]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

واقع التفكير في منظومة الإنسان الحضارية.. ما بين سؤال التصنيف وجدلية الإنتاج

بواسطة: يوسف الفاسي  |  بتاريخ: 2012-07-17 ، الوقت: 18:37:24
  • تقييم المقالة:

في هذا الفضاء الكوني المتناسق والمبني على أسس علمية ومنطقية وفلسفية، ظهرت من خلاله الحاجة إلى طرح السؤال من أجل التعمق في كل أقطاره وزواياه وإن تعددت.

فالناقد اللبناني مارون عبود من خلال كتابه “قدماء ومجترون” يميز مابين ثلاثة أصناف بشرية في تفاعلها مع هذا الفضاء الكوني فيقول: “إنَّ المفكرين الحقيقيين قليل في هذا الورى، والمشككين الحقيقيين أقل منهم، أما المطمئنون إلى كل شيء فملئ الأرض… وأفتك أوبئة الإنسانية، ذلك الاطمئنان الداخلي، مرض الدهماء الذين يعومون في زبد أنفسهم، ولا يغوصون في لجتها، تلهيهم ثرثرة الساقية عن صمت النهر الهادئ، حيث الحيتان الضخمة التي تبتلع حوت يونان…”، فالناقد اللبناني يشير هنا إلى مسألة التفكير والتأمل كعملة نادرة لا يمارسها إلا القلة القليلة في صيغتها الحقيقية، أما الأغلبية فهم يتبعون آراء تهمهم دون التشكيك أو التفكير في صلاحيتها من عدمه باعتبارها قناعات لا يمكن المساس بها، فعلى حد تعبير الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن “القناعات أخطر عداوة للحقيقة من الكذب” وأن “الآراء العامة – الكسل الخاص”، ويرتبط هذا التصنيف بالثقافة المهيمنة على مجتمع ما أو عدة مجتمعات، هل هي ثقافة تدعو إلى التفكير والتأمل من أجل الإنتاج والرقي والسمو؟ أم هي ثقافة تدعو إلى التقليد والمسلمات والقناعات من أجل الاستهلاك دون تمييز ولا تمحيص؟

ففي مقابل الدهماء والعوام كما سماهم مروان عبود, هناك صنفين آخرين: صنف المفكرين الحقيقيين, وصنف المشككين الحقيقيين، فالصنف الأول على تعبير الكاتب السعودي سعد البازعي في كتابه “قلق المعرفة” هو “مستوى تقوم فيه بتبسيط تلك المفاهيم وتداولها على نحو أحادي”، والصنف الثاني “هو مستوى تستوقفنا فيه المفاهيم ونحاول تعمقها وتعمق مايتصل بها”.

ولقد عرفت القرون الوسطى بأوربا مدى فكريًا وثقافيًا عميقًا من خلال الفكر التنويري العقلاني في مقابل ظلامية وخرافة الكنيسة، وهو ما سمي فيما بعد بالعلمانية قياسًا بمفهومها المجرد وهو فصل الكنيسة عن الدولة، وقد قسم المفكر عبد الوهاب المسيري صاحب “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية” العلمانية إلى مستويين، في أحد المستويين هي علمانية جزئية وفي الأخرى شاملة، فالمستوى الأول ينظر إليه بوصفه فصلاً للدين عن الدولة، والمستوى الثاني أي الشامل هو مستوى أكثر تطورًا حيث يسعى لإزالة القداسة أو إلغاء الدين والقدسية عن العالم، وهنا يثار سؤال حول ماهية وكنه هذه القداسة؟ وهل هي موجودة في الدين وفقط أم  هي موجودة في مجالات أخرى؟، وهل يمكن إزالة أو إلغاء القداسة طالما أن العلمانية الشاملة تنطلق من فكرة قدسية العقل أي الانتقال من قداسة دينية إلى قداسة عقلية؟ كل هاته الأسئلة هي مثار الشك والنقد والبحث.

يرى المسيري أن العلمانية الجزئية أي في مستواها الأول هي “قدر لا مناص منه لكي تستقيم الحياة، فثمة ما تقتضيه الحياة الدنيا مما لا يتعارض مع الدين ولكنه لا يتصل بالضرورة به أو يستمد منه” وينبني رأي المسيري هذا على أطروحة مشروعه الفكري التي تتلخص في قوله أنّ “قيمة المفاهيم قيمة نسبية”، ونفس الأمر هنا ينطبق على مفاهيم مثل العقل والدين والقداسة والدولة والإنسان وغيرها من المفاهيم المرتبطة بمفهوم العلمانية، والذي هو مفهوم نسبي بدوره حسب أطروحة المسيري، ومن خلال ذلك لا بد أن نشير إلى أنه لا يمكن تأسيس مفهوم ما بدون معرفة, ولا يمكن تصور معرفة بدون معلومة، لكن هاته المعلومة في وقتنا الراهن لا يملك شفراتها بلغة العلم في تمثلاتها الأساسية سوى الحضارة الغربية، حيث ثارت جدلية منذ النهضة الأوروبية ما بين جدلية الفصل والوصل بين التراث العربي الإسلامي والتراث الغربي، التراث الأخير متقدم ومهيمن والأول متراجع ومتقهقر.

حيث علق المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي على هاته الجدلية في كتابه “العرب والفكر التاريخي” بعبارة بسيطة وعميقة تلخص فحوى هاته الجدلية فيقول “إن موقفنا اليوم يتلخص في رفض تراثين: تراث الثقافة المسيطرة على عالمنا الحاضر تدعي العالمية والإلمامية وتعرض نفسها علينا إلى حد الإلزام والضغط ولا تفتح لنا بابا سوى باب التقليد أو الاعتراف بالقصور، وتراث ثقافة الماضي الذي اخترناه تعبيرا لنا عن عهودنا السابقة لكنه لم يعد اليوم يعبر عن جميع جوانب نفسياتنا” وبعد وصفه لهاته الجدلية يحاول العروي بعد ذلك أن يفك شفرتها فيسترسل قائلا “إننا مطالبون بنهج طريق ثالث غير طريق تقليد الثقافة الغربية الحديثة… وغير طريق تقليد الثقافة العربية القديمة”، وحاصل القول أن العروي هنا يدعو إلى تمازج واعتدال ما بين الأصلح في كلا الثقافتين وهي في الأدبيات الإسلامية دعوة إلى الوسطية العالمة وفي الأدبيات الغربية هي دعوة إلى العقلانية المعتدلة.

ويضيف العروي تعليقا في نقده لعالمية الثقافة الغربية فيقول: “إن الثقافة الغربية، التي تدعي العالمية ليست عالمية تماما، تنقصها تجربة، هي تجربتنا التي إن نجحنا في تشكيلها، ستكتسب مدلولا عاما” وهنا رؤية استشرافية للمؤرخ المغربي الذي يأخذ في قوله هنا الاعتبار لتجربة الحضارة العربية الإسلامية على مدى 14 قرنا بداية من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أي عهد الوحي إلى فترة سقوط الدولة العثمانية، وهي بحد ذاتها في تراكمها تجربة ساهمت إلى حد كبير في تقدم ورقي الثقافة الغربية وازدهار منظومة الإنسان الغربي الحضارية، لكن في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعاني منها الحضارة الغربية ومع استمرار المنظومة القيمية للإنسان الغربي في الانهيار, وفي ظل الانتعاشة التي يعرفها العالم العربي والإسلامي في ظل الربيع العربي وظاهرة صعود الإسلاميين إلى الحكم، فهل يمكننا أن نقول أن التجربة العربية من الممكن أن تنجح لكي تكتسب مدلولا عاما متوجا لطريق ثالث من خلاله لا يمكن للحضارة الغربية أن تستغني عن الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة العربية الإسلامية بدورها لا يمكن أن تستغني عن الحضارة الغربية، إنها علاقة تشاركية توحي لمستقبل خلاق يدحض جدلية الإنتاج إلى جدلية حضارة تشاركية بدل حضارة أحادية تجعل من التفكير محور الإنسان وتجعل من المقدس مفهوما تسامحيا “لكل مقدساته يحترمها الجميع ويقدسها المؤمن بها”.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق