]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تجار الخبز .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-16 ، الوقت: 10:05:52
  • تقييم المقالة:

 

 

 

فقير ، وأمي ، هذا الشعب .

فقير أشد ما يكون الفقر . ومغلوب على أمره ـ أو في الحقيقة على بطنه ـ أقسى ما يكون الغلبة !!

ومقهور كذلك في أحلامه ، وأمانيه أفظع ما يكون القهر !!

فلقد تجسدت في الأيام الماضية ، أقصى أحلامه ، ومنتهى أمانيه ، في [ الخبز ] .. والخبز وحده !!!

وأبان عن جزع عظيم ، وكرب شديد ، في أن يرتفع ثمنه . وتململ في كل مكان من الوطن ، وتبلبل ، وتشوش ، وتكدر ، وأعلن عن رفضه الزيادة ، عبر مختلف وسائل الإعلام والرأي ، وفي اللقاءات ، والجلسات ، والحوارات ؛ فهو يرى أن هذه الزيادة ستضيف له عجزا آخر ، فوق عجزه المعتاد في قدرته الشرائية ، وتسبب له ضعفا ملحوظا في مستواه الغذائي ، مما سيترتب عليه ـ ربما ـ هزال في بنيته الجسدية ، وخلخلة في تركيبته النفسية ، وتشوش في ملكاته الفكرية ... !!!

المهم أن الشعب شعر بالخطر . وقد شاركه هذا الشعور بالخطر بعض رجال الصحافة و الإعلام ، وبعض أهل السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وبعض أرباب الحكومة والبرلمان ، وأسمعوا لنا ، جميعا ، كلاما ثرثارا ، وقدموا تحليلات شتى ، وتبادلوا اطمئنانا وتخوفات ، وتداولوا تكهنات وتخمينات .

كل هذا جرى بسبب المادة الغذائية العظيمة في حياة الإنسان : [ الخبز ] !!!

في زمن شرع بعض الناس يحلمون أن يتمتعوا بصحة جيدة ، ويحرزوا قدرات جسمية هائلة ، تضيف إلى أعمارهم الافتراضية أعمارا إضافية ، ويسكنوا كواكب بعيدة ، بل هم يسعون فعلا إلى أن يصعدوا إلى مناطق جديدة في الكون الفسيح ، لعلهم يجدون فيها غير ما تنبت هذه الأرض البالية ، فيحتلونها ، ويعمرونها ، ويتركون لنا ـ نحن الفقراء ـ نـتـقـاتـل على ما تنبت من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ... وننشغل ما بقينا على قيد الحياة البدائية بالخبز ، والخبز وحده . ولا نذهب أبعد من الخبز ، ولو إلى قطعة من اللحم مثلا . فقط علينا أن نهتم بالخبز ، والخبز وحده ، ونحرص عليه كما نحرص على أرواحنا !!

إنه عـار . و أي عـار ؛ عـار معجون بالدقيق ، والخميرة ، والملح ، والماء ، وبسواعد نساء الفقراء !!

عـار ينضج جلودنا ، ويحرق أعصابنا ، قبل أن ينضج هو في الأفران ، دون أن يحترق ، فلا ينبغي له ذلك !!!

عـار أن تقوم الدنيا ، في وطننا ، وتقعد تارة ، وتقف طورا ، بسبب أهون شيء في حياة الإنسان المعاصر ، ألا وهو [ الخبز ] !!

عـار أن يكون الخبز ، والخبز بالذات ، رأس فقرنا ، وعنوان أزماتنا !!

عـار أننا لم نتخط بعد مشكلة الخبز ، والخبز الحافي بالتحديد !!

ولنسأل أنفسنا قبل أن نحتج ، أو نصرخ :

ـ أما زال في هذا العالم المعولم ، السريع التقدم ، والغني بالثروات والطيبات من الرزق ، شعوب بائسة ، لا تطمع في دنياها إلا أن تحصل على أرغفة الخبز فقط ، وتأكلها حافية لا مرق فيها ، ولا طعام آخر معها ، و لا يهم أين تأكلها ، وكيف تأكلها ، ومتى تأكلها ، وكم تأكل منها ؟!

ـ أما زال عندنا في هذا الوطن ( المضياف الكريم ) أفراد لم يطعمهم من جوع أحد ، قصارى همهم الخبز ، والخبز وحده . ويعتبرونه أول أولوياتهم ، ويتوجهون إلى الحكومة ، ومجلس النواب ، يطلبون منهم أن يدافعوا لهم عنه ، ويصونوا لهم هذه المادة الغذائية الأساسية من الزيادة . بل ويصل بهم الجزع إلى أن يستنجدوا بوسائل الإعلام وبرجال الصحافة ، وينشدوا منهم أن يتدخلوا عند أصحاب الشأن ، وأرباب معامل الخبز ، لكي يرأفوا بحالهم ، ويرحموا أبناءهم المحتاجين إلى كسرات الخبز ؟!

ـ أحقا هذا هو شعبنا ، وهذا هو حال مواطنينا ؟!

أفعلا لم نتخط بعد مشكلة الخبز ؟!

إذن ما شأن باقي متطلبات الحياة ، وضروريات العيش ، من لحم وخضر وفواكه وملابس و أحذية وكتب و أدوية وماء و كهرباء وراحة واكتفاء ؟!

وماذا سنفعل إزاء قضايا أهم ، وأمور كبرى ، مثل السكن والتعليم والعمل والصحة والسفر والنقل والزواج والأسرة و .. و ... ؟!

ماذا سنفعل إزاء الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدل والحرية والأمن و استقرار المجتمع وسعادة الأفراد ؟!

ماذا سنفعل إزاء الحضارة والتمدن و التقدم والتنمية والحداثة والتطور و العلم والإبداع و الاكتشافات والاختراعات ؟!

ماذا سنفعل إزاء التحديات الكبرى والعوامل الخارجية والأحداث العالمية والمناوشات والمنافسات ومكائد الأعداء واحتمالات الصراع والحروب ؟!

ماذا سنفعل إذا كان الخبز مازال يعجن أمخاخنا بالخوف والعجز ، ويمغص أمعاءنا بالغلاء والخصاصة ، وينغص أحلامنا وهناءنا بالعيش ؟!

في الحقيقة لن نفعل شيئا ما دمنا لم نتخلص بعد من مشكلة الخبز ، وبقينا مشدودين إلى أكياس الطحين ، وحرارة الأفران والأسعار !!!

لن نصنع شيئا ما دمنا لم ننتصر بعد على الخبز في معركة الحياة ، وما دمنا نصوره مثل « شايلوك » ذلك اليهودي المرابي ، في مسرحية شكسبير ( 1616/ 1564)  ، نخشى منه على جيوبنا ومواردنا !!

علينا أن نوفر للجميع الخبز دون خلق مشاكل ، وصنع عقد ، ثم بعدها يأتي كل شيء من تلقاء نفسه !!!


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق