]]>
خواطر :
سألت البهائم ذئبا دموعه تنهمرُ...ما أبكاك يا ذئب ، أهو العجز أم قلة الحال...في زمن كثرة الذئابُ واشتد فيه الازدحامُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اللغة الشعرية (٢)

بواسطة: NAZHA MOUATAZ BILLAH MENDES PAULA  |  بتاريخ: 2012-07-19 ، الوقت: 18:56:17
  • تقييم المقالة:

                                              نحو تصور مستقل للغة الشعرية
 
     هل ينكننا أن نفكر في أنساق لسانية أخرى تصبح فيها اللغة ذاتية و مستقلة؟ و اما هي الأشكال
الألسنية التي تتحقق من خلالها هذه الذاتية؟ تلك أهم الأسئلة التي كشفت عن التصور الشكلاني للغة
الشعرية، و في نفس السياق يذهب شكلوفسكي في مقال له إلى أن " اللغة الشعرية تتميز عن اللغة
النثرية باالطابع المحسوس لتركيبها، و يمكن الإحساس بالمظهر الصوتي أو التلفظي، و أيضا
المظهر الدلالي للفظ، و أحيانا ليست بنية الكلمات هي المحسوسة،و إنما تركيبها و انتظامها" ٤
   
     أليس هذا حديثا عن النظم و طرق تأليف الكلام و بحثا عن الأشكال و تناسق الأصوات و توالد
و توالد الدلالات؟ من البديهي قلا نسقط المعنى من النص، لأن المعنى شرط تحقق و كينونة. و لعل
سعي جان كوهن ألي تجنب الإغراق في الشكلية على حساب الدلالة هو ما أكسبه أهمية و تميزا.

    إن موضع الشعرية يتحقق بالإجابة على السؤال التالي: ما الذي يجعل من رسالة كلامية ما أثرا
فنيا و إبداعيا؟ من الواضح أن الحديث هنا عن الأسلوبية التي يعرفها جاكبسون بأنها "بحث يتميز
به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب أولا، و عن سائر افنون ثانيا" ٥
     و بهذا المعنى فالأسلوبية بحث في تكوين النص  ووقوف أفقي على هندسته الداخلية، و فواصله
و بلاغته و اشتغال الخيال بين ألفاظه.


                                           الأسلوب و بنية الخرق و المخالفة

   إذا كان انشغال جان كوهن الأساسي هو وضع محددات عملية للغة الشعرية فما هي  الركائز
النظرية التي  مكنته  من وضع  نظام للتصنيف الذي تم بمقتضاه التمييز بين لغة الشعر و لغة النثر؟
و ينجم عن هذا السؤال سؤال آخر يخص المنهج المتبع  في حل اليشكال المرتبط بهذه المسألة؛ إن
الأساس الذي بني عليه انشغال جان كوهن هو « الشعرية العلمية » التي تترجمها منهاجية التمييز
بين الشعر و النثر عبر إقامه مواجهة بينهما تهدف إلى رصد الوقائع و تصنيفها ضمن خانات تراعي
مقتضيات المقارنا العلمية. غير أن ما يهمنا نحن في تحديدنا للغة الشعرية هو الخاصية الأسلوبية التي
يتبناها جان كوهن. و يتعلق الأمر بقانون الانزياح أو« العدول » فالشعر «ضد الكلام العادي و نقيض
له جدوليا و نسقيا من جهة الصوت و المعنى معا » ٦ بمعنى أنه لا يخلخل المعنى المفهومي، و لا
يضيف يليه خاصيات أخرى دخيلة.  بل يقدمه تقديما مختلفا و مناقضا للطريقة التي يصاغ بها
الكلام العادي. و نستطيع أن نشخص الأسلوب بخط مستقيميمثل التقاطب الأفقي و العمودي (النسقي
 و الجدولي) بين النثر الذي  يخلو من الانزياح بمؤشر أقوى يقترب من درجة الصفر في الكتابة
بتعبير رولان بارث، و بين الشعر الذي تتقاذفه تجسيدات واسعة و متفاوتة للانزياح الذي يتغلغل
في جسم اللغة.

  وفي نفس السياق « تأتي طريقة التحليل الأسلوبي كما يراها ريفاتير لتعمق مفهوم العدول (الانزياح)
باعتباره خرقا للنسق في النص فهو باعتماد نظرية الاخبار و النظرية السلوكية يرى أن مهام الأسلوبية دراسه الكلام من زاوية المفكك.فهي لسانيات تبحث في وظيفة الملفوظ التأثيرية ومن أجل
ذلك تحصر مجال اهتمامها في عاملين إثنين هما النص و متلقيه » ٧ و بهذا المعنى لا يفهم العدول
( أو الأسلوب ) خارج إطار القارئ الذي يتفاعل مع الهيكلة اللغوية في النص، و على النقيض من
ذلك فإن كونادبيرو، في في كتابه « لسانيات وظيفيية و أسلوبية موضوعيه » ( ١٩٦٧ـ PUF)
يرى أن الأسوب طريقة للإضفاء  البعد الذاتي على الهيكلة اللغوية، و هو من جهة أخرى سنن
إضافي يشتغل على سنن عادي هو اللغة بكل ما  تمثله ( المعجم ـ التركيب ـ النحو ـ الصرف ـ
الأصوات، الدلالة...إلخ )

  يقول رولان بارث « في اللغة الكلسيكية، العلائق هي التي تقود اللفظ ثم تدفعه توا إلى معنى مبيت دائما، و في الشعر  الحديث العلائق  مجرد  توسع للفظ ، فاللفظ هو السكن » ٨
 نصل مع بارث إلى أن الشعر  الحديث  يتميز عن نظيره الكلاسيكي  بالاختلاف الكامن في مجموع
البنية الشعرية  اللغوية حيث  يشتغل الإبداع على السياق و خلخلة التسلسل و تضاد المفردات و طرق شحنها بالمحتويات المفارقة، فاللفظ هو السكن و الساكن هو المعنى المتحرك بفضل دينامية  القراءة
و انفتاحها.

  وليس من شك أن  الشعر لغة من جبلة مختلفة أو أنه « لغة داخل اللغة» بتعبير  بول فاليري،         و بعبارة أخرى إنه ارتكاز  في مستوى اللغة و ملمح حركي و دينامي في وظائفها، و هذا الارتكاز هو الذي يحطم البنية القائمة بحثا  عن بنيات أخرى محتملة  و متناسبة  مع منطق الدلالة اللغوية
  
  إن اللغة الشعرية تبحث عن معناها باستمرار و المعنى « يثار من خلال التزاوج الداخلي للكلمات ذاتها عندما  نتركها تذهب مع الوشوشات مرات عديدة لكي تثير إحساسا سحريا إلى حد ما» ٩
 أليس هذا هو المعنى كما يحدده هنري ميشونيك « الإيقاع هو المعنى »؟ و من ثم يصبح الإيقاع هو المعنى بمفهومه الشامل حيث تتظافر كل المكونات النصيه التي يقتضيها القول الشعري لتوليد منطق  لغوي يهرمن علاقة الصوت بالمعنى للوصول إلى الإقامة الجوهرية التي تتصل بالسكن، كما يحدده كل من بارث و هايدجر.

                                             في أهميه طرائق الإبداع الشعري

 

الشعر غرابة.«و الجميل غريب دائما» كما  يقول بودلير. فكلما انحرفت  لغة الشعر و ابتعدت عن المألوف في الكلام العادي صارت أكثر  غرابة و أبلغ عجبا و إعجابا. و هذا  يعني أن سر غرابة الشعر  و عجبه  يكمن في طريقة قوله أوإبداعه. فالشعر قديم قدم الإنسان ، و هذا القدم و الاستمرارية يعطيانه جوهرية خاصة تميزه تشير إلى أصالته في المسيرة البشرية و تكونها الحضاري. و هذه  الأصالة  تمنحنا الشجاعة في أن نستبعد « انتهاء الشعر » أو انسحابه من حياتنا في عصر العلم  و التقانة  لأن وجود الشعر غير مرتبط بغياب العلم حتى يكون سببا في غيابه . وجد الشعر للتعبير عن الإنسان  و مكوناته، و الإنسان لا يزال موجودا. فمهما قيل بانتهاء الشعر أو موته، و مهما تغير لونه و رائحته و طعمه وفق المراحل التاريخية لكنه لن يختفي. صحيح أنه قد يزحمه أو يتقدم عليه ـ في زمن ما و مكان ما  لسبب ما ـ جنس أدبي آخر لكن ها لا يعني قطعا إعلان وفاته. فالزمن الذي أبرز جنسا أدبيا بعينه قد يبرز أجناسا أخرى في مرحلة تاريخية أخرى. و ليس من شك أن للشعر شكل إبداع خاص و طريقة يتحول الشعر بموجبها إلى بدال مستمرة في الزمن عبر التعدي و التحقق. و الشعر طريقة إبداع و إلا فكيف  يمكن تفسيره فكرة النظم اتي التي يسحبها الجرجاني على  الشعر. وكذلك فعل أبو هلال العسكري الذي يؤمن بشكل قاطع بأن الشعر طريقة قول. و عنده أن المهم في الشعر هو كيف يقال:« وليس الشأن في الإيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي و العجمي و القروي و البدوي و إنما هو في اللفظ و صفاه  و حسنه و بهاه و نزاهته و نقاه و كثرة طلاوته و ماه مع صحة السبك و التركيب و الخلو من أود النظم و التأليف »
 و « مدار البلاغة » قام على طريقة قول متميزه لا مجرد القول أو إفهامه لأن الإفهام قد يتحقق حتى بطريقه قول ردئية . و هذه الطريقة هي التي تجعل من قول ما جديرا بالانتماء إلى الشعر. إن السر يكمن في التأنق و إبداع الأشكال فيما يكتب . و يكمن أيضا ـ كما نجد هلال العسكري ـ في المبالغة في تجويد الكلام و المغالاة في تصفيفه و تنضيده دليلا على البراعة و الحذق بفن الصناعة. فلو كان الأمر مجرد قول منصوب على المعنى لغاب العناء و التعب. فلا تفاضل بين الشعراء والقوالين إلا في الطرائق : « و إنما تتفاضل الناس في الألفاظ و رصفها و تأليفهم و نظمها » ١١ وإلا ف  « المعاني مشتركة بين العقلاء ». و هي مطروحة في الطريق » كما يراها الجاحظ.
 



 ٤ـ ترجمة سامي سويدان ـ تودوروف : نقد النقد ط ١ ـ ١٩٦٨ منشورات  مركز الينماء القومي    ـ بيروت  ـ ص ٢٤
 ٥ ـ جاكوبسون ص ٢١٠
 ٦ـ عبد الله صولة ـ مفهوم العدول في الدراسات الأسلوبية المعاصره  ـ المجلة العربية للثقافة ـ العددالثاني و الثلاثون ـ مارس ١٩٩٧ ص ١٤٨
 ٧ـ نفسه ص ١٥٧
 ٨ـ ترجمة محمد برادة ـ درجة الصفر في الكتابة ( رولان بارث ) ط ١/ ١٩٨٢ ـ دار الطليعة ـ
 بيروت ص ٥٧
 ٩ـ أحمد درويش ـ مفهوم اللغة العليا في النقد العربي ـ المجلة العربية للثقافه ( مرجع سابق ) ٧٠
 ١٠ـ أبو هلال العسكري ـ كتاب الصناعتين تحقيق الدكتور مفيد قميحة ط ١ ـ دار الكتب العلمية /
 بيروت / ١٩٨١ ـ ص ٧٢
 ١١ـ نفسه ص ٢١٧ 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق