]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

هل نحن محاسبون حقا؟!

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2012-07-15 ، الوقت: 16:29:00
  • تقييم المقالة:
  هل نحن محاسبون حقا؟!  

سؤال قد يبدو ساذجا للكثير من الناس و لكنه في الواقع مهم و خطير، فكيف لي أن أعرف حقيقة وجودي في هذا الكون!  وما المطلوب مني؟  وهل أنا محاسب على كل ما أقول وأفعل؟ وما الدليل على ذالك؟

تقول العلوم الحديثة أن كلما نلفظ من كلام يحفظ في سجل كامل. وتفسير ذالك أن أحدنا عندما يحرك لسانه ليتكلم, يحرك بالتالي موجات من الهواء تسمى (آكوستيك), كالتي توجد في الماء الساكن عندما نرمي فيه بقطعة من الحجر...

ولقد ثبت بالبرهان القطعي أن هذه الموجات تبقى كما هي في «الأثير»إلى الأبد, بعد حدوثها للمرة الأولى, ومن الممكن سماعها مرة أخرى,مع أنها لا تزال تتحرك في الفضاء منذ زمن بعيد. ولقد سلم العلماء بإمكان إيجاد آلة لالتقاط أصوات الزمن الغابر قياسا على التقاط المذياع الأصوات التي تذيعها محطات الإرسال.

غير أن المسالة الكبرى التي واجهوها في هذا الصدد, ليست في التقاط الأصوات القديمة, وإنما التمييز بين الأصوات الهائلة الكثيرة حثي يتمكنوا من سماع كل صوت على حدة...

وقد تغلبوا على هذا الإشكال في الإذاعة فملايين المحطات في العالم تذيع برامج كثيرة ليل نهار, وتمر موجات هذه البرامج في الفضاء, بسرعة 186000 ميل في الثانية.

وكان من المعقول جدا عندما نفتح المذياع أن نسمع خليطا من الأصوات لا نفهم منه شيئا, ولكن هذا لا يحدث, لأن جميع محطات الإذاعة ترسل برامجها كما هو معروف على موجات طويلة.. و قصيرة..ومتوسطة...وهكذا

وبهذا يثبت عندنا قطعا أن كل ما ينطق به الإنسان يسجل وهو محاسب عليه.

إن مناقشتنا لجانب المسألة إنما يؤكد وجود ملائكة يسجلون كل ما ننطق به من كلام مصداقا لقوله تعالى { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.سورة ق الآية: 18.

وليس القول وحده هو الذي يسجل فعملنا أيضا يسجل على صفحات الكون .

فالعلم الحديث يؤكد أن جميع أعمالنا- سواء با شرناها في الضوء, أم في الظلام, فرادى أم مع الناس – كل هذه الأعمال موجودة في الفضاء في حالة الصور, ومن الممكن في أية لحظة تجميع هذه الصور, حتى نعرف كل ما جاء به  إنسان من أعمال الخير و الشر طيلة حياته, فقد أثبتت البحوث العلمية أن كل شيء  -حدث في الظلام  أو في النور,  جامدا كان أو متحركا-  تصدر عنه «حرارة»بصفة دائمة, في كل مكان, وفي كل حال, وهذه الحرارة تعكس الأشكال وأبعادها تماما, كالأصوات التي تكون عكسا كاملا للموجات التي يحركها اللسان. وقد تم اختراع آلات دقيقة لتصوير الموجات الحرارية التي تخرج من أي كائن, وبالتالي تعطي هذه الآلة صورة فوتوغرافية كاملة للكائن حينما خرجت منه الموجات الحرارية كما هو مشاهد الآن في التلفزيون والتقنيات الرقمية عالية الجودة ويمكن استرجاع هذه الصور مرة أخرى...

ومشكلة هذه الآلات كسابقتها, أنها لا تستطيع تصوير الموجات الحرارية إلا خلال ساعات قليلة من وقوع الحادث. أما الموجات القديمة فلا تستطيع هذه الآلات تصويرها, لضعفها وتستعمل في هذه الآلة( أشعة افرارد) التي تصور في الظلام والضوء على حد السواء.

ومعنى هذا أن حياة كل منا تصور على مستوى عالمي, كما تسجل آلات التصوير الأوتوماتيكية جميع تحركات الممثلين السينمائيين..أو عن طريق أجهزة التصوير التي ركبتها دول لتجسس على أشخاص في أدق تفاصيل حياتهم وقد أخبرني أحد الخبراء في هذا المجال أن أمريكا وبريطانيا ينفردان بالتصنت على جميع مكالمات العالم.. وفي آخر إحصاء لخطوط الهواتف بلغت خمسة مليارات خط هاتف في جميع أنحاء العالم وهذا الرقم قابل لزيادة باستمرار.. والغريب أن هذه الدول هي التي كانت تتخذ من حرية الإنسانوالعالم الحر عنوانا براقا تتستر ورائه, وتناسى هؤلاء أو غاب عنهم أن هذا  الستار شفاف وقد فضحته أجهزتهم يقول الشاعر:

        ثوب الرياء يشف عن ما تحته         فإذا التحفت به فانك عاري 

ومن هذا نصل إلى أن جميع تحركاتنا تسجل على شاشة الكون ولا يمكننا منعها أو الهروب منها, سوا أكنا في النور أو في الظلام. فحياتنا كالقصة التي تصور في الاستديو, ثم نشاهدها على الشاشة بعد حقب طويلة من الزمن, وعلى بعد كبير من مكان التسجيل, ولكنك تشعر كأنك موجود في مكان الأحداث, وهكذا  شأن كل ما يقترفه الإنسان, وشأن الأحداث التي يعيشها فان فيلما كاملا لتلك الأحداث نعيشه واقعا منذ الولادة وحتى الموت ويمكن عرضه في أي وقت...

وتأسيسا على ما أسلفنا فان أجهزة الكون تقوم بتسجيل لكل أعمال الإنسان, فكل ما يدور في أذهاننا يحفظ إلى الأبد, وكل ما ننطق به  من كلمات يسجل بدقة فائقة, فنحن نعيش أمام كاميرات تشتغل دائما, ولا تفرق بين الليل والنهار مثل موبايلك الذي يضبط كل ما تقوم به بدقة تامة علمت ذالك أم جهلته.

وعليه فان العلوم لم تترك لنا أي خيار ولم يبقى أمامنا إلا أن نسلم بأن قضية كل منا سوف تقدم أمام محكمة إلهية وبأن هذه المحكمة هي التي قامت بإعداد هذا النظام العظيم لتحضير الشهادات التي لا يمكن تزويرها.

ونرتل بكل خوف وإجلال قوله تعالى ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾الكهف الآية:49

والعلاقة الوحيدة الصحيحة بين الناس ورب الناس هي إسلام الوجه له, وإحسان الاستمداد منه, والاعتماد عليه, واعتبار الدنيا مهادا للآخرة وجهادا لكسبها.

والإسلام حسب الحديث الصحيح هو:شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا "   و الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ". والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يــراك" رواه البخاري.

عندما نعيد قراءة هذا الحديث النبوي الشريف مرة أخري  بتمعن , وتفكر في معانيه لا بد أن يستوقفنا سؤال جبريل عليه السلام عن الإحسان .. وجواب رسول الله صلى الله عليهوسلم (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)

ولنقرب المعنى قليلا فأنت عزيزي القارئ تستوقفك إشارات المرور مرات عديدة فهي تنهيك بأضوائها الخضراء والحمراء  ليس لتعوق السير أو تعطل الناس، بل هو لضمان السلامة، وضبط الحركة، وتنظيم الوجهة والله عز وجل لم يدع عباده ينطلقون في الحياة وفق أهوائهم فإن هذا لو وقع لن يملأ الدنيا إلا فسادا وعطلا وأذى{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ*وَالَّذِينَ ءامنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}سورة محمد الآية: 32- 33، لذلك ترفق الله بخلقه، وأنزل عليهم وحيه ليعلمهم من جهل، وينقذهم من حيرة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثلاثة لا يكلهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر"، مسلم.

فالعدوان على الأعراض فاحشة فإذا أصابت هذه الفاحشة امرأة الجار كانت أعظم، فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه، ويقول له أدخل النار مع الداخلين" بن أبي الدنيا.

إن من أبغض الناس إلى الله، امرءا يظهر بين الخلق بالصلاح والخشوع فإذا أمكنته رذيلة وهو منفرد لم يتورع عن الإيغال فيها.

عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بأعمال أمثال تهامة، بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا". قال ثوبان يا رسول الله، صفهم لنا جلهم لنا لا نكون منهم ونحن لا نعلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هم فإخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". ابن ماجه.

والعقوبات المعجلة أو المؤجلة سياط لابد منها لقمع الغرائز الشرسة في الحياة الإنسانية والإجرام الفردي والدولي لا تعني في رده الخطب والنصائح، بل لابد من حسم الشر بالشر ولابد من التخويف بالأذى القريب أو البعيد لفطام الناس عن شتى الأهواء الخبيثة إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزتك النفسية أولا، فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة بصدق اليقين وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة. ولن تصل إلى هذا إلا إذا كنت دائما تحاسب نفسك بنفسك.

فما من عمل هام إلا وله حساب يضبط دخله وخرجه، وربحه وخسارته. إلا حياة الإنسان فهي وحدها التي تسير على نحو مبهم لا يُدرى فيه ارتفاع أو انخفاض.

هل يفكر أكثرنا أو أقلنا، في إمساك دفتر يسجل فيه ما يفعل وما يترك من حسن أو سوء؟ ويعرف منه بين الحين والحين رصيده من الخير والشر؟ وحظوظه من الربح والخسارة؟!

لو أننا نخبط في الدنيا خبط عشواء، ونتصرف على ما يحلو لنا، دون معقب أو حسيب، لجاز علا تفريط وحمق أن نبعثر حياتنا كما يبعثر السفيه ماله، وأن نذهل عن الماضي وما ضم من تجارب وأن نقتحم المستقبل متهيبين خطأ أو خطيئة!!

فكيف ولله حفظه يدونون مثقال الذرة، ويعدون لنا قوائم بحساب طويل...

أما يجب أن نستكشف نحن هذا الإحصاء الذي يخصنا وحدنا؟!

أما ينبغي أن نكون على بصيرة بمقدار ما نفعل من خطأ وصواب؟

الحق أن هذا الانطلاق في أعماق الحياة دون اكتراث بما كان ويكون، أو الاكتفاء بنظرة خاطفة لبعض الأعمال البارزة أو الأعراض المخوفة، الحق أن ذلك نذير شؤم.

وقد عده القرآن الكريم من الأوصاف البهيمية التي يعرف بها لمنافقون الذين لا كياسة لديهم ولا يقين﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرةأو مرتين﴾ .سورة التوبة آية 126

وعلماء التربية في الإسلام متفقون على ضرورة محاسبة المرء لنفسه تمشيا مع طبيعة الإسلام، وإنفاذا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم" الترمذي.

وقوله: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله" المنذري.

وقد كتب هؤلاء العلماء فصولا مطولة في المراقبة والمحاسبة يمكن الرجوع إليها.

ويرى ابن المقفع أن يسجل الإنسان ما يصدر عنه جاعلا الصفحة اليمنى للحسنات واليسرى للسيئات.

وإن كان "رديل كارنيحي" يذهب إلى تدوين السيئات فحسب على أساس أن المرء يعنيه تلافي أخطائه، والنجاة مستقبلا مما وقع فيه آنفا.

قال: في أحد أدراج مكتبي ملف خاص مكتوب عليه " حماقات ارتكبتها"!!

وأنا أعد هذا الملف سجلا وافيا للأخطاء التي وقعت فيها، وبعض هذه الأخطاء أمليته، والبعض الآخر خجلت من إملائه فكتبته بنفسي.

ولو أنني كتب أمينا مع نفسي لكان الأرجح أن يمتلئ مكتبي بأمثال هذه الملفات المليئة بالأخطاء والحماقات!!

وعندما استخرج سجل أخطائي، وأعيد قراءة الانتقادات التي وجهتها لنفسي، أحس أنني قادر على مواجهة أقسى وأعصى المشكلات مستعينا بعبر الماضي الذي دونته لقد اعتدت أن ألقي على الناس تبعة ما أواجه من مشكلات لكن بعد أن تقدمت في السن وازدادت حكمتي -فيما أخال- أدركت أنني وحدي المسؤول عن ما أصابني من سوء، وفي ظني أن كثيرا من الناس يصلون إلى هذه النتيجة نفسها عند ما يدرسون أنفسهم.

ولقد قال نابليون في منفاه بجزيرة القديسة "هيلانة": لا أحد سواي سؤول عن هزيمتي. لقد كنت أنا أعظم عدو لنفسي!!)).

ولتفسير أكثر لمسألة: " المحاسبة" نجد أنه اليوم لم تعد هناك حجة لمن كانوا يوما يعملون في الخفاء, ولا يلتفتون للتحذيرات الشرعية. وذلك عندما أصبح المسجل والكاميرا جزء من حياتنا اليومية. أي أن أقوالنا وأفعالنا تسجل على شاشة الكون ولا يمكننا التهرب منها سواء كانت حسنات أو سيئات فهي مثل فاتورة الهاتف التي يعطيك البريد بعد تهربك من الدفع فان سجل كامل لتلك المكالمات يعرض أمامك ولا يسعك أن تتهرب منه وما يقال عن الكلام يصدق على أعمالك سواء في الظلام أم في النور..

ان المجتمع بكل أطيافه يبذل جهودا ضخمة للتنفير من الجرائم, عن طريق االترغيب والتخويف بالحساب والعقاب والجنة والنار..ولكن النسبة المرتفعة للجرائم المتزايدة يوما بعد يوم تدل على أن مايقوله أولائك الفقهاء والحكماء ليس رادعا,حتى يمنع المخالفين من القيام بجرائهم.. فما كثر ماقيل في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة أن تقديم الرشوة وقبولها وان استغلال الوسائل الحكومية لصالح الأغراض الفردية خيانة وكبيرة لا تغتفر ولكن الوقائع غير ذالك فأنت تشاهد الرشوة تمضي في طريقها على قدم وساق ..والمشروعات الكبرى في تحقيق أهدافها لأن النسبة الكبرى من الميزانية المقررة تأخذ طريقها الي جيوب المسؤليين القائمين بأمر هذه المشروعات,بدلا من انفاقها في مكانها الصحيح. وهكذا اختفت المعايير والقيم من الحياة رغم كل الجهود التي بذلت من جانب المصلحين والفقهاء والزعماء, وباءت كل الوسائل التى استخدموها بالفشل الذريع..

لذا كان لزاما عليهم أن يأخذوا ما أسلفنا من الحقائق كمنطلق لأقوالهم وحججهم..

وهذا ما سيكون وازعا في المجتمع يمنع الناس من ارتكاب الجرائم,لأن الرشاوي ,والمحسوبيات, وخدمات المحامين البارعين, وشهود الزور كل هذه العوامل تكفي لحماية المجرم من أية شرطة أومحكمة انسانية, والمجرم لايرهب عقابا, لو استطاع أن يفلت من أيدي القانون.

( ان الشرع الالهي يستوفي كل هذه الأمور, فعقيدة الآخرة التى يحملها الشرع الالهي, هي خير وازع من ارتكاب الجرائم, وهي تكفي لتبقي احساسا بالجريمةواللوم يعتمل في قرارة ضمير الانسان, لو أدلى بشهادة كاذبة أمام القاضي .

والوازع الذي يمنع من ارتكاب الجرائم ليس هو الدين في حد ذاته, فانه لايقدم لنا تشريعا فحسب, وانما يخبرنا أن صاحب هذا التشريع يشاهد كل أعمالنا من خير وشر كما تقدم آنفا..فنياتنا وأقوالنا وحركاتنا بأكملها تسجل بواسطة أجهزة هذا المشروع, ولسوف نقف بعد الممات أمامه,ولن نستطيع أن نفرض ستارا على أدق أعمالنا.

ولو أننا استطعنا الهروب من عقاب محكمة الدنيا, فلن نتمكن بالتأكيد من أن نفلت من عقاب صاحب التشريع السماوي).  

فأنت أمام عدساتتعمل ليلا ونهارا بدون كلل فحاسب نفسك عزيزي القارئ قبل فوات الأوان وعند محاسبة المرء نفسه سيتعرف إليها جيدا ومن عرف نفسه عرف ربه، ويهذب أخلاقه وسلوكه، حيث يرتقي إحساسه بالآخرين، وتصبح تصرفاته أكثر نعومة وأناقة

وشفافية، وبذلك يطبع بطابع المدنية التي هي روح يسري في كيان الفرد، فيعطيه طابعا خاصا يلمسه الناس في كل شؤونه: في طريقة كلامه، وعباراته المنتقاة، وفي طريقة استماعه وتناوله لفرصة التحدث، وفي كيفية قيادته لسيارته، وفي كيفية تنبيهه للمخطئ، وفي طريقة حصوله على حقه، وحله مشكلاته، بالطرق السليمة إذ أن من أهم سمات الإنسان المتمدن أن يبحث باستمرار عن طرق مشروعة وغير عنيفة لتجاوز التعارض بين مصالحه ومصالح الآخرين.

ولهذا فإن الإسلام يؤكد دائما على تمدين الإنسان قبل تشييد العمران لأن الإنسان غير المتمدن لا يعجز عن استثمار الإمكانات الحضارية وحسب وإنما يعجز عن المحافظة على الموجود منها.

والإسلام علم الناس ألا يرفعوا أصواتهم، وأن يغضوا من أبصارهم، وألا يلجوا البيوت دون استئذان، وأن يتفسحوا في المجالس، كما علمهم الرفق والصفح والإيثار،

وفي الصلاة والتي هي موقف روحي خاص يتعلم المسلمون الدقة والنظام والالتزام بحركات الإمام... وليس كما هو مشاهد اليوم إذ أصبحت طقوس تؤدي في أزمنة معينة بدون أدنى تفكير مما أفقدها لروحها المدنية والروحية..

والمدنية تهذيب للأخلاق والسلوك، حيث يرتقي إحساس المرء بالآخرين، وتصبح تصرفاته أكثر نعومة وأناقة وشفافية، وهو بذلك قادر على ضبط سلوكه ونزواته، والوقوف عند الحدود التي تبدأ عندها حقوق الآخرين.

والمدنية قبل كل شيء اكتشاف للذات وللناس واكتشاف لإنسانية الإنسان ومشاعره وحقوقه، وتقدير لجهوده ومشاركاته، وتأسيس للثقة بقدرته على السمو وتأجيل الرغبات وتجاوز العقبات.إن المدنية الحقة، تصنع الحضارة، لكن الحضارة لا تصنع المدنية، بل قد تدمرها وتفكك منظومتها.

ونستخلص مما سبق أن المدنية الحقة  أن يكون الإنسان على بصيرة من أمره قولا وعملا واعتقادا وسلوكا سيشعر بأنه مراقب من خالقه وهذا ما يؤدي به إلى الجد والإخلاص ..

وهذا هو الإسلام الحق الذي يربط  قضايا التوحيد بمقتضياتها من الأعمال الحيانية والتعبدية...

والإيمان والعمل شيئان متلازمان لا يصلح أحدهما إلا بالآخر, وبمفهوميهما الواسعين يشملان الجوانب الروحية والجسدية, والفكرية والعقلية, والقولية والفعلية.

لهذا كان التكامل من أبرز خصائص العقيدة الإسلامية وما لم تتحقق هذه الخاصية فان شخصية المسلم تبقىناقصة بل منفصلة.. فهل نطبق هذه الخاصية التي لا يتم الإيمان إلا بها ونطمئن أننا محاسبون حقا!؟  أم نبقي علي إيمان ناقص ؟!.

 

الهوامش

*محمد الغزالي:ركائز الإيمان بيت العقل والنقل, دار لقلم دمشق, ط,4 ,1420ها 1999 *محمد الغزالي : جدد حياتك, دار القلم: دمشق , الطبعة 15، 2003 م

* وحيد الدين خان: الإسلام يتحدى، ترجمة، ظفر الإسلام خان، (مدخل علمي إلى الإيمان)، مراجعة وتقديم، الدكتور عبد الصبور شاهين، الطبعة الثانية، المختار الإسلامي 1964 م.

*عبد الكريم بكار: تجديد الوعي, دار القلم, الطبعة الأولى, 1421 ها ـ 2000 م

*المرابط ولد محمد لخديم: دين الفطرة, تقديم: أ.د.محمد المختار ولد أباه, ودكتور: الداه ولد ممون. الطبعة الأولي: مجمع الفقه الإسلامي, دلهي الهند سنة 2010 م.

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق