]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

ميت .. و ميتون .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-18 ، الوقت: 09:19:14
  • تقييم المقالة:

 

 

ألا قلبي .. ما الذي جعل أحزانه تطول هكذا ؟!

والقلوب إذا طالت أحزانها قصرت أعمارها !!

هذا ما يقوله الأطباء النفسانيون ، ويؤكدونه في فحوصهم الطبية الحديثة ، وفي اكتشافاتهم العلمية الجديدة ، أثناء سبرهم لأغوار النفس البشرية .

وتطول أحزاني .. ويقصر عمري ... لست متأكدا من ذلك ، فأنا لست عالما بالغيب ، كما لا أقول هذا رجما بالغيب . غير أن شعورا قويا يدفعني إلى مثل هذا القول ، ويقودني إلى نوع هذا الحكم ؛ فمنذ صغري ، و أنا أشعر أنني لن أعمر طويلا ، وأنني سأموت في أقرب وقت ، وفي أي لحظة خاطفة .

ستقولون : لست تختلف عن سائر البشر ؛ فكل البشر مهددون بالمنية في أي لحظة !!

لست غافلا عن هذه الحقيقة ـ أقول لكم ـ لكن إحساسي بالموت أقوى من حتميته ، وأعمق من ترصده . وفي حياتي ، كثيرة هي المشاعر التي اعترت صدري ، في فترات متعاقبة سابقة ، ثم تحققت إثر ذلك ..!!!

وتعجبوا ، أو لا تتعجبوا ؛ فلن أعترف لكم بشيء ، ولن أبوح بأي سر من أسرار حياتي ، ولن أضرب لكم ولو مثلا واحدا . فلا تنتظروا مني ذلك ؛ فأنا أعلم مسبقا ، وأعي جيدا ، أنكم لن تصدقوني ، ولن تتيقنوا من اعترافاتي ، وتسلموا بها تسليما . ولكن سأحدثكم عن هذا الموت الذي أشعر به ، وكيف أحس به :

أحس بالموت في وجوهكم ، التي ليست وجوها قارة ، ذات ملامح جادة ، وسمات خاصة ؛ فهي متقلبة تقلب الأيام ، ومتبدلة تبدل الأحوال ، ومتغيرة تغير الأهوال ، ومختلفة اختلاف الأقوال ، تبعا للنوايا والأغراض ، وسعيا وراء المقاصد والأهداف ... فوجوهكم بشوشة ، وأفواهكم مبتسمة ، مادمتم منغمسين في اللذة ، مستبشرين بالنعمة ، ومنتشين بالسعادة ... فإذا ما اضمحلت اللذة ، وتضاءلت النعمة ، وتبددت السعادة ، زالت البشاشة ، وتلاشت الابتسامة ؛ فكانت وجوهكم ميتة ، وكنتم ميتين !!

أحس به في قلوبكم ، التي ليست قلوبا مفعمة بروح المحبة ، ومشبعة بجوهر التسامح ، في أصلها طيبة ، ذات نبضات خيرة ، ودقات نيرة ، تضخ الدم بانتظام ووحدة ، وتدق الضربات بهدوء وسكينة ، في جميع الأحوال والأهوال ، ومع كل الأقوال والأفعال ... بل هي عنيفة أشد العنف ، في المحبة والكراهية معا ؛ فإن أحبت ، أحبت بعنف .. وإن كرهت ، كرهت بعنف أيضا ؛ فكانت ميتة ، وكنتم ميتين !!

أحس به في عقولكم ، التي ليست عقولا راجحة ، ذات أفكار ناجحة ، وأحكام ناجعة ، تصدر بروية وتمييز ، وتنبع بحكمة وتدبير ، وتخرج مقننة ومتقنة ... بل هي عقول جوفاء شوهاء ، لا تنبت من الأفكار والأحكام سوى التي تزرع الشر والضر ، وإلا التي تبذر الكراهية والشحناء ، فلا تجني في النهاية غير العداوة والبغضاء ، ولا تحصد في التالي سوى الثأر والموت ؛ فكانت ميتة ، وكنتم ميتين !!

أحس به في أعمالكم ، التي ليست أعمالا جليلة ، ذات أهداف نبيلة ، وغايات جميلة ... بل هي أعمال مرغمة إجبارية ، تمليها الغريزة ، وتفرضها الحاجة ، وتوجبها المنفعة ، لا أثر فيها للإيثار والتضحية ، ولا مسحة فيها للإخلاص والإتقان ... فإذا ما ارتوت الغريزة ، وانقضت الحاجة ، واكتملت المنفعة ، توقفت هاته الأعمال ، وانتهت تلك الأفعال ، فكانت ميتة ، وكنتم ميتين !!

أشعر بالموت في وجهي ، الذي يصفع أكثر من مرة ، في اليوم الواحد ، بسبب مشاهد مخجلة ، ومناظر مؤلمة ، ما ظهر منها وما بطن ـ وما خفي كان أعظم ـ تلتقطها العين ، وتستوعبها الأذن ، فيصيب العين العمى ، ويتلف الأذن الصمم ، فأصير لا أعقل شيئا !!

أشعر به في قلبي ، الذي يحب كل الناس ، ويود أن يراهم جميعا سعداء ، متحابين فيما بينهم ، متآخين ، ومؤتلفين ، هذا يشد ذاك ، وذاك يؤازر الآخر ، في عالم يسوده الاطمئنان والأمان ، وداخل كون يقوده السلم والسلام ، فلا يألف قلبي ـ وحسرتاه ـ  إنسانا واحدا يبادله نفس الحب ، ويقايضه عين الإخاء والائتلاف !!

أشعر به في عقلي ، الذي ينتج مجموعة من الأفكار والخواطر ، ويفرز جملة من الأحكام والآراء ، فلا يسعى أحد إلى فهمها وتأييدها ، ولا يقبل غيره على شرائها ، أو استهلاكها ولو بالمجان ، ولا يعقل أن أبيعها لنفسي ، كما لا يجدي أن أحتكرها لذاتي ، فأعود خاسرا في كلتا الحالتين !!

أشعر به في عملي ، هذا الذي يسيله قلمي ، ويمتصه ورقي ، فلا يتعداهما إلى حيز التطبيق المثمر ، ولا يتجاوزهما إلى فضاء العمل المفيد ، فلا القلم يخفف مرارة الحسرة والأحزان ، ولا الورق يجفف حرارة الدموع والأشجان ، فكنت ميتا .. وكنتم ميتين .. وكنا جميعا كأن لم نكن أبدا ، أبدا ، أبدا !!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق