]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زنزانة أحلام العسكري ... قصة في حلقات ( 1 )

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-07-14 ، الوقت: 16:15:36
  • تقييم المقالة:

 

زنـزانـة  أحــلام العـسـكـري                           ---------------------------     قصة بقلم : أحمد الخالد

                                    

( 1 )

                                          =====      

" هي واحدة منهن بلا شك " --------------------------

     ... خرجت بسيارتي التي أحرص على أن تكون حديثة دوما لتكون طعما جيدا لرحلة صيدي الليلية المعتادة ، ملامحي معروفة لهن وكثيرات منهن باتت ملامحهن محفوظة لي وعلى الرغم من معرفتهن بأنني لا أعيد الكرة مع أحداهن ، فأنا أحرص على الإنتقاء منهن جيدا ، فهن كثيرات ؛ إلا أنني كثيرا ما أجد ملاحقات ومحاولات لتكرار الليلة ، لما تجدن مني من سعة إنفاق ، لذا كنت أدقق الاختيار كل مرة وأختار الجديدة منهن .... لغة مشتركة مفهومة نعرفها جميعا حتى أصبحت الواحدة منهن تفتح باب السيارة وتركب ما أن أقف لها دون أن تسألني أو أسألها  ..

وحدها لم تكن تعرف تلك اللغة السريعة التي بت في الآونة الأخيرة في غنى عنها .. عاودت استخدامها معها .. استخدمت كل مفرداتي التي استخدمها عادة ..

كانت تقف في شموخ عجيب . لايمكن أن يكون وجودها صدفة هنا ، فكل الإشارات التي نعرفهن بها موجودة بداية من الملابس ونهاية بنظرة العين التي لا يمكن أن تأتي صدفة ، حتى طريقة إمساكها للهاتف .

-        هي واحدة منهن بلا شك !! قلت لنفسي مؤكدا ، عاودت الدوران مرات من أقرب دوران للخلف في الشارع الكبير ، لعلها تستجيب . وفي المرة التي كدت أن أنزل من سيارتي مجازفا كهاو ؛ اقتربت هي ... تنفست الصعداء اطمئنانا على سلامة احساسي بهن ومنيت نفسي بليلة ستكون جد مختلفة مع هذا المهر العربي الذي لم يرد علي مثيله من قبل ؛ لكنها لم تفتح باب السيارة وتدخل بل نظرت في عيني لحظات صامتة ثم قالت بصوت رقيق وحازم في آن معا  : -        اختر مكانا لسيارتك واتبعني ، فلسنا بحاجة لها !! كانت بعينيها لغة آمرة ، كمن اعتادت أن تأمر فتطاع ، نظرت إليها بدهشة دون أن أنطق حرفا : -        ألست تبحث عن إحداهن ؟!

---------------------------------------- 

( 2 ) ======                  " حاذر ... !! " ---------------

لم أذهب قط إلى مكان آخر لقضاء ليلتي مع إحداهن غير شقتي ، ورغم تحذيرات أصدقائي من الوقوع في شرك تجربة كهذه ، إلا أنني وجدتني منساقا لها ، قد يكون اختلافها عن مثيلتها سببا ، لعل قصر قامتها ، وامتلاء جسدها قليلا عما اعتادت عيني على رؤيته من بنات تلك المهنة ، عينها الجريئة والخالية من الابتذال في نفس الوقت ، لغتها الواثقة الآمرة .. لم أهتم لحظتها بالسؤال لماذا، فقط انسقت وفقط أدهشتني خبرتها ، حين طلبت منها التوقف أمام ( بازار المشروبات الكحولية ) فابتسمت .. قائلة :

-        عندي ما يكفي في بار شقتي ؟!

لكنها لم تزد كلمة واحدة حتى وصلنا .

---------------------------------------

( 3 ) ========  هناك رجل يحيا هنا " ---------------------  -        تسميها شقة ، وبم أسمي شقتي إذا ؟!  

لم تكن شقة كما نعرف نحن عن الشقق ، أو حتى كما نتخيل مهما بعد بنا التخيل في الثراء ... كان قصرا متخفيا خلف باب الشقة ، به كم من التحف موضوعة بعناية فائقة ، لابد أن كبرى مكاتب الديكور هي التي أشرفت على تجهيز ذلك القصر ، المدعو شقة ..

صعدنا سلم داخلي عريض تتوسطه ممشاة من السجاد الفاخر أدخلتني حجرة ، بل جناح نومها ، بينما غابت قليلا مستأذنة بابتسامة رقيقة ...

غريبة جدا حجرة نومها الواسعة  ، سرير كبير دائري يتوسط الحجرة ، في أركانها وزعت في تناسق كبير قطع من الأثاث لشقة متكاملة ، جدرها مكسوة بستائر محفور عليها نساء ورجال في جو كأنها تحكي قصص من ألف ليلة وليلة ، لها جدارزجاجي بعرض الغرفة كاملا  يطل على النيل مباشرة تكسوه ستائر شفافة كأنها طبقة زجاجية أخرى مرسومة بالجلسة الشهيرة لشهريار يضطجع منصتا لشهرزاده ، على الجانبين تمثالين متشابهين كل منهما لامرأة بدوية تحمل أبريقا نحاسي عليه رسما لشهرزاد أيضا تحكي لشهريارها ، تصب كل منهما من إبريقها ماء فواحا بعطر البنفسج  في إناء نحاسي في دورة لاينتهي فيها الماء من الإبريق ولا يكتفي الإناء بما فيه ، أحدهما يرسم نصف رحلة السندباد ، والأخر يكملها ، كانت الإضاءة تتوزع بدقة متناهية كأنها تعيد صياغة الرسومات ، أحيانا تأتي من داخلها ، وأخرى تسلط عليها من زوايا مختلفة لا تكشفها قدر ما تكاد تسمعك صوت شهرزاد بنبرتها المعهودة تحكي حكاياها ....

كنت أحسبها تعد البار بالخارج لكنها عادت والإبتسامة لا تفارق وجهها .. الإضاءة الهادئة التي  لا أعرف من أي جوانب الحجرة تطل علينا في وقفتنا ، زادتها جاذبية ، وجعلتني قادرا على النظر إليها بدقة أكثر ... كانت جميلة متألقة ، لم تزد على زينتها شيء بل على العكس لاحظت أنها تخففت منها قليلا ، فكيف لم أرى هذا الجمال الرائع بينما كانت في السيارة ، هل كنت مأخوذا بأسلوبها إلى هذا الحد ؟!

-        أعجبتك الحجرة ؟! -        تقصدين الجناح ... رائع !! -        أتسمع موسيقى هادئة ؟! ضغطت زرا في تمثال المرأة من الجهة اليمنى فانسابت موسيقى تشبه مقدمة حلقات شهرزاد المعروفة - رائعة هذه الموسيقى ؟   قل لي ماذا تتوقع مني الآن ؟! 

بدأت في القلق ، بينما الموسيقى تنسحب إلى الصمت قليلا لتعاود الإنسياب هادئة ثم تعلو رويدا ويدا ...

أليس السؤال في حد ذاته غريبا ؟!

حاولت جهدي ألا يبدو على ملامحي القلق .

ماذا يمكن أن أتوقع ؟!

ألا تفهم سبب وجودي هنا ؟!

أليست هي التي عرضت علي المجيء معها ؟!

هل وقعت في خدعة ... ألهذا كان يحذرني الأصدقاء من الذهاب مع إمرأة أيا ما كانت إلى شقتها ؟!

هل حدث مع الأصدقاء ما سيحدث معي الآن ، دون أن يجرؤ أحد منهم على البوح ؟!

على كل فقد خرجوا أحياء ، فما الضير من المضي ؟!

-        كنت أحسبك تحضرين كأسين ؟! -        الثلاجة خلفك ، اختر ما شئت ، واضغط الزرهذا ـ وناولتني لوحة تحكم ( ريموت ) ـ يخرج لك البار يقول لك :    شبيك لبيك ، بارك ما بين اديك ، حتى أعود لك .هل تسمح لي بدقيقتين ؟!

لم ألحظ هذه الثلاجة بينما كنت أنظر الحجرة ، كما لم ألحظ بابا جانبيا بجوارها  ، زاد قلقي حين لاحظته فتحركت تجاهه كان يبعد عن تمثال المرأة حاملة الإبريق قليلا .. فتحته برفق ، لم يكن سوى حمام الحجرة الخاص .. وقد ارتصت فوق رفه الزجاجي عدة أطقم داخلية رجالي ملونة ، كلها من نوع قطني فخم ، وطقم نسائي على الرغم من أنه ليس صارخا إلا أنه فخما أيضا ؛ وروبين حريريين أحدهما أبيض والأخر وردي معلقين على مشجب نحاسي بجوار الباب .

-        هناك رجل يحيا هنا إذا ، فلماذا أنا هنا الآن ؟... وأين هذا الرجل ؟ ثم أليس غريبا أنه لا يبدو عليها الآن ما يدل على أنها من هذا النوع من النساء رغم ما أبدته في الشارع ؟!

أغلقت الباب بهدوء وخرجت فارتطم ظهري بجسد ، لم تستطع ليونته العجيبة أن تخفف من رعبي ، تماسكت حين وجدت يدها تسند مرفقي وتعدلني ، بينما تقول :

-        لم تجب عن سؤالي ، ماذا تتوقع مني ؟!

وكأنها غير مهتمة بالإجابة :

-        حتى الآن لم تجهز لنا كأسين .. -        الحقيقة خشيت أن يكونوا ثلاثة ؟! -        قد نحتاج لأكثر من ذلك بكثير  

قالتها بينما كانت تنظر في عيني بثبات وثقة .

-        والمطلوب منك الصمت التام في حضور الضيوف . -        ضيوف ؟!

وضعت شريحة ذاكرة هاتف في جهاز موضوع على منضدة وقالت:

-         استمع إلى ضيوفنا حتى أعود إليك .

لم تمهلني لحظة لقول شيء ، فقط أشارت بدلال أنها تحتاج للاستعداد لي وخرجت من باب جانبي آخر ، لم أره بالحجرة من قبل ، فيما يبدو أنه زاوية الزينة ، فالحجرة تخلو من أدواتها .

------------------------------------------  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • wilden | 2012-07-17

    رائعة,,,,,,,,شدتني القصة من أول كلمة، اهنئك يا أستاذ وانا في انتظار التتمة

    ولدان بكل احترام

    • أحمد الخالد | 2012-07-17
      الآستاذة صاحبة الحرف الراقي ، مروركم يشرفني ... تتمة القصة نشرت هنا أيضا متتابعة ... يمكن الوصول إليها بتتابعها أسفل كل حلقة منها ... في انتظار تشريفي برأيكم في باقي الحلقات 
  • عزف على وتر المستحيل | 2012-07-15
    سيدى الكاتب تطل علينا اليوم بقصة جديدة والتى اعتقد انها مفاجأة جديدة  او ابداع جديد 
    سيدى قرأت لك طوفان السمع والطاعة (القبح والجمال) وطوفان النمل والنسوة  والجميلة اذن خروج واخير الرائعة بكل المقاييس جمهورية حسان الدواخلى والتى تأكدت منها انك للأسف لديك سوء حظ شديد هو ما يمنع كاتب مثلك من ان تكون وسط كوكبة من الادباء المشهورين فى مصر ولكن الصبر مفتاح الفرج وقريبا ستكتشف مصر انها فى غفلة عن كاتب متميز لديه اسلوب رائع وقدرات عالية المستوى وصاحب قلم رفيع وفنان عظيم 
    سيدى لك  كل الحب والتقدير مع تمنيانى لك بدوام النجاح والتوفيق

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق