]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ياعزيزى كلهم لصوص

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-07-13 ، الوقت: 18:49:59
  • تقييم المقالة:

السرقة لدى هُواتِها من البسطاء هى على النحو الذى حدَّدها القانون فى تعريفه لها بأنها الإستيلاء على مال منقول مملوك للغير  .. لكنها لدى  المهرة منهم والأذكياء فإنما تتعدى هذا المفهوم الى أبعد منه  فيصير لها فلسفة ومنطق وآليَّاتٍ شرعية وقانونية  سواء كانوا قد أسَّسوا لها بالقانون أو يؤسسون الآن لها بفرض الأمر الواقع  ..

فمثلاً يتباين مفهوم السرقة لدى لص الإتوبيس 47 بشرطة  عن لصوص المال العام  كما ويختلف لدى الأخيرين أنفسهم حسب موقع اللص وأهميَّة منصبه وحجم المال المُستأمن عليه ومن منطلق أن المرء يؤتى من مأمنه ..

وتتداخل تعريفات السرقة لدى أفراد هذه الطائفة الأخيرة مع توصيف جريمة النصب والتى يستغل فيها الجانى هوى المجنى عليه أو بأدواتٍ من شأنها الإحتيال عليه بإيهامه بمقدرة جلب منفعة اليه أو دفع ضرر مُحدق عنه  على النحو الذى أورده فيلم العتبة الخضراء للقديرين إسماعيل يس  وأحمد مظهر .. ومن ثم باتت جريمة سرقة المال العام لديهم هى الأقرب وصفاً لجريمة النصب منها لجريمة السرقة إذ الجانى فيها يُحيط نفسه بهالة يستغلها فى إيهام من حوله بأنه الأشرف والأءمن والأعبد لله ممن سبقوه من القادة والرؤساء .. فيبدأ عهده فى قيادته  بالإتشاح  بعوامل مُساعدة وياحبذا لو كان من بينها إستنهاض قُوى محاربة الفساد ولايمنع مثلاً قيامه بالقذففى زمم مرؤوسيه وشرفهم  كما وليس مهماً الهدف السامى للجهة الادارية والتى أقيمت من أجله إنما الأهميَّة أن يظهر وبكل تلك الاجراءات أنه أحد أبناء الثورة العظام المبتغين التطهير والقصاص ومحاربة الفساد فيضمن لنفسه البقاء أطول فترة فى قيادته كما ويضمن التربع على عرش المال العام والاستحواذ على مفاتيح خزائنه ..

هذه الصورة هى صورة اللصوص الحداثى كما وقصيدة الشعر الحداثيَّة والقصة القصيرة الحداثية كذلك .. فيظل الرجل يتكلم فى الشرف والمبادىء والقيم  وخططه لأجل الحفاظ على المال العام وضمان وصوله لمستحقيه وأهدافه بينما فواقع أفعاله يُكذِّبه ويُثبت خداعه لمن حوله .. ولن يحول دون انتباه الشرفاء لخداعه هذا سجَّادة الصلاة التى يحملها فى يده ليصلى ركعات الظهر الأربع فى وحدته التى يرأسها أو شركته التى يقودها ليدعو الله أن يطيل بقاءه وأن يمن على من حوله بنعمة الغباء والإنقياد والخنوع ..

هنا يظن أن الرب قد إستجاب لدعاءه  حين يرى  العشرات من المنافقين حوله يُصفِّقون لبذاءاته ليصفونها أنها حكم قد تتوازى وماقاله بوذا وزرادشت ذاتيهما .. ناسياً أن من بينهم من إستطاع بذكائه هو الآخر أن يخترق ذكاء سيادة القائد الهُمام والرئيس المُطهَّر .. وقد نجح فى اقناعه ببراءة ساحته من اتهامات الفساد السابقة التى ربما لم تنتهى من البت فيها جهات التحقيق بعد .. وهنا ينجح الرجل أن يجلس لجوار الأول مُردِّداً مايقوله ومطيعاً لما يقرِّره وقد ضمن لنفسه وبإختيار الأول له بأن يكون نائبه أنه سيكون القائد القادم الطاهر المُطهَّر والرئيس النزيه ليتربع من جديد ومن بعد رحيل الأول او فراغ منصبه على خزائن المال العام ويستحوذ على مفاتيحها من بعده .. لتنتصر الثورات فى ظاهرها بينما فتموت أطماح الثائرين الحقيقيين والذين قدَّموا للوطن دماءهم فداءاً لامُتجارةً بينما فوكلاء الثورات وقد نصَّبوا من أنفسهم ممثلين لهم وقد تاجروا بكل هذه الدماء وكل هذه الآلام .. ولكن هل لازال الوطن لم ينتبه إليهم بعد ؟! وهل لازال الشرفاء ضعفاء أمام كل هؤلاء من اللصوص الحداثيين فلايقدرون بعد على إشعال ثورة ولو إداريَّةٍ عليهم من جديد ؟!

للأسف قراءة الواقع لا تُقرر هذا .. فأعلم أنه من بين الوحدات الإداريَّة ما تم فيها سرقة العاملين بها وبلا خجلٍ أو حياء بتوزيع  استحقاقات المئات منهم على من لايزيدون على أصابع الكف الواحدة وبمباركة رجال المرحلة  وإقرارهم لما فعلوا بل وتشجيعهم على ماقاموا به ..

 أليس هذا لوناً من ألوان الاستيلاء على المال العام ياحُماة الميادين والثورات ؟!  وأليس قيام هؤلاء الرجال بإخراس الألسنة بإرهابها تارةً وبإسترضائها تارةً أخرى هو من قبيل الفساد الذي قد أتوا مُدَّعين بمحاربته ومُلاحقة الفاسدين لأجله ..

أرى الأمر ياسادة  أقرب إلى تمثيلية عبثية لاتخفى على الأذكياء من أبناء الوطن .. ويالعجب القدر وقد وجدنا لصوص الحاضر وقد جلسوا واستكانوا مطمئنين  محل لصوص الماضى القريب  بينما النُخب من المثقفين والعامة فمشغولين بمشاهد الوطن دستورية كانت أو سياسية  وفى المشهد المقابل لايتوقف أنين الوطن ولاتسرُّب قنوات المال العام .. كما لم يتوقف أكل البعض حقوق الغالبية بذكاءٍ ودهاءٍ تارة وبإستجهالهم  تارة أخرى ..

كل شىء ياسادة كان فى الماضى لايزال بل وسيبقى ولن يتغيَّر مادامت مسالكنا واحدة ..

ومادام البعض من الثوار وشركاء الميدان قد قبلوا صكوك الإسترضاء وهبات خرس الألسنة  وخيانة الشهداء من رفاقهم ودمائهم .. ومادمنا نقدم على أهل الخبرة أهل الثقة لدينا  ومن ثم فلن تتغير السياسات ولن يتوقف صنبور إهدار المال العام أو سرقته وتوزيعه على المخلصين من غير الشرفاء..

الوجوهُ هى الوجوه والماسكات عليها هى فقط التى تختلف وحسب براعة كل منهم فى استخدام أدوات الميك آب أو فن التجميل وتوظيفها  وكذا لسانه وبلاغته ومقدرته على النفاق ..

لم يمُت على بابا ياسادة  ولن يمت .. كما والأربعين لصاً ومااحتوتهم من أربعين وعاءاً فخارياً لن يتغيَّروا كذلك.. فقط الذى تغيَّر هو الشكل العام للمغارة وصورة المال والكنوز والتى جعلت من على بابا وبدلاً من كلماته (ذهب ياقوت ألماظ ) قد أصبح يقول (بنكنوت عقارات فيللات أراضى )..

اذاً المتغير الوحيد فى المشهد هو صورة المال المنهوب وكذا كلمة سر فتح المغارة - إفتح ياسمسم - والتى استبدلوها بشعار (الثورة والميدان ) .. بينما فاللصوص الأربعين يحاولون الآن ومن بعد الثورة وبصورهم الحداثيَّة  أن يستخدموا من الأدوات ما تغايرت مع الأوانى الفخارية لتصبح وسائلاً جديدة تحفظ لكل منهم صورته وسط مشهد النُخَب العام  ليصيروا اللآن وكما بدأنا نلمسهم أسياداً وصفوَّة  وقد راح بعض ضعاف النفوس من المسروقين ذاتهم  لتقديم فرائض الولاء والطاعة  ليُدبِّجون  القصائد فيهم مدحاً وتقريظاً ليتقربون بها إليهم لينالون بها تصعيداً فى مراكزهم وإحتلالاً للعديد من أماكن الشرفاء المستحقين لها من قبل .. وكلما كان تنفيذ سياسات أسيادهم دقيقاً كلما إرتقوا أكثر فأكثر  لتصير بلادنا ومن بعد ثوراتها على الفاسدين هى الأعظم فساداً عن ذى قبل والأكثر خيانةً لعهود الثورة مع الشهداء..

الغريبُ أننى لم أنتبه لجليسى الناظر ورقتى وقلمى وأنا أكتب مقالى هذا وقد فاجأنى بقوله : ياعزيزى كلهم لصوص !!!

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق