]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مقولة صدام الحضارات تحت معول النقد

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2012-07-18 ، الوقت: 00:11:51
  • تقييم المقالة:

بعد أن نشر "صمويل هانتنغتون"مقالته الشهيرة"الصدام الثقافي"سنة 1993 في مجلة "قضايا خارجية"الأمريكية و طورها في كتاب "صدام الحضارات و إعادة بناء النظام العالمي"المنشور سنة 1996 أثار من حوله جدلا واسعا و أسال الكثير من الحبر إذ فتح أفقا جديدا في التفكير السياسي ،فبعد أن كنا نتحدث عن العوامل الاقتصادية و الإيديولوجية كعوامل أساسية في توتر العلاقات الدولية صرنا بعدما طالعنا به "هنتنغتون" نتكلم عن الدوافع الثقافية للنزاعات العالمية-أو لأقل صاروا يتكلمون عن تلك الدوافع-هذا الكتاب ذو أبواب خمسة متمثلة في :"عالم الحضارات و التوازن المتغير بين الحضارات و بروز نظام الحضارات و صدام الحضارات و مستقبل الحضارات ..و هذه الأبواب تنقسم بدورها إلى اثني عشر فصلا يذهب فيها هذا المنظر الأمريكي إلى التأكيد على التصادم الحضاري المرتقب إذ بالرغممن إقراره بتداخل الحضارات و امتزاجها ،فإنه يجعل من هذا التداخل أحد مسببات التصادم و التناحر،باعتبار الفروق الشاسعة في مستوى الدين و التاريخ و اللغة و حتى العادات ،كما أن هذا التقارب يوجه الشعوب نحو تحصين انتماءاتها الثقافية المتمايزة و الدفاع عن كينونتها الحضارية أمام الآخر الحضاري فالاستفزاز الخارجي يجعل الإنسان-فردا أو جماعة-في مواجهة مباشرة و حتمية لأمام هويته التي خرجت من طور اللاوعي "الجمعي"إلى الوعي ،كما أن النزعة إلى التكتل الاقتصادي حسب "هانتنغتون"قد استحالت إلى تكتل ثقافي بالأساس..

و يسترسل هذاالمفكر السياسي في تأكيد ما ذهب إليه ،لينتهي إلى حتمية المواجهة بين الحضارتين الإسلامية و الغربية لأسباب ذكر منها تزايد أعداد المسلمين حول العالم و انشدادهم المتفاقم إلى الدين ؛التغلغل العسكري و الثقافي في العالم الإسلامي ؛انتفاء الخطر الأحمر-مع انهيار الاتحاد السوفييتي-حيث أوجد الغرب لنفسه عدوا جديدا –هو الإسلام-..و في الحقيقة استنجد "هانتنغتون"بحجج عديدة ؛إذ أحال إلى أحداث منطقة البلقان حيث يتحدد النزاع بالعوامل الثقافية بين محور إسلامي يضم تركيا ،البوسنة و ألبانيا و محور مسيحي أرثوذكسي يشمل صربيا اليونان بلغاريا ،كذلك وقعت الإشارة إلى صراع روسيا و الشيشان كصراع ثقافي و لو تأملنا ما يحدث اليوم من توترات و صراعات محتدمة في مناطق شتى من العالم يُخيل لقارئ الأحداث المتسرع أن ما أتى به "هانتنغتون"متجسد في الواقع و متمظهر فيه فحروب أفغانستان و العراق مثلا و النظر إلى الاتحاد الأوروبي كناد مسيحي ،و ما يتعرض له العرب و المسلمون من ظلم و اضطهاد قد رسخ في أذهاننا أكثر فأكثر فكرة"صدام الحضارات"..

لكنني أرى أن الدوافع الحقيقية لمثل هذه الصراعات هي اقتصادية و استراتيجية و أحيانا إيديولوجية و علاقتها بالاختلافات الثقافية و الحضارية ضعيفة -إن لم تكن منعدمة- فدولة مثل الولايات المتحدة هي دولة قائمة على أساس نفعي براغماتي لا تؤمن بالأديان و الثقافات بقدر ما تقدس المصلحة المادية المباشرة حيث لا مكان للروحانيات و الأخلاقيات في سياستها الخارجية حتى و إن بدا ما تفعله كذلك فمثلا هجومها على أفغانستان كان لغاية الاقتراب من بحر قزوين معقل النفط الجديد و كذلك لاحتواء النفوذ الروسي في الجمهوريات السوفييتية السابقة ،و احتواء إيران هذا إضافة إلى سحق الحركات الأصولية المتمثلة في الأفغان العرب الذين يدعون إلى خروجها من الخليج و القضاء على معاقل تنظيم القاعدة ليس كجماعة إسلامية بل كجماعة تهدد المصالح الأمريكية ،كما أن غزو العراق كان لما يمثله النظام السابق[نظام صدام حسين]من خطر محدق بإسرائيل و المصالح الأمريكية في المنطقة و خاصة من أجل السيطرة على نفط أحد أكبر منتجي الذهب الأسود في العالم و كذلك تطويق إيران شرقا –من خلال أفغانستان-و غربا -من خلال العراق-..

أما مسألة النزاع الروسي الشيشاني فهو نزاع اقتصادي استراتيجي أيضا ،فالروس متمسكون بالشيشان لما تختزنه الأرض الشيشانية من ثروات من ذهب و يورانيوم و أكثر من 1500 بئر بترول –يُذكر أن النفط الشيشاني هو أجود أنواع النفط في العالم- كما أن معظم أنابيب الغاز من كازاخستان و تدجاكستان إلى روسيا تمر عبر الشيشان والتي تُعد كذلك منفذا إلى بحر قزوين ،كما أن منح الاستقلال للشيشانيين قد يدفع ببقية الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى النسج على منوالها و طلب استقلالها.أما عن مقولة الاتحاد الأوروبي ناد مسيحي ،فهذا كلام فيه مواطن تحفظ عديدة ؛فرفض انضمام تركيا من قبل معظم دول الاتحاد هو لأسباب موضوعية كعدم الاعتراف بالمذابح التي ارتكبت في حق الأرمن و عدم المضي قدما في "دمقرطة"المؤسسات و وجود بعض الفصول القانونية المتعارضة مع القيم الأوروبية –مثل قانون تجريم الزنى-التي لها أساس ديني يتنافى مع الطابع العلماني لأوروبا ،لذلك خليق بنا أن نتحدث عن "اوروبا علمانية"لا عن "اوروبا مسيحية"..و لئن كان أكثر سكان الأرض اضطهادا من الغرب هم العرب و المسلمون فإن ذلك لا يعني حقيقة مقولة"صدام الحضارات"بل ذلك نتاج ما أنعم به الله عليهم من "نعم" حولوها بإرادتهم إلى "نقم"كما أن وجود إسرائيل في قلب العالم العربي قد ساهم بشكل كبير في ذلك بسبب تراكمات تاريخية-لامجال لذكرها الآن-و لكن الأكيد أن أساس الصراع ليس ثقافيا ..و في الحقيقة إن أفكار أستاذ جامعة "هارفارد"تنضح صهيونية و هو على الرغم من اطلاعه على الحياة السياسية عن كثب من خلال عملة كمستشار للرئيس السابق"جيمي كارتر"إلا أنه أظهر ولاء أعمى للقيم الغربية "المتصهينة"و لكن ما يُسجل لهانتنغتون هو تأكيده على بداية نهاية الحضارة الغربية و هو بذلك يحذو حذو "ابن خلدون"و "توينبي"في تأكيد سقوط الحضارات ما أن تبلغ قمة تألقهاو توهجها و رغم الثغرات الصارخة و الهنات التي وقع فيها كتابه "صدام الحضارات و إعادة بناء النظام العالمي"،فقد وجد أنصارا كثيرين بادروا إلى تكذيب الرئيس الأمريكي "بوش" حين أبدى اعتذاره عن حديثه عن حرب صليبية جديدة بين الغرب و المسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و لم يصدقوه و راحوا ينعتونه بالكذب و يتهمونه بالتضليل و فسروا زلة لسانه تلك تفسيرا"فرويديا"ناسبين ما قاله إلى اللاشعور..و الحقيقة أني أصدق بوش حين عبر عن أسفه ،مقتنعا تماما أن امريكا دولة لا تعترف بالأديان و المثاليات بل تحكمها أهداف استراتيجية معينة رهانها الهيمنة على العالم و لا يمكن لبلد صنيعة فلسفة مادية ذرائعية أن يتحدث بلغة"صراع الأديان"فالصراع الحقيقي بالنسبة إلى الأمريكان هو "صراع المصالح"و لا شيء غير ذلك ..و لاشك أن الحكومة الأمريكية لو وجدت مصلحتها مع الشيطان شخصيا لما تأخرت في التحالف معه ..و في الحقيقة فإن تكذيب المكذبين لبوش الابن يعود لعقلية التوجس و الريبة و توقع المؤامرة من العدو و هذه العقلية ليست مفيدة دائما كما تبينا ..فثقوا في "رئيس العالم" هذه المرة و.... صدقوه؛و لا تغركم "الهنتنغتونيات"..

صفوة القول .؛لم يخطئ "تشرتشل"حين قال :"في السياسة ليس هناك صداقات دائمة و لا عداوات دائمة بل هناك..مصالح"..

 

 

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق