]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زنزانة أحلام العسكري ... قصة في حلقات ( 3 )

بواسطة: أحمد الخالد  |  بتاريخ: 2012-07-14 ، الوقت: 16:12:20
  • تقييم المقالة:

 

( 6 ) ======

                                                            ( black eagerness)

-----------------------

نوع لم أسمع به من قبل وكنت أحسبني بارعا في معرفة أنواع الخمور .. كأسا واحدا ، أعدته بنفسها وناولتني إياه بينما تمس أناملي مسا كأنها الجنية التي تعلو الستارة المواجهة لنا دخانا ... كان كافيا لأنسحب داخلا زنزانة سعيد الجندي ... أقف بجواره رجلا من رجال عنبره ، أراه مفتول العضلات ، ضخم الجثة ، هائل البنيان أنظره يسحب منصور من رقبته بينما رجال العنبر يصفقون ويغنون أغان شعبية ، في حين يخلع أحدهم بنطاله ويلفه حول وسط منصور الذي يقف في ساحة العنبر ليرقص لهم .. كلما هدأ رقصه صرخ سعيد فيه أن يستمر :

-        ارقصي يا بيضة ، ضيعت علينا الليلة بخيبتك -        يا حلوة يا بلحة يا مقمعة .. قرفت اخواتك لاربعة ..

ظلت أكف المساجين تصفق بينما يد سعيد تضرب مؤخرة منصور ضربات متتالية :

-        ارقصي يا بيضة ، ارقصي .

وفيما يبدو أن سعيد قد بدرت منه اشارة يفهمها الجميع فقد بدأ الجمع في الغناء :

- طالعة السلالم يا ماشالله عليها ... ست العرايس والعريس في اديها  .. طالعة السلالم ....

بينما تختفي خطوات منصور خلف ستائر سرير المنصة كما يطلقون عليه في انتظار قدوم سعيد الجندي، الذي كان يرتقي درجات السلم بتؤدة وتأن ، كانت الهمهمات تتصاعد من الجموع متجاوبة مع المشهد المتخيل داخل خيمة سرير المنصة الأعلى لسعيد الجندي ، بدأت بعض الأسرة في الفراغ  تماما من أصحابها ممن حلوا ضيوفا على أسرة أخرى ، شدت الستائر حولها ، في حين اكتفى البعض بالاستلقاء مغمضي العيون .

لم أكن أدري ، هل أتخيلهم أم أنني معهم بالفعل داخل العنبر ، أحيانا كنت أشعر أن عيني ملتصقة بكوة في باب العنبر الحديدي تتابع عن كثب ما يدور،

كأسا آخرا فاجأني بأنني لم أكن أتخيل قدر ما كنت أستمع لها وهي تحكي وخيل لي أنها كانت تضع شريحة ذاكرة جديدة تجسد لنا العنبر كاملا بعين كتسجيل فيديو ..

في حين أكدت ساعة الحائط المواجهة لها أن الوقت يمر كسلحفاة وأن عقاربها لم تتحرك قيد أنملة

---------------------------------------------- 

( 7 )   ======  " صندوق المقتنيات المهمل " --------------------------- -        ولماذا أنا هنا ؟!

أهملت الإجابة كعادتها وناولتني كأسا جديدا ، وأضافت كأنها تكمل حديثا موصولا :

-        يظن أنه يسليني بهذه السخافات ، كنت أعتقد أنه يسجل لحظات حياته بالسجن ، ويعطيني الشرائح تباعا لأحتفظ له بها ، وكلما سألني عن رأيي فيها أرد بكلمات مبهمة ، حيث أنني لم أفكر لحظة في سماع ما بها ، أو مشاهدة اللقطات المسجلة ، فقط كنت أعطيه مجموعة من الشرائح جديدة ، وأستلم منه ما تم تسجيله كلما زرته ؛ كنت مندهشة كيف له أن يسجل لحظات سجنه ولمن ؟! حتى جاءتني منه مكالمة من رقم غريب ، حدثني كعادته ، وسألني عن كل شيء ، حتى رأيي في مذكراته الصوتية والمصورة ، وكالعادة رددت بكلماتي المبهمة ... هو لا يحدثني أكثر من مرة لكنه كرر المكالمة من نفس الرقم في نفس الليلة ... الغريب أنه لم يكن هو .. كدت أنهي المكالمة لولا أن المتكلم كان يبكي ، فلم أستطع الإغلاق .. فهمت أنه اتصل عن طريق الخطأ حيث ناداني باسم فريدة . وكان يستحلفها بأن تتجاوب معه ولو تمثيلا ... لم أكن أفهم أن سوء عاقبته هو ما يبكيه ، لكنني لم أستطع أمام بكائه وتوسلاته أن أبين له الحقيقة .... وياليتني فعلت ! -        كان منصور المتحدث ؟! -        بالفعل كان منصور ... وليلتها اكتشفت بعضا مما يدور بالعنبر .. كان أمرا صعبا للغاية أن أتجاوب مع رغبته في التواصل معي تخيلا  .. لم أستطع إلا أن أسمعه  ـ  كما اكتشفت فيما بعد ـ  بنفس طريقة فريدة في سماعه ، يزيدني الارتباك اهتزازا ، لكن الدهشة كانت تفلت مني بعض الضحكات التي فهمت منها أنها كانت سببا لإنقاذه تلك الليلة . قضيت باقي ليلتي تلك استمع إلى المكالمات المسجلة وأشاهد من المقاطع المصورة من شرائح الذاكرة المهملة عندي في صندوق مقتنياته لأفهم ما صعب علي فهمه وتصديقه من مكالمة منصور، كأنني أشاهد وأستمع إلى حلقات من مسلسل قذر لم يمسه مقص لرقيب ... 

« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق