]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

منهج المحدثين وأثره في وحدة الصف

بواسطة: عبد الرزاق  |  بتاريخ: 2012-07-20 ، الوقت: 00:14:34
  • تقييم المقالة:

 

 

  المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا رسوله..

أما بعد:
فإن المتابع للمشهد الدعوي في مختلف البلدان يلمس بجلاء مقدار التصدع والتفرق والتنازع الذي يتجذر في محاضن كثير من الدعاة يومًا بعد آخر، في وقت أجلب فيه العدو الخارجي بخيله ورجله على الأمة، وراح يعبث بعقيدتها وقيمها ومقدراتها السياسية والاقتصادية، ووجد من بني جلدتنا من أهل الأهواء من انتصر له، وفوّق سهامه لضرب الأمة من داخلها في مقاتلها، واجتهد في التربص لها في كل ميدان.

لقد أشغل كثير من الدعاة ببعضهم، وسهل على المتربصين بهم اختراقهم وإضعافهم بلا تفريق، وفي كل نازلة من تلك النوازل تتعالى أصوات الغيورين على أمتهم بضرورة التلاحم ورص الصفوف، ودرء النزاع، تحقيقًا لقول الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
} [الأنفال:46]. وفي هذه الورقة أتحدث عن: (منهج المحدثين وأثره في وحدة الصف).

ولكن لماذا منهج المحدثين خصوصًا؟
والجواب باختصار شديد: لأن المحدثين من أكثر الناس عناية وتصدرًا للحديث في حملة العلم وطوائف الناس، وأسسوا بعملهم هذا منهجًا متميزًا محكمًا لم يسبقوا إليه، سمي بعلم (الجرح والتعديل)، وأكثر اختلاف الدعاة وتنازعهم في هذا العصر إنما هو بسبب هجرهم لمناهج الأئمة المتقدمين، وكلام بعضهم ببعض بدون التزام منهجي، وتقصيرهم في معرفة الأحكام الشرعية الواجبة تجاه أخطاء إخوانهم.

وبالتأكيد فإنني لا أعني أن نلتزم تطبيق قواعد علم الجرح والتعديل بتفاصيلها عند المحدثين في توصيف الواقع الإسلامي المعاصر والحكم على دعاته؛ وإنما أقصد بذلك إحياء القواعد الكلية التي أرى أنَّ التزامها والعمل بموجبها سيحدّ ـبإذن الله وفضله كثيرًا من أبواب التنازع والتنابذ.

وسينتظم حديثي في هذه الورقة في المباحث الآتية:
المبحث الأول: شروط المتكلم في الرجال والطوائف.
المبحث الثاني: ضرورة التأني والتثبت.
المبحث الثالث: الإنصاف والبعد عن العصبية.
المبحث الرابع: الأمانة العلمية عند المحدثين.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطل وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

المبحث الأول:
شروط المتكلم في الرجال والطوائف:
الحديث في حملة العلم والدعوة شأنه عظيم، والمتصدر له متصدر لمهمة غاية في الحساسية والخطورة، والمتحدث بغير بينة متعرض لغضب الله، قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْـمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب:58].

وقد اشتد نكير النبي صلى الله عليه وسلم على من أطلق لسانه عابثًا بأعراض المسلمين، فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه؛ تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته؛ يفضحه ولو في جوف رحله» (أخرجه: الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب ما جاء في تعظيم المؤمن، رقم 2032، وحسنه الألباني في غاية المرام، ص 240).

ولهذا وضع أئمة الحديث قواعد علمية محكمة في الشروط الواجب توافرها في الناقد المتكلم في الرجال وطوائف الناس، حتى لا يدخل في هذا العلم الجليل من ليس من أهله، ومن أهم هذه الشروط:

أولًا: العلم:
فإذا كان الناقد للعلماء والدعاة ضعيف البضاعة، قليل العلم؛ فلا يجوز له أن يتصدر لذلك على الإطلاق، ويجب عليه أن ينأى بنفسه عن هذا المعترك الصعب، فهو ليس من أهله!

قال الذهبي: "الكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة، تام الورع" (ميزان الاعتدال 3/46).
وقال السبكي في معرض حديثه عن شروط الناقد: "وممّا ينبغي أن يتفقد أيضًا: حاله في العلم بالأحكام الشرعية، فرُبَّ جاهل ظن الحلال حرامًا فجرح به، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال" (قاعدة في الجرح والتعديل ص 47).

وكم من جاهل بدلالات الألفاظ، واصطلاحات العلوم، وقواعد الدعوة، في عصرنا الحاضر؛ يُغير على غيره من العلماء والدعاة بالجرح والثلب، ويتجاسر على النقد والحكم والتجريح والتعديل! ولو أنه فتش وتأمل لعلم أنه أخطأ الفهم، وأساء العمل؛ ولهذا قال ابن القيم: "ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!" (مدارج السالكين 2/431).

إنَّ ثمة حقيقة ماثلة للعيان وهي أن أعراض العلماء والدعاة، ومواقف الهيئات والمؤسسات الإسلامية، أصبحت كلًا مباحًا يعبث به كل عابث، وكثير من الخلاف الحاصل بين فصائل الصحوة الإسلامية، ناتج عن تصدر بعض الجهلة لمثل هذه المرتقيات الكؤودة، وسعيهم بالقيل والقال بين أهل الفضل والدعوة.

وحال كثير من هؤلاء كحال ذلك الشاب الذي رآه أحمد بن علي بن الآبار، قال: "رأيت بالأهواز رجلًا حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتبًا وتعبأ للفُتيا، فذكروا أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء وليس يسوون شيئًا، فقلت له: أنت لا تحسن تصلي، قال: أنا! قلت نعم، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت. فقلت: وإيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت، قلت: إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت! قلت: مالك لا تتكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلي؟ إنما قيل لك: تصلي الغداة ركعتين، والظهر أربعًا، فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث، فلست بشيء ولا تحسن شيئًا" (الكفاية في علم الرواية ص:20،19).

ثانيًا: الورع:
يتجرأ بعض الناس فيطلقون الأحكام جزافًا بدون تورع، فيجرحون ويعدلون، ويخطؤون ويصوبون، قبل أن يستوعبوا الأمر ويجمعوا أطرافه.

وحينما تتفلت الألسن من قيودها الشرعية والعقلية، فإنها سوف تتبارى في الوقيعة في أعراض المسلمين، وتجلب العداوة والبغضاء بين الأحباب، ولو تأمل الإنسان ما ورد في مثل هذا الباب من النصوص الشرعية لتردد كثيرًا قبل أن يسلّ لسانه ويرمي به هنا وهناك. قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].

وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» فقلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه، فقال «كُفّ عليك هذا»، فقلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟»" (أخرجه أحمد في مواضع منها: 36/345، وابن ماجه في كتاب الفتن، 2/1314 1315 رقم 3973، والترمذي في كتاب الإيمان 5/12 رقم 2616، وإسناده صحيح).

وأشار ابن القيم إلى فائدة عجيبة قلَّ من ينتبه لها، حيث قال: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم، وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه! حتى يُرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا ينزل منها أبعد ممَّا بين المشرق والمغرب. وكم نرى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول!" (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 54).

تأمل -يا رعاك الله- كلام الإمام ابن القيم، ثم قلّب نظرك في المحاضن الدعوية التي من حولك، وسوف ترى أن أكثر التهارش واللغط والجدل الدائر فيها، إنما هو بسبب قلّة الورع. نسأل الله العفو والعافية.

وها هنا موقف ورع كريم يحسن الوقوف عليه:
قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: "كنا في مجلس عبد الرحمن بن مهدي، إذ دخل عليه شاب، فما زال حتى أجلسه إلى جنبه. قال: فقام شيخ من المجلس فقال: يا أبا سعيد إن هذا الشاب يتكلم فيك حتى إنه ليكذبك، فقال عبد الرحمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:34،35].

ثم قال عبد الرحمن: حدثني أبو عبيدة الناجي قال: "كنا في مجلس الحسن البصري إذ قام إليه رجل فقال: يا أبا سعيد إن ها هنا قوما يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك. فقال الحسن: يا هذا إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إني لما رأيت الناس لا يرضون عن خالقهم علمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم" (تبيين كذب المفتري: ص 422).

من لوازم الورع:
والورع له لوازم كثيرة جدًا، أذكر منها:
1- أن يكون الناقد عفيف اللسان، يكسي ألفاظه بأحسن الأدب، ويختار أدلها على المقصود؛ بألطف عبارة، ويربأ بنفسه عن الفظاظة والغلظة ووضيع الكلام، فما كان رسول الله فاحشًا ولا متفحشًا ولا بالبذئ.

قال السخاوي: "وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المفهمة، أو بأدنى تصريح، لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمر المرخص فيها للحاجة لا يُرتقى فيها إلى زائد على ما يُحصل الغرض، وقد روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يومًا وأنا أقول: فلان كذاب، فقال لي: يا إبراهيم! اكس ألفاظك -أحسنها- لا تقل كذاب! ولكن قُلْ: حديثه ليس بشيء".

ونحوه: أن البخاري لمزيد ورعه قلّ أن يقول كذاب أو وضاع، أكثر ما يقول: "سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه، ونحو هذا.."، نعم ربما يقول: "كذّبه فلان، أو رماه فلان بالكذب" (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ص 68 - 69).

2 - الحرص على ستر المسلمين:
ولا يقوم بذلك إلا من عمر قلبه بخشية الرحمن سبحانه وتعالى، وما أجمل ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي لأحببت أن أستره عليه" (أخرجه: عبد الرزاق في المصنف 10/227).

وعلى هذا المنهج القويم سار أئمة الحديث، فها هو ذا يحيى بن معين، إمام الجرح والتعديل، يقول: "ما رأيت على رجل خطًا إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أُبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قَبِل وإلا تركته" (سير أعلام النبلاء 11/83.)، وهذه القاعدة النفسية لابن معين في غاية الأهمية، لأن ابن معين من أجل أئمة الجرح والتعديل، وأعرفهم بالرجال، ومع ذلك يقول هذه الكلمة التي تلخص منهج أئمة الحديث في التعامل مع أخطاء وزلات أهل العلم والفضل.

3- إذا كان الجرح بسبب واحد يكفي، ويحقق كامل المراد، فلا ينبغي التوسع لغير حاجة، قال السخاوي: "لا يجوز التجريح بسببين إذا حصل واحد"، قال العز بن عبد السلام في قواعده: "إنه لا يجوز للشاهد أن يجرح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة فليقدر بقدرها، ووافقه القرافي، وهو ظاهر" (فتح المغيث 3/325).

4- على الناقد أن يقتصر على المقصود من النقد ولا يتوسع أو يتجاوز ذلك إلى غيره مما ليس له علاقة بالهدف، كالهمز أو اللمز أو الشتم، ولهذا أنكر بعض المحدثين على من قال عن عبد الملك بن مروان: "أنه أبخر الفم"، لأن هذا ليس مؤثـِّرًا في الرأي أو الرواية، فلا مصلحة من ذكره (انظر: جامع بين العلم وفضله 2/1113).
إنَّ المتأمل في ورع المحدثين وتقواهم لله عز وجل يُكبر فيهم هذه الروح المخبتة المنيبة، وأحسب أن شيوع هذه الصفة العزيزة في صفوف الدعاة، وتربيتهم عليها سيقطع بإذن الله تعالى كثيرًا من التنابذ والتهارش، وسيسهم كثيرًا في توحيد صفوف الدعاة والمصلحين، ويبنيها بناء متماسكًا.

ثالثًا: التجرد والحذر من الهوى:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} [النساء:135]. فالهوى من النوازع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء تدريجيًا حتى تسيطر عليه من حيث لا يشعر، وهو باب عريض من أبواب الضلال لا يولّد في أحكام المرء إلا الجور والظلم، أو الغلو في التزكية والمديح، ولهذا أوصى الله عز وجل نبيه داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بالحذر من الهوى، فقال: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26].

لقد تأملت أكثر الخلاف والتنازع الذي يسري في بعض صفوفنا الدعوية والتربوية سريان النار في الهشيم؛ فرأيت أكثره لا يخلو والعياذ بالله تعالى من الهوى الذي لا يزال يصَّاعد ويصّاعد حتى يوغر صدور الدعاة، يدفعها دفعًا للتدابر وإساءة الظن! ومن وقع في شراك الهوى، انقلبت عنده الموازين، وانتكست عنده الأحكام، وأصبح الحق باطلًا، والباطل حقًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وصاحب الهوى يعميه الهوى ويُصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وأنَّه الحق وهو الدين، فإذا قدّر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ويثني عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا، أو لغرض من الدنيا، معه حق وباطل، وسنة وبدعة، ومع خصمه حق وباطل، وسنة وبدعة" (منهاج السنة النبوية 5/256).

وقال ابن القيم: "وعلى المتكلم في هذا الباب وغيره: أن يكون مصدر كلامه عن العلم بالحق، وغايته: النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه المسلمين. وإن جعل الحق تبعًا للهوى: فسد القلب والعمل والحال والطريق.. فالعلم والعدل: أصل كل خير، والظلم والجهل: أصل كل شر، والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأمره أن يعدل بين الطوائف ولا يتبع هوى أحد منهم.." (مدارج السالكين 3/522 - 533)..

وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "هيهات هيهات! إن في مجال الكلام في الرجال عقبات، مرتقيها على خطر، ومرتقيها هوى لا منجى له من الإثم والوزر. فلو حاسب نفسه الرامي أخاه: ما السبب الذي هاج ذلك؟ لتحقق أنَّه الهوى الذي صاحبه هالك" (الرد الوافر، ص13)..

المبحث الثاني: ضرورة التأني والتثبت.
من القواعد العلمية المتفق عليها: أنَّ العلاقات بين الناس، والموقف من الدعاة والمصلحين، يجب أن يبنى على التأني والتثبت، ولا يجوز أن يكون الإنسان عجولًا يُلْقى أحكامه قبل فحصها وتقليبها وعرضها على القواعد والموازين العلمية، فيكون كلامه بعد تمام النظر واستيفاء البحث، وكم جرَّ التسرع وضعف التثبت والتحري على كثير من الدعاة: المشكلات والنزاعات، التي أوغرت الصدور ومزقت الصفوف!

قال المعلمي اليماني: "والحكم على العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت، أشد مما يحتاج إلى الحكم في كثير من الخصومات، فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم، فأما الحكم على العالم والراوي فيخشى منه تفويت علمٍ كثيرٍ وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا" (التنكيل 1/53 - 54).

ومن لوازم التثبت:
1- أن لا يعتمد على الكلام الشائع الذي يلوكه الناس بدون بصيرة أو فهم، فكم من المنقولات التي نسمعها هنا وهناك عن العلماء والدعاة والمصلحين إذا وضعت في ميزان البحث العلمي؛ تبيَّن أنها غير صحيحة، أو غير دقيقة! والناقل المؤتمن لصدقه لا يقبل قوله بإطلاق، بل لا بد أن يجتمع مع الأمانة سلامة البصيرة واستقامة الفهم.

قال ابن تيمية: "كثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم" (منهاج السنة النبوية 6/303).
وقال السبكي: "فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيُغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره، واستن بسنته، مع أن المؤلف لم يرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل! فإذا كان الرجل ثقةً ومشهودًا له بالإيمان والاستقامة، لا ينبغي أن يُحْمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعوّد منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله" (قاعدة في الجرح والتعديل ص 93).

وأحسب أن كثيرًا من نقلة الأقاويل بين الدعاة والمصلحين في عصرنا هذا لا يبعد عن كيسان، الذي قال عنه شيخه أبو عبيد: "كيسان يسمع غير ما أقول، ويقول غير ما يسمع، ويكتب غير ما يقول، ويقرأ غير ما يكتب، ويحفظ غير ما يقرأ" (أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني ص 92).

2- إحسان الظن والتماس العذر:
من الناس من يطلق لخياله العنان، ويَصُوغ شتى التصورات التي تنسب إلى الناس التُّهم، وتوقعهم في البلاء.
وسوء الظن يجعل الإنسان يتجه اتجاهًا مغايرًا لما أراده الناس، ويقوم بتفسير الكلمات والوقائع بناءً على خلفيات نفسية مبيَّتة، فيُفرّغ كل كلمة من مضمونها ويملؤها بمعان أخرى عديدةٍ ليست من مدلولها، ثم يمارس دون وعي نوعًا من التحليل الفاسد لما يراه ويسمعه، ثم يضخم إحساسه تضخيمًا مسرفًا دون أي تحفظ!

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات:12]. ويبدو أن الخلفية النفسية للظن السيء تنبئ بقلبٍ عامرٍ بألوان عديدةٍ من ألوان الفساد: كـ(الأثرة، وحب الذات والحسد، والرغبة في الوقيعة بأعراض المسلمين)، بينما ترى المرء الذي يحرص على إحسان الظن بإخوانه المسلمين ويلتمس لهم المخارج؛ يمتلئ قلبه حبًا للآخرين وإشفاقًا عليهم ورحمة بهم.

ولهذا كان الواجب على العاقل اللبيب إذا سمع ما لم تطمئن له نفسه عن أحد من الدعاة أو العلماء أن يظن بهم خيرًا، ويحمل ما سمعه على أحسن المحامل الممكنة، ولا يترك للشيطان فرصة العبث بينه وبين إخوانه، وهذا بابٌ مهمٌ من أبواب وحدة الصفوف، قال الله تعالى بعد حادثة الإفك: {لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْـمُؤْمِنُونَ وَالْـمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ} [النور:12].

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا" (تفسير القرآن العظيم لا بن كثير 4/212)، وقال ابن القيم: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدهما: أعظم الباطل، ويريد بها الآخر: محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه" (مدارج السالكين 3/521).

3- إقالة عثرات ذوي الهيئات:
ومن لوازم التأني: إقالة عثرات ذوي الهيئات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقال عثرةً؛ أقاله اللّه يوم القيامة» (أخرجه: أحمد 12/401، رقم 7431، وأبو داود في كتاب البيوع، 3/274، وابن ماجه في التجارات 2/741، وإسناده صحيح).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (أخرجه: أحمد 42/300، رقم 25474، وأبو داود في كتاب الحدود 4/133، وإسناده صحيح).

قال الإمام الشافعي: "ذووا الهيئات الذين يقالون عثراتهم: الذين ليسوا يُعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة" (أخرجه: البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الأشربة والحد فيها 8/334)، وقال ابن القيم: "الظاهر أنهم ذووا الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن اللّه تعالى خصهم بنوع تكريمٍ وتفضيلٍ على بني جنسهم، فمن كان مستورًا مشهورًا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا غضب صبره، وأديل عليه شيطانه؛ فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقال عثرته ما لم يكن حدًا من حدود الله، فإنه يتعيَّن استيفاؤه من الشريف، كما يتعيَّن أخذه من الوضيع، وهذا بابٌ من أبواب محاسن الشريعة الكاملة وسياستها للعالم، وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد" (بدائع الفوائد 3/139، وانظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/150).

وهذه القاعدة تحفظ لعلمائنا ودعاتنا أقدارهم؛ فليس كل زلّة عارضة توجب إسقاطهم، ولو عملنا بها لقطعنا السبيل على كثير من المتسرعين الذين يفرحون بمثل هذه السقطات، ويشيعونها، وقد قالها مدوية الحسن بن سفيان وهو من أئمة المحدثين لأحد تلاميذه بعد أن أثقل عليه: "اتق الله في المشايخ، فربما استجيبت فيك دعوة!" (سير أعلام النبلاء 14/159، وتذكرة الحافظ 2/705).

المبحث الثالث: الإنصاف والبعد عن العصبية.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8]. منهجٌ دقيق يُمثّل جميع صور القسط والعدل مع القريب والبعيد، وينهى عن جميع صور الجور والظلم مع كلِّ أحد، فـ"الظلم محرم بكل حال، فلا يحل لأحد أن يظلم أحدًا، ولو كان كافرًا" (ابن تيمية في الاستقامة 2/247 - 247).

ومن لطائف هذا الباب ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: «يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إليّ، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسقٍ من تَمْرٍ، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي»، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا فاخرجوا عنا" (أخرجه: أحمد 23/210، رقم 14953، بإسناد صحيح).

وفي عصرنا هذا الذي عزّ فيه الإنصاف، يحتاج الداعية إلى الرجوع إلى منهج المحدثين ليزن الأمور كلها بالميزان القسط، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم في الآراء والتوجهات، حتى إن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب مهما كانت كبيرة ويزينها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل ولا يقبل فيه نقدًا أو مراجعة!

وفي المقابل تراه إذا أبغض أحدًا لهوى في نفسه أو تقليدًا لغيره جرّده من جميع الفضائل، ولم ينظر إلا إلى سيئاته وزلاته يضخمها، وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بيِّنة، بل قد تتحول المحاسن المتفق على حسنها إلى سيئات، لغلبة الهوى والبغض، والعياذ بالله!

قال الإمام ابن القيم: "واللّه تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلّى بها الرجل، خصوصًا من نَصَّب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى:15]. فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه؛ بل يكون الحق مطلوبه يسير بسيره، وينْزِل بنزوله، يَدِين العدل والإنصاف، ويُحكِم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يعيده عنه قول قائل" (إعلام الموقعين 3/94).

ومن لطائف الإنصاف ذلك الحوار الماتع بين المِسْور بن مخرمة ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، قال الزهري: "حدثني عروة أن المِسْور بن مخرمة أخبره أنه وفَد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: يامِسْور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ قال: دعْنا من هذا وأحسِن. قال: لا واللّه، لتكلِّمني بذات نفسك بالذي تعيب علَّي، قال مِسْور: فلم أترك شيئًا أعيبُه عليه إلا بيَّنتُ له. فقال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإنَّ الحسنة بعشر أمثالها، أم تعُدُّ الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما تُذكر إلا الذنوب. قال معاوية: فإنَّا نعترف للّه بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تَهْلك إن لم تُغْفَر؟ قال: نعم. قال: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحقَّ مني، فوالله ما آلى من الإصلاح أكثر مما تلى، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يُقبل فيه العمل ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني. قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه" (سير أعلام النبلاء 3/150 - 151، 391 - 392). يا سبحان الله! أرأيتم كيف أن الإنصاف سببٌ للمِّ الشَّعْث وتقارب القلوب؟

لوازم الإنصاف:
1- قبول الحق من كل من قاله: فالحق ضالة المؤمن، يَقْبله من كل من قاله كائنًا من كان، ومن أدلة هذا الباب: ما روته قتيلة بنت صيفي رضي الله عنها قالت: "أتى حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تشركون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله وما ذاك؟» قال: تقولون إذا حلفتم والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، ثم قال: إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برَبِّ الكعبة، قال: يا محمد! نِعْم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندًا، قال: «سبحان الله وما ذاك؟» قال: تقولون ما شاء وشئت. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ثم قال: إنه قد قال: «فمن قال ما شاء الله فليفصل بينهما: ثم شئت»" (أخرجه: أحمد 45/43، رقم 27093، والحاكم 4/297، وصححه ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في الإصابة 4/378: سنده صحيح).

قال ابن تيمية: "والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلمٍ، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلًا عن الرافضي قولًا فيه حَقٌّ أن نتركه أو نَرُّده كله، بل لا نرد إلا ما فيه الباطل دون ما فيه من الحق" (منهاج السنة النبوية 2/342).

2- الخطأ اليسير في جنب الصواب الكثير مغفورٌ: فالإنصاف يقتضي اغتفار الأخطاء اليسيرات للعلماء الدعاة والمصلحين، قال ابن القيم: "من قواعد الشرع والحكمة أيضًا: أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خَبثُ، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخَبَث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث.." إلى أن قال: "وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس مستقرٌّ في فطرهم: أنه من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوها، حتى إنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع" (مفتاح دار السعادة 1/176 - 177. وانظر: زاد المعاد 423 - 427، ومدارج السالكين 2/455 - 456).

ومن الأدواء المحزنة أن بعض الجهلة لا يرى إلا الأخطاء مهما كانت صغيرة، ويحرص على تتبع سقط العلماء والدعاة والعياذ بالله، وهذا الداء سببٌ ظاهرٌ ملموسٌ من أسباب التفرق واختلاف القلوب، وقد شبّه إمام المحدثين سفيان بن عيينة القوم الذين يتصيدون العثرات، ويكتمون الخيرات تشبيهًا شديدًا، قال فيهم: "ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقى لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فإذا أخطأ الرجل عن نفسه أو حكى غيره، تروّاه وحفظه!" (العزلة، للخطابي، ص 159).

وذكر ابن تيمية: "أن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير يعني الجريح ولا يقع على الصحيح"، ثم قال: "والعاقل يزن الأمور جميعًا: هذا وهذا" (منهاج السنة النبوية 6/150).

3- الحذر من التقليد والعصبية الحزبية: وهذه آفة ٌمن أشد الآفات، وكثيرٌ من النزاعات والخلافات التي َتحْدُث بين العلماء وطلبة العلم والدعاة قديمًا وحديثًا، إنما هي بسبب العصبية الحزبية والتقليد الأعمى للشيوخ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نصر قومه على غير الحق؛ فهو كالبعير الذي رُدِّي، فهو يُنزع بذنبه» (أخرجه: أبو داود في كتاب الأدب، باب في العصبية 5/341، بإسناد صحيح).

تأمل الواقع الدعوي بإنصاف، وسوف تقف على داءٍ خطيرٍ ينخر في الصفوف نخرًا شديدًا! ولقد كان التعصب في التاريخ الإسلامي يتلبس بلباس المذهبية الفقهية، فأضحى في عصرنا الحاضر يتلبس بلباس الحزبية، والتربية الحزبية التي درج عليها بعض العاملين للإسلام غفر الله لنا ولهم مِعْول هَدْمٍ يُعطل عقل الإنسان، ويقتل ملكات الإبداع والتفكير، ويا أسفي الشديد على أقوام جرّهم التعصب وتقليد الرجال إلى كتم الحق، وتحريف الأخبار، والاشتغال بالأعراض، وتمزيق الصفوف.. والله المستعان!

قال السبكي: "الجارح لا يُقْبل منه الجرح وإن فسر، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسةٍ، كما يكون من النظراء أو غير ذلك" (طبقات الشافعية 2/12)، وقد ذكر ابن القيم قاعدةً جامعةً، قال فيها: "عادتنا في مسائل الدِّين كلها دِقِّها وجلّها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفةٍ على طائفة، بل نوافق كل طائفةٍ على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفةً ولا مقالةً" (طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص 393)، ولو أن هذه القاعدة صارت شعارًا لجميع الدعاة في هذا العصر لرأينا خيرًا كثيرًا، ولسلمنا من كثيرٍ من الافتراق والتنازع.

المبحث الرابع: الأمانة العلمية عند المحدثين.
رسم أئمة الحديث منهجًا متميزًا تكاملت أصوله، وتآلفت فروعه، بلغ الغاية في الدقة والإتقان، وكان من ثمرات هذا الجهد المبارك العشرات من كتب الجرح والتعديل، ولعل من أبرز الملامح التي يشهدها المطالع في هذه الكتب: الأمانة العلمية في الحكم على الرجال والطوائف، وخذ أي كتابٍ شئت من كتب الرجال الأصلية وادرس تراجمه، وسوف تجد هذه الحقيقة ماثلة بين يديك لا مراء فيها ولا جدال.

والحق أن أمانة المحدثين جديرةٌ بالتأمل العميق، والدراسة المفصلة، ولكن أكتفي هنا بذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب:

أولًا: العدل في الرضا والغضب: من جوامع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: «وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب» (أخرجه: أحمد 30/264 - 265، رقم 18325، والنسائي في كتاب السهو 3/54 - 55، وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/41):

من الأمثلة البليغة ما رواه أبو محمد فوزان، قال: "جاء رجلٌ إلى أحمد بن حنبل فقال له: نكتب عن محمد بن منصور الطوسي؟ فقال: إذا لم نكتب عن محمد بن منصور، فعمن يكون ذلك -مرارًا-؟ فقال له الرجل: إنه يتكلم فيك: فقال أحمد: رجلٌ صالحٌ ابتلى فينا، فما نعمل؟" (طبقات الحنابلة 1/196).

فالإمام أحمد لم ينتصر لنفسه، أو يغير حكمه لهوى طرأ عليه، وبهذا يحفظ الدِّين. قال أبو العباس الواسطي: "ومن براهين المحق: أن يكون عدلًا في مدحه، عدلًا في ذمه، لا يحمله الهوى عند وجود المراد على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى عند تعذر المقصود على نسيان الفضائل والمناقب وتعديد المساوئ والمثالب. فالمحق في حالتي غضبه ورضاه ثابتٌ على مدح من مدحه وأثنى عليه، ثابتٌ على ذم من ثلبه وحط عليه" (العقود الدرية، ص 291 - 321).

ثانيًا: ذكر ما للرجل من الخير وما عليه:
من تمام الأمانة العلمية عند المحدثين حرصهم على استيفاء الحكم على الرواة بذكر مالهم وما عليهم، والقاعدة الجامعة في هذه المسألة ذكرها الخطيب البغدادي، حيث قال: "إذا اجتمع في أخبار رجلٍ واحدٍ معانٍ مختلفةٍ من المحاسن والمناقب، والمطاعن والمثالب، وجب كَتْب الجميع ونقله، وذِكْر الكل ونشره" (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/202).

ولهذا انتقد الذهبي كتاب الضعفاء لابن الجوزي لذكره الجرح دون التعديل، فقال في ترجمة أبان العطار: "أورده العلامة ابن الجوزي في الضعفاء، ولم يذكر فيه أقوال من وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه: يسرد الجرح، ويسكت عن التوثيق" (ميزان الاعتدال 1/16).

ثالثًا: العبرة بالأمر الغالب:
إذا تقرر ما سبق ذكره من ضرورة ذكر ما للرجل وما عليه، فإن العبرة بالأمر الغالب من حاله، ولهذا قال الإمام الشافعي: "إذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح" (الكفاية في علم الرواية، ص 102).

وقال الذهبي: "... ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه: يغفر زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك" (سير أعلام النبلاء 5/279).

وليس من الأمانة العلمية أو الموضوعية أن يسقط العالم أو الداعية لخطأ أو خطأين وقع فيهما، وتنسى محاسنه الأخرى، كما يحدث كثيرًا عند بعض الدعاة وطلبة العلم في هذا العصر.

وفي هذا الباب موقفٌ لطيفٌ فيه عبرةٌ كبيرةٌ:
قال الحميدي: "كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم: ها هنا رجل من قريشٍ له بيانٌ ومعرفةٌ، فقلت له: فمن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي، وكان أحمد قد جالسه بالعراق، فلم يزل بي حتى اجترني إليه، وكان الشافعي قِبالة الميزاب فجلسنا إليه، ودارت مسائل، فلما قمنا، قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ فجعلت أتتبع ما كان أخطأ فيه -وكان ذلك مني بالقرشية (يعني: الحسد)- فقال لي أحمد: فأنت لا ترضى أن يكون رجلٌ من قريشٍ يكون له هذه المعرفة وهذا البيان -أو نحو هذا القول- تمرُّ مائة مسألةٍ يخطئ خمسًا أو عشرًا، اترك ما أخطأ وخذ ما أصاب!" (آداب الشافعي ومناقبه للرازي، ص 44، وحلية الأولياء 9/69).

رابعًا: العدل مع الموافق والمخالف:
تحقيقًا لقول الله عز وجل: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْـمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].

قال ابن تيمية: "والرافضة فيهم من هو متعبدٌ متورعٌ زاهدٌ، لكن ليسوا في ذلك مثل غيرهم من أهل الأهواء، فالمعتزلة أعقل منهم وأقرب إلى الصدق والعدل والعلم. وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا فأهل السنَّة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإنَّ الظلم حرامٌ مطلقًا كما تقدم، بل أهل السنَّة لكلِّ طائفة من هؤلاء خيرٌ من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خيرٌ وأعدل من بعض الرافضة لبعض.
وهذا ممَّا يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا مالا يُنصف بعضنا بعضًا. وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصلٌ فاسدٌ مبنيٌّ على جهلٍ وظلمٍ، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين، فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس. ولا ريب أنَّ المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض" (منهاج السنة النبوية 5/157 - 158).

وتفريعات هذه المسألة كثيرةٌ جدًا، أذكر منها:
1- تضعيف الناقد لأقاربه:
من تمام الأمانة العلمية أن الناقد قد يُضعف أباه أو ولده أو قريبه إذا كان يستحق ذلك، لا يداري في ذلك أو يداهن، والأمثلة كثيرةٌ على هذا، منها: قول شعبة: "لو حابيت أحدًا لحابيت هشام بن حسان، كان ختني ولم يكن يحفظ" (ميزان الاعتدال 4/296)، وسُئل علي بن المديني عن أبيه، فقال: "اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: هذا هو الدِّين، أبي ضعيفٌ" (المجرحين لابن حبان 2/15).

2- تضعيف النقاد لرواية بعض الصالحين:
وضع أئمة الحديث قواعد محكمةٍ في بيان من تُقْبَل روايته ومن تُردّ، ولم يحابوا في ذلك أحدًا، ولهذا ضعفوا أحاديث بعض الصالحين الذابين عن الدِّين، لأنهم ليسوا أهل رواية، فقبلوا ديانتهم وصدقهم، وردوا روايتهم لضعف حفظهم، فأعطوا كل ذي حق حقه، وهذه هي الموضوعية التي تحفظ للناس أقدارهم، فعن أبي الزناد قال: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله" (صحيح مسلم في المقدمة 1/15).

وقال الإمام مالك بن أنس: "إن هذا العلم دِينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم- يقولون: قال رسول الله، فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقوم علينا محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، وهو شابٌ فنزدحم على بابه" (الكفاية في علم الرواية ص 191).

وأين هذه المواقف العظيمة لأئمة الحديث من بعض الدعاة في عصرنا هذا الذي يُزَكُّون فيه بإطلاق فئامًا من الناس بسبب الرابطة الحزبية أو المناطقية، ويجرحون آخرين من أهل الفضل والصلاح لأنهم ليسوا من أصحابهم؟

خامسًا: كلام الأقران يطوي ولا يروى.
قد يحصل أحيانًا بين بعض الأقران شيء من الاختلاف فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض بدون تأنٍ، من أجل ذلك كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون هذا الجرح بين الأقران إذا تبين لهم أنه ناتجٌ عن نزاعاتٍ شخصيةٍ أو تحاسد، قال الذهبي: "كلام الأقران بعضه في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح ذلك أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسدٍ، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما عَلِمت أن عصرًا من الأعصار سَلِم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس" (ميزان الاعتدال 1/111).

وقال أيضًا: "لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنَفَس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدرٌ لا عبرة فيـه، ولا سيما إذا وَثَّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف" (سير أعلام النبلاء 7/40 - 41).

وهذه القاعدة النفيسة لو أنها أعملت في كثيرٍ من النزاعات التي تحدث بين بعض أقران العلماء أو الدعاة في عصرنا؛ لاطَّرحنا كثيرًا من النزاع والجدل الذي نسمعه أحيانًا هنا أو هناك.

الخاتمة:
أحسب أنَّ المنهج النقدي عن المحدثين عامرٌ بالقواعد والأصول العلمية التي تربي الدارسين على الاتزان والموضوعية، وتضبط طريقة التفكير الذي غَشِيته -عند كثير من الناس- غاشية الجهالة والأهواء، وتعالج كثيرًا من الخلل والاضطراب في صفوف الدعاة والمصلحين، وإحياء ما اندرس من هذا المنهج طريقٌ ممهِّدٌ -بإذن الله تعالى- إلى وحدة الصف، كما أن إشاعة العلم بتلك الأصول والقواعد في أوساط الدعاة وطلبة العلم لها أثرٌ كبيرٌ في تجسير العلاقة بينهم بالحسنى، وردم الهوة السحيقة التي تزداد تجذرًا في الواقع الدعوي الذي نعيشه، وإزالة كثير من الخلافات التي ليس لها حظ من الأثر أو النظر.

أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يعيذنا من مضلات الأهواء والفتن، وأن يجمع قلوبنا على الطاعة.

وصلى الله وسلم على محمد وآله وسلم.

المصدر: مجلة البيان    
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق