الضوء على مفهوم جديد للحرية والكرامة الفلسطينية، تلك الحرية التي هتكت تحت لوائها أنظمة عربية عرفت قبل كونها فاسدة وديكتاتورية بأنها الانظمة التابعة للمنظومة الغربية الاستعمارية، أيضافة الى  تشنجها و تشوهها  السياسي .  فهل تكون  الثورات العربية  مصدر ايحاء لثورة فلسطينية مفاهيمية ضد منظومة الفساد السياسي  قبل أن تكون ثورة  فعلية  ضد الاحتلال الصهيوني؟

 

       في حقيقة الأمر لقد حملت الحركة الفلسطينية  الاسيرة مفهوم الحرية والكرامة من أجل تحقيق مطالبهم السياسية بالتحرر والحق في النضال الوطني ، والعيش الكريم  التي يستدعي بمكونتها التماس الحرية الحقة دون التعرض للاعتقال التعسفي. هذا التحرك النضالي قد لا يكون بحد ذاته ثورة  أو تغير ثوري في الاسلوب النضالي، وانما  يكمن التغير الثوري بالاساس في انعكاسات هذا السلوك كونه سلوك سياسي مزدوج  ثنائي الاتجاه وكونه بالاساس ثورة مفاهمية ضد الفكر السياسي المسيطر عليه من النخبة الحاكمة .  فهو من جهة صورة من صور مقاومة الاحتلال بأسلوب سلمي ممنهج ، ومن جهة اخرى صورة أخرى للنضال ضد  المنظومة السلطوية والسياسية الفلسطينية بحد ذاتها، بهدف هتك حالة اللاسلم واللاحرب المسترسلة في العملية السياسية،  وبغية  تكريس الانسجام الكامن بين المقاومة و الطرق السلمية في الحل السياسي من جهة أخرى . لذا كان لهذا الدور النضالي  دور كبير في تحجيم  فكرة الحل النهائي القائم على التفاوض خاصة أنه يشترك معها في فكرة السلمية ، فهو انعكاس صادق للثورات العربية التي قامت على مبدأ الحرية و أسلوب التظاهر الشعبي.

      فالثورة المفاهيمية اذا هي ثورة   تتعدى  المفهوم الحقوقي ، كونه وصل لمستوى مطلبي أعلى، يكمن بالمشاركة في التحرر و التحرك السياسي الفردي ذات الانعكاسات الشاملة على جميع فئات الشعب الفلسطيني ، وخاصة في خضم البيئة العربية والشعبية المنسجمة  المتناغمة مع ثقافة الثورة على الظلم .  ولا ننسى أنها ضمنيا حملت مفاهيم الصمود و الاستمرارية في المقاومة حتى تحقيق المطالب، كون هذه الضمنيات كانت سببا في تطور فكري لفكر المقاومة والصمود أو حتى إعادة الدعوة لها.

      فعليا كان لا بد  لهذا التوجه الفكري من التصاعد، خاصة  في ظل ازدياد سوء حالة الاسرى الفلسطينين ، هذا عدا عن ممارسات  النخبة الفلسطينية سواء في الضفة وغزة  التي لم تظهر تقدما ملموسا في قضية الأسرى . ولا أقصد هنا  عمليات  تبادل الاسرى ذاتها وإنما  المضامين السياسية التي تحملها هذه العمليات، فقد اصبحت عمليات تبادل الاسرى أداة لتبرير الشرعية السياسية. لذا كانت عملية تبادل الاسرى( وفاء الاحرار)  التي قامت بها حماس على سبيل المثال نوع من اثبات شرعيتها الثورية القائمة على أساس المقاومة ، وكجهة معارضة للسلطة الوطنية الفلسطينية كونها استطاعت أن تشكل إطار تفاوضي لا يحمل معاني التنازل  خاصة أنها انتهت بمكسب سياسي كبير.

 

    وبذا تكون  النخبة الفلسطينية  شكلت بابتعادها عن  المشروع الوطني فجوة  تجاه قضية الاسرى ، فلا يوجد ديناميكية مستمرة أو استراتجية حقيقة ترتقي لمقاومة  قضية الاعتقال الاداري على المستوى السياسي الرسمي، كقضية تخص جميع الشعب الفلسطيني المعرض للاعتقال السياسي دون اسباب حقيقة ، وكونها ايضا مساس بمفهوم الحرية للشعب الفلسطيني من قبل النخبة الفلسطينية.  كما تأثرت قضية الاسرى بالفكر السائد للنخبة الفلسطينية  القائم على أحادية البديل السياسي ، فحركة فتح ترى بالتفاوض و قيام الدولة الحل  الوحيد، كما ترى حماس أن المقاومة هو الحل الوحيد. هذا التوجه الفكري الاحادي جعل من عملية تبادل الأسرى طريق وحيد  لمواجهة قضية الاسرى بدل من التفكير في  اختراق سياسي متجدد يكون على مستوى هذه القضية.

 

       كما لا بد من الإشارة أن إضراب الأسرى عن الطعام خضع لعملية تشويه فكري كنتيجة لتغيب المشروع الوطني ومبادئه ، فالاسرى الفلسطينين سعوا في  إضرابهم عن الطعام لإعادة المبادئ الوطنية القائمة على استنهاض المقاومة ، جاعلين  من المبادئ الوطنية معيارا لسلوكهم السياسي.  إلا أنه جرى الترويج لإضراب الأسرى عن الطعام، على أنه مقاومة سلمية  تتوافق مع التيار السلمي السائد. لذا كان من المبرر  استخدام قضية الأسرى  لضبط الحراك الشعبي الفلسطيني و حرف انتباه  عن الفساد  السلطوي و إجراء  الانتخابات.   حتى أن الحراك الشعبي لقى استجابة  لهذا التوجه حيث لم تتعدى احتجاجاته الاعتراض على الممارسات الاسرائيلية وكان الحل هو  الاحتجاج الشعبي ذاته بدل التغير الشعبي، ولم يرقي الاحتجاج الشعبي  لمقامة بلورت ثقافة احتجاجية فعالة.  وكان من الطبيعي عدم خروجها بمبادئ سياسية تهدف للتغير.  فقد انخفضت المطالب السياسية للشعب الفلسطيني تحت السقف الأدنى للحقوق الفلسطينية  لتنحصر بدورها إلى ضرورة وجود حراك  أو مبادرة سياسية من فترة لأخرى، وهنا يكون المواطن الفلسطيني قد همش ذاته كمشارك حقيقي في صناعة القرار السياسي .

 

     وفي سياق أخر، نرى أن الحراك الشعبي  تأثر بشكل كبير  في التوجه الفكري السائد، والمزاج الاستهلاكي و السلعي  الذي عملت العولمة على تكريسه  كأداة لإضعاف  النسيج الاقتصادي والسياسي لدول العالم الثالث.  فقد كانت استجابة الشعب الفلسطيني  للاحداث السياسية تخضع  لانتماءات توجهات سياسية و معايير استهلاكية قابلة لتغير السريع . وهو ما تبين من ضعف الحراك الشعبي لنصرة  قضاياه وعدم قدرتها على الصمود و حشد الشعب. لذا فإن نضالات الحركة الأسيرة لم تعكس فكرها و نهضتها التحررية على الشعب الفلسطيني بسبب ضعف الوعي السياسي للشعب الفلسطيني، الذي  يتم استنزافه في التطلعات الحزبية التي تحمل نزعات زبائنية، إضافة إلى  تأثر الشعب بفكر المنظومة السياسية الفلسطينية الحاكمة والدولية. وهو ما يستدعى منا القول أن التصعيد الذي قامت به الحركة الفلسطينية الأسيرة كان خروجا عن المنهج الفكري والسلوكي للهاتين المنطومتان على السواء. 

 

     وبناءا على ما تقدم  نرى ضرورة وضع النخبة السياسية أمام  مسؤوليتها فعدم وجود استراتجية حقيقة لمواجة  قضية الأسرى هو إجلاء مقصود لهذه القضية من الأولويات الوطنية و تكريسها لصالح العملية السياسية.  ولا ننسى أن استجابة النخبة السياسية لحالات تصعيد الاضراب عن الطعام ( المواجهة للاحتلال وللنخبة السياسية الفلسطينية كما أسلفنا ) لا بد أن تكون استجابة على المستوى الفكري في البداية،  وهو ما يتناقض مع العملية السياسة بمجملها والنظام السياسي الفلسطيني ذاته، لذا لا بد للشارع الفلسطيني أن يتمسك بالمشاركة  السياسية الفكرية قبل المشاركة الفعلية، لأن المشاركة الفكرية هي المحرك الحقيقي للشارع الفلسطيني لمقاومة الشلل المفاهيمي والفكري السياسي ، وجعله مؤشر لحكم سياسي يتحمل مسؤوليته الوطنية من تنظيف الذات أولا ثم مقاومة الاحتلال. 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق