]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الطبق الطائر// قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2012-07-13 ، الوقت: 13:29:55
  • تقييم المقالة:

انها صبيحة اليوم الاول من ايام الاسبوع..خرج من البيت  وهو ممتلئ بالنشاط والحيوية  بعد يومين من الراحة.. كان يشعر بالنشاط الا انه لم يكن مبتهجا" حيث انه ذاهب لمزاولة عمله الرتيب في المصنع..هناك يشعر وكأنه انسان الي يؤدي نفس الاعمال وهو محاط بنفس المكائن ونفس الوجوه ويتلقى نفس الاوامر  ويصدر بدوره نفس الاوامر مثل كل يوم منذ سنتين.

   الوقوف في نفس موقف الحافلات  شئ لابد منه كما في كل يوم..وقف هناك وهو يشعر بانه خفاش بلا جناحين .. خفاش ترتد اليه ذبذباته لتنبئه بنفس الاشياء كما في كل يوم.. مضت دقيقتان او اكثر وهو واقف منتظرا" الحافلة.. كان مسترسلا" قي استقبال نفس الذبذبات.. ولكن..فجأة"..ارتدت اليه ذبذباته لتنبئه هذه المرة بشئ مختلف.. ارتدت اليه الذبذبات وطرقت راداره الذي يكاد ان يغطيه الصدأ برقة.. برقة تكاد ان تجهز على الرادار المسكين.. نظر بشغف الى الجسم الغريب المقبل نحوه .. انها حسناء ميساء شديدة الجمال .. لقد كانت اسطورية الجمال .. وكأنها  طبق طائر جاء من كوكب ماسي وحط على قلبه فجأة" دون سابق انذار.

   وقفت الحسناء الى جواره لتنتظر الحافلة هي ايضا".. بينه وبينها متر واحد لا اكثر.. اختلس اليها نظرة.. ثم ثانية.. شعرت  هي بنظرته الثالثة فرمقته  بطرف عينها..ارتدت عيناه خجلا" ال انه لم يتمالك نفسه فأختلس نحوها نظرة رابعة.. ثم خامسة.. ثم سادسة فرأى على شفتيها بداية ابتسامة.. وفي النظرة السابعة اصبحت ابتسامتها اكثر وضوحا".. وفي النظرة الثامنة ولت عنه مسرعة!..ظن بأنها تهرب خجلا" من نظراته.. ولكنه سرعان ما اكتشف بأنها تتجه نحو الحافلة التي توقفت على مسافة بضع خطوات منهما فأسرع هو ايضا" نحو الحافلة.. صعد الاثنان .. جلست هي على مقعد بجوار رجل كبير في السن.. اما هو فلم يجد له مكانا" للجلوس فظل واقفا" في الحافلة التي انطلقت بهما.

   جاء الان دور النظرة التاسعة.. لم تكن مهمة..ولكن نظرته العاشرة اضافت الى قلبه بعض الامل حيث اصطدمت بنظرتها الحائرة.. احنى رأسه خجلا" واكتشف بتلك الانحناءة بأن حذائه  متسخ!..استجمع قواه ونظر نظرة اخرى.. الى الحسناء طبعا" وليس الى الحذاء..فوجدها تغطي وجهها لتخفي ضحكتها.. واستمرت هذه الضحكة اكثر من اخواتها العشر السابقات.

   وصلت الحافلة الى نهاية الخط وحصيلته.. او حصيلتها هي.. ست عشرة نظرة من نظراته الضامئة..ترجلا من الحافلة..كانت هي تسير مسرعة  فاضاع اثرها في الزحام..والحق انه ماكان ليضيع اثرها لو كان اكثر اصرارا" .. الا انه لم يكن يريد ان يتعقب الاطباق الطائرة فموعد حرب الكواكب لم يحن بعد.. فهو ليس مستعدا" ان يخوض غمارها الان.. ليس خلال هذا القرن على الاقل!.. وفجأة خطرت بباله فكرة جريئة.. فليعد الى البيت وينام!..ياللجرأة..طبعا" فهو عاشق.. اي انه سيصبح من الان عاشقا"جريئا" متمردا" فوضويا".. فليتغيب عن المصنع لاول مرة منذ سنتين وليعد الى البيت وينام.. وعندما يستيقظ من النوم عند الظهيرة او العصر المغيب..حسب الظروف..فأنه سيمكنه ان يحتفل بهذا اليوم التاريخي من ايام حياته.. لقد وجد اخيرا" ما يشغل به خياله لسنة على الاقل..انها فرصة ثمينة للاحلام بانواعها.. احلام النوم واحلام اليقضة.. وهكذا فسوف تتبدد غيوم الرتابة والروتين..فهو الان عاشق.. مع انه ليس مستعدا" لخوض غمار حرب الكواكب الان.. ليس خلال هذا القرن على الاقل.

فتح عينيه عند العصر بعد نومته الهانئة.. كان مستلقيا" على ظهره بكسل.. رفع ذراعيه عاليا".. شابك بين اصابع يديه وطرقعها.. ثم باعد بين ذراعيه بحركة وكأنها اشارة استغاثة يلوح بها للطبق الطائر الذي يحلق فوقه..وصل ذراعاه الى مستوى جسده.. واخيرا" صار الخفاش بجناحين!.

   هب من فراشه واغتسل وتهيأ وارتدى ملابسه على عجل.. فصديقه الوحيد تقريبا" كان ينتظره في سيارته بالخارج.. ركب معه السيارة الصغيرة وانطلقا بها..اخذ يحدث صديقه عن حبه الجديد.. فقال له صديقه:

- هل هي اجمل ام حبيبتك السابقة؟..ماذا قلت لي كان اسمها؟.. تلك المتوحشة التي سقطت الى الواقع من احد افلام الرسوم المتحركة.......

-كفاك سخفا".. انت تستهزئ دائما" بمشاعري..اي صديق انت؟!

-عفوا"..لابأس.. حدثني عن حبيبتك الجديدة .. اخبرني القصة بالتفاصيل.

- لاتوجد تفاصيل.. لقد رأيتها في الحافلة واحببتها من النظرة الاولى.

-انت دائما" تقع في الحب من النظرة الاولى.

- يالك من تافه.. لن اكمل لك القصة

-لن تكمل لي القصة؟.. واين هي القصة اساسا"؟..دعك من كل هذا.. ساخذك الى المسرح.. هناك تعرض مسرحية ممتازة .. انها مضحكة جدا" ومسلية.

   وصلا الى المسرح..كان المسرح كبيرا" وانيقا" ونظيفا" رغم قذارته وعفونته!.. كانت المهزلة التي تعرض مثيرة لضحك الجميع بمن فيهم صاحبنا عاشق الطبق الطائر.. واعجبه كثيرا" اداء ممثلة ترتدي ثوبا" قصيرا" وتؤدي في المسرحية حركات بمنتهى الابتذال.. اثار اهتمام  عاشق الطبق الطائر بالمسرحية وبهذه الممثلة دهشة صديقه.. اذ انها ليست من طبائعه او ذوقه الذي يعرفه.. انه تغير كبير.. وبسبب هذا التغير تشجع الصديق ودعى عاشق الطبق الطائر ليشاركه في شرب زجاجة خمر في السيارة بعد خروجهما من المسرح.. شرب العاشق الخمر مع انه كان قد تركه منذ سنين.. الا انه اصبح عاشقا" ولابأس ان يحتفل بهذه المناسبة.. وشرب صديقه ايضا".. وبعد ان قضيا على الزجاجة ادار الصديق محرك السيارة وانطلقت بهما.. ولم تمض ربع ساعة الا وهما في المستشفى بسبب حادث تعرضا اليه!..كانت اصابة العاشق طفيفة جدا".. مجرد خدوش بسيطة.. اما صديقه فلقد كسرت يده.

   مكث العاشق وصديقه في المستشفى تلك الليلة.. اتصل هاتفيا" بامه وكذلك باهل صديقه واخبرهما بانه هو وصديقه سيبيتان في بيت صديق ثالث لهما..لم يشأ ان يخبرهما الحقيقة كي لايقلقهما في تلك الليلة المباركة..بقي العاشق ساهرا" طوال الليل ولم ينم.. اما صديقه كسير اليد فلقد كان نائما" باطمئنان متوسدا" وسادة بيضاء ذات بقع صفراء..وكأنه غيمة بال عليها كلب من كلاب الفضاء الخارجي.

  - وانقضت الليلة المباركة من دون ان يهجع عاشق الطبق الطائر.. وجاء النهار المبارك الثاني.. اتصل باهل صديقهم واخبرهم بالحقيقة هذه المرة.. ثم ودع صديقه وقفل راجعا" الى البيت متغيبا" عن المصنع لليوم الثاني..وغط في نوم عميق.

   وبينما هو نائم..كان يحلم بحبيبته..الطبق الطائر..كانت تشكره على حبه الصادق لها.. الا ان مسخا"قبيحا" ظهر له فجأة ليحيل الحلم الى كابوس.. كان المسخ يرتدي نفس الثوب القصير الذي كانت ترتديه ممثلة مسرحية الامس الماجنة..صفعه المسخ ثم قال له :

-انت..الاتخجل من نفسك؟.. عامان انقضيا وانت لاتدعني انعم بشئ من الراحة.

سأله بخوف ودهشة:

- ومن تكون انت؟ انا لا اعرفك ولم ارك من قبل.

- انت محق بهذا .. فهذا ليس بوجهي الحقيقي..سأكشف لك عنه

- كلا ارجوك.. فلابد وأن وجهك الحقيقي اكثر قبحا" من القناع الذي ترتديه

كيف عرفت هذا؟

- الامر بديهي.. فالشخص الذي يحاول ان يغير من شكله فانما يفعل ذلك ليخفي بشاعته

- اهنئك  على ذكائك.. الا انني مصر على ان اكشف لك عن وجهي الحقيقي كي يصبح تعارفنا كاملا"

   وكشف المسخ عن وجهه الحقيقي فكانت المفاجأة.. لقد كان وجهه اكثر وسامة من القناع بكثير.. الا ان صاحبنا قد صعق حين رأى الوجه.. حيث انه لم يكن الا وجهه هو!.. فسأل المسخ على الفور:

- عجيب! انت تشبهني تماما"

- نعم.. انا اشبهك تماما"..اشبهني تماما"

- تعني بانك انا؟!

- نعم انا انت

- انت انا؟!

- حسنا" ليس بالضبط.. ولكن نستطيع القول بانني اهم ماتملك.. صحتك وغريزتك

- صحتي وغريزتي!.. تعني بانني اسأت اليهما في العامين الماضيين؟

_ هذا صحيح.. لقد كنت تعمل في المصنع وكأنه ميراث جدك

- اشكرك على هذا التوضيح

- ااعجبك التوضيح؟.. هاك توضيحا" اخرا" اكثر اهمية.. انت لاتستحق مني الا ان اركلك على مؤخرتك ياايها الجبان..مالذي كنت تخشاه..مديرك؟...ام ضميرك؟..ام كلاهما؟.. هذه اشياء لا اهمية لها.. المهم انا.. يجب ان ترضيني انا بكل ماتملك بل وببعض مالاتملك ايضا".. فأنا الذي امنحك السعادة

   انتهى الحلم.. او الكابوس عندما استيقض عند العصر.. كالامس تماما".

جاء اليوم الثالث..اصيب بخيبة امل كبيرة لان حبيبته.. الطبق الطائر لم تأت الى موقف الحافلات.. انتظرها لاكثر من نصف ساعة مماجعله يتأخر عن المصنع.

   مرا اسبوعان وهو عاشق للطبق الطائر.. تغير خلالها كثيرا".. اصبح يعاقر الخمر واصبح  كسولا"ومهملا" في عمله بعد ان كان مهندسا" مثابرا"..لقد غيره الحب تماما".. وكل هذا ساعدت عليه تعليمات الشيطان الذي زاره في الحلم..او الكابوس.

   واخيرا".. رأى حبيبته .. ياللسعادة..لقد شعر بانه كان يحتضر فاحيته هي من جديد.. فلتغرد كل طيور الحب .. فليترنم كل العالم بترانيم الحب والسرور.. فلتتفتح الازهار.. لقد رأى حبيبته الطاهرة..اميرة قلبه وربيع حياته. رأها ..ولكن  ليس في موقف الحافلات صباحا" بل في المساء.. اثناء جولة من جولات تسكعه الليلية وهو متوجه لشراء زجاجة خمر لتصبح نديما" له ولقلبه المريض ليلا".

   راها واقفة على الرصيف عبر الشارع..ابتسمت حالما راته.. انها تتذكره اذن.. يبدوا بانها مولعة به.. ومع انه لم يكن مستعدا" لخوض غمار حرب الكواكب.. الا انه وجد نفسه مضطرا" لخوضها الان امتثالا" لاوامر شيطانه وامتثالا" لالبتسامتها المشجعة.. لقد جاءه الطبق الطائر على طبق من فضة!.

   اسرع نحوها هاما" بعبور الشارع.. كان مشدوها".. جذبته بسحرها وبأبتسامتها.. وما ان صار في وسط الشارع حتى طار.. حلق .. الخفاش ليس لديه جناحان فحسب .. بل لنه امسى يطير ايضا"

   وفي اليوم التالي.. وجد نفسه في وحدة العناية المركزة في احدى المستشفيات..فلقد صدمته سيارة بينما كان يتجه نحو الطبق الطائر..حالته خطرة..ولكن ليس بقدر الخطر الذي نجا منه والذي مازال يجهله..فحبيبته الجميلة قد ركبت في سيارة فارهة بعد دقيقة واحدة فقط من الحادث..وبينما كان هو يصارع الموت في الليلة الماضية كانت هي تسبح كطبق طائر.. او كطبق شهي.. في سرير رجل غريب تتعرف الى واحد من امثاله في كل ليلة تقريبا".

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق