]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الموت و الحياة .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-17 ، الوقت: 09:25:46
  • تقييم المقالة:

 

 

 

وفاء لروح صديقي عبد العالي ، وأيامه ولياليه ، التي جمعتنا في الماضي ، والتي لن تعود عوض .

قال عبد الفتاح كيليطو في كتابه الشيق ، " الحكاية والتأويل " :

« في العديد من الأساطير لا يعتبر اللغز ( أو الحجية ) لعبة يتلهى بها ، وإنما لعبة خطيرة تكون نتيجتها موت أحد الطرفين ، إما واضع اللغز ، و إما المطالب بحله ، لذلك يجب على الذي يطرح السؤال أن يجعله من الصعوبة بحيث يستحيل على خصمه العثور على الجواب . وبالمقابل يجب على الذي يلقى عليه السؤال أن يكون من الفطنة والذكاء بحيث يهتدي إلى الجواب ... » .

هذا في الأساطير .

أما في ذلك اليوم ، فلم يكن سؤالي صعبا ، بحيث أنتظر موت من ألقيت عليه السؤال . ولم يحتج المتلقي الفطنة والذكاء ، بحيث يتغلب علي ، ويجيب على سؤالي ، وأهلك دونه . لم يكن هذا قط ، ولم يعش الأول منا على حساب الثاني ، بل ما زلنا نحن الاثنين على قيد الحياة ، ولكن الذي مات هو الذي من أجله ألقيت السؤال !!

 سألت عنه ، وعن أحواله ، وعن أخباره ، وعن سبب غيابه كل هذه المدة ، فأنبئت بأن غيابه طويل ، وأبدي في غيابات الأرض ؛ لقد وافته المنية ، وانتقل إلى جوار ربه ، وهو على عتبة الشباب ، وفي مستهل العشرينات « وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت » .  

( الشباب يموت ؟ ... ربما ... الشيخ يموت ؟ ... يجب !.. ) .

كان وقع الخبر على نفسي مؤلما ، وفعل الموت في انطباعي مهولا ، ولأول مرة في حياتي ؛ فلقد سبق أن أخبرت أن جدي مات ، وجدتي ، وخالتي ، وعمي ، و آخرين كبارا في السن ، دون أن يحدث في نفسي أي ألم ، وفي انطباعي أي هول ، غير أن نبأ وفاة عبد العالي جاءني كصدمة .. كصاعقة .. كشيء لا يصدق البتة ، مثل الخوارق ، أو الطرائف !!

إنه في مثل سني ، وفي نفس مستواي التعليمي ، وفي عين وضعي المادي ، وأشياء كثيرة جمعتنا منذ الطفولة ، إلى أن عشنا سويا في منزل واحد ، بل في غرفة واحدة ، نقتسم الطعام والشراب والغطاء ، وحتى الملابس في بعض الأوقات . نتبادل الأفراح والأحزان والشقاوات والخصومات أيضا ، ثم نعود كأن شيئا لم يكن ...

وفجأة .. ينتهي كل هذا ، بانتهاء عبد العالي ، بانتهاء روح وجسد بغتة . ( الموت هنا ، الموت هناك : الموت مشغول بالحياة في كل مكان !... كل مكان : مقبرة ... كل زي : كفن ... كل بداية : نهاية ... كل حي : ميت !...) .

فكرت أن أرثي عبد العالي ، لكني وجدت نفسي لا أجيد فن الرثاء ، فأنا لست من الشعراء « والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون » . وما وقع لعبد العالي ليس واديا يهام فيه ، بل هو حقيقة تلزم كل الناس ، وكل المخلوقات ، منذ لحظة الولادة ، إلى ما كتب الله لها من أيام وشهور وسنين ، وربما هي حقيقة تلزمهم قبل لحظة الولادة ؛ فهناك من يأتي إلى الدنيا من رحم أمه ليعود فورا إلى رحم أمه / الأصل : الأرض !!

« وكل الذي فوق التراب تراب » لا يرى ، ولا يسمع ، ولا يصرخ ، بل يترك ذويه يصرخون أياما وليالي ، ثم يكفون عن الصراخ . ( لا الشمس ولا الموت يمكن أن ننظر إليهما دون أن تدمع عيوننا !.. ) .

وأنا هل سأبكي ؟ ... هل سأصرخ ؟ ... هل سأشق جيوبي ، وأنفش شعري ، و أعض أناملي ؟ ...

لا ، لن أفعل ذلك ، ولن أرتكب هذه الحماقات ؛ فأنا أؤمن بقضاء الله وقدره ، خيره وشره . إيماني وديني يفرضان أن أؤمن بأن الله قضى أمره في عبد العالي ، وقال له : ارجع . فرجع راضيا مرضيا . « هو الذي يحيي ويميت إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون » .

 يفرضان أن أؤمن أن الموت لم يخصص فقط للذين طعنوا في السن ، وقطعوا شوطا بعيدا في الحياة ، وردوا إلى أرذل العمر ، فملوا الحياة ، وملتهم هي أيضا ، ثم يأتي الموت ليريحهم من عنائها وشقائها . ( الحياة سباق . الحياة قتال بيننا . الموت راحة من كل ذلك !.. ) .

بل هو محتم على الجميع . مفروض على الكل . يأتي دون إنذار ، مثلما تأتي الحياة دون طلب . وفي ذلك يتساوى كل الناس ، مهما اختلفت أجناسهم ، أو أعمارهم ، أو أقدارهم ، أو قدراتهم الذهنية والبدنية . لا فرق بين جدي وعبد العالي .. أو بين شيخ وطفل .. أو بين رجل وامرأة : « هو الذي خلقكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ثم لتكونوا شيوخا ، ومنكم من يتوفى من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى لعلكم تعقلون » .

 « أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة » .

عبد العالي لم يطلب الحياة ، وأنا أيضا ، وكلنا ، لكننا نحيا ونعيش أيامنا وليالينا ، ونحب الحياة ، ومع هذا الحب ننسى الموت ، ننساه تماما إلى أن يأتينا ، أو يأتي أحدنا بغتة ، ثم نفيق ، ونتذكر ، وندرك أن « غريزة الحياة وغريزة الموت تعملان على الدوام معا . و أن الموت بذلك ليس فعلا يحدث عند انتهاء الحياة ، وإنما هو فعل يبدأ منذ اللحظة التي تبدأ فيها الحياة . فكل لحظة تمر هي لحظة هزيمة للحياة وانتصار للموت ، فالإنسان يموت كل لحظة ، وكل يوم موتا جزئيا لا يكاد يشعر به ، ولعله لا يريد بطبيعته ألا يشعر ، وإنما هو أميل بطبيعته إلى الإقبال على الحياة مدفوعا إلى ذلك بغريزة الحب ... » .

والناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا . وما الحياة إلا حقيقة قاسية ، ومع قسوتها تحمل كل ما تحمل جبال الأرض من ثقل من التفاهة والضآلة . والأسعد منا من آمن بالله واليوم الآخر ، ورضي برزقه ، وبما قسمه الله له ، ولم يحرص على الدنيا ومتاعها الزائل ، ولم يغتر بمظاهرها الفانية ، وأخلص عقله وقلبه وعمله لـربـه ، وابتغى رضاه ، والنظر في وجهه ذي الجلال والإكرام ، يوم يكون « لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ولا يسأل حميم حميما » .

رحم الله عبد العالي ، وطيب ثراه ، وأسكنه فسيح جناته ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . « الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا » .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق