]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المحسوبيه اليد الخفيه القاتله

بواسطة: د. وداد عاشوراكس  |  بتاريخ: 2012-07-09 ، الوقت: 01:35:39
  • تقييم المقالة:
المحسوبيه اليد الخفيه القاتله

            ماذا نقصدبهذه الكلمه ذات الاحرف التسع؟ لماذا عندما تُذكر في اي حديث رسمي او عابر تجد البعض يهزكتفيه مبتسما وكأنه سمع نكته سخيفه ثم يمضي الي شأنه،والبعض الاخر يتأسف علي انها موجوده في أغلب معاملاتنا اليوميه، ولكنه يضع كفيه الاتنين قائلا "الله غالب" ويمضي في طريقه. والبعض الاخر منا لا شك يريد إصلاحا فوريا وعمليا بعيدا عن الاماني والاحلام  التي لا تجدي بشئ  ملموس وفوري.

تلعب المحسوبيه دورا كبيرا وخطيرا ، في كل مجالات حياتنا. فهي "كالسوس "الذي ينخر كل شئ  يأتي في طريقه . فاستخدام  المحسوبيه في معادلاتنا اليوميه وكأنها هي  من سبل الحياه الضرورية لبدايه أي عمل  ما او انهائه. أنه  شئ مؤسف ، ولابد من  ان نُحارب هذه "الجرثومة"  بكل ما لدينا من قوة، كل في مجاله.  لأن المحسوبيه  اصبحت كأنها  "قانون" مسلم به ، ويتداوله معظم الاشخاص  في اعمالهم ،وكأنها مفتاح الرزق اليومي لهم.  ولو إن كلمة " رزق"  لا تنناسب مع  المقام هنا لان مكنونها الاساسي، والاصلي تعني  الخير والعز لصاحبها  بسبب عرق جبينه، وشقاء يومه،وحاله . اما العمل ، او المال من وراء المحسوبيه  فإنه فاسد، ولا يثمر ، ولا ينفع حتي مستخدميه، لانه "زائف، وغير مشروع "  وعديم البركة لا شك. 

المحسوبيهمنتشره في العالم  بعدة طرق ملتويه واحيانا صريحه تذهل العقل السليم.  انها كالسرطان تتشعب وتسري  ببشاعه في كل قطاعات العمل الوظيفي الحكومي، والخاص علي السواء. انها آفه تهجم علي العمل، وتعطل مساره حتي قبل معرفة جدارته ،اومدي منفعته لصالح البلد. فاغلب انواع المحسوبيه المنتشره في العالم  تنحسر اغلبها تقريبا في ثلات اشكال: المحاباة ،والصداقه، والعائلة والاقربون  ، وسنتطرق اليهم كل علي حده.   

تُعرفالبلدان العربيه ، والاىسلاميه بانها اكثر من  البلدان الغربيه والعالم  الاخر في مسألة  تفشي المحسوبيه فيها، لانها غير منضبطة بقوانين  معينه ومحدده، و التي من فوائدها كبت جماح المحسوبيه ورد المظالم  كذلك الي اهلها. ولكن كل دول العالم له ميزانه الخاص، والمراقب ،والمسؤول،  وميزاننا لاشك يقع ساكتا بينهم.  فلعالم الأخر انشأ قوانين من شأنها إطفاء لهيب المحسوبية حتي لا تنتشر، وتتغلغل كالداء المزمن المميت.  وهذا لا يعني بأن الغرب معصوم منها، لا بلعكس. فلمحسوبيه موجودة ولكنها مراقبة، والكل يحاسب عليها عندما تثبت إدانته.  

فكما تري يا عزيزي القارئ،فالمحسوبيهسريعة الانتشار ،كالسم في العسل، في كل اعمالنا الاداريه، والعمليه ، واليوميه ، ظنا بأنها اسرع الطرق الي تسيير الاشغال، حتي اصبحت من ضمن العادات السيئه التي تعم بلداننا العربيه علي وجه الخصوص. فالعالم الاخر أًسرع وحاول كسر جماحها قبل ان تهلك كل بنيانه ومؤسساته . فهو تحكمه القوانين الرادعه والمتبعة في كل الاعمال الحكوميه والخاصة ايضا، ليزيد انتاجه و عمرانه. فوجود قوانين العمل  في كل ادارة من الخدمات الوظيفيه تجعل لها السيادة القانونيه، والتي تُرجع الحق لكل طالب لحقوقه الضائعة و المشروعه.

1-المحسوبيهتتشكل ، وتظهر بعدة وجوه ملفقه ، وراء اقنعة متخفيه،ناشرة مخالب الشر، بحذاقه الذئب المندس في كل مأوي يجده . واخترت الأقنعة الثلاثة المذكورون  سابقا لمناقشتهم. اولي هذه الاقنعة المتسترة هي محسوبيه المحاباة.  فصور المحاباة تتمكن في تفضيل شخص علي شخص آخر،  إما بسبب العمر، او الدين، او الجنس ، او  العرق، او في سلوك معين ، او ما شابه ذلك . ونري  محسوبية المحاباة  ايضا في اختيار مناقصة  شركه  معينه عن شركة اخري ، لمنفعة شخصيه، و هكذا تدارالمناقصات، والسمسرة بطرق ملتوية،وانتهازيه، وحافزها الاكبر هوالمال، والرشوة ،والابتزاز، وليس الانتاج .

 نجدمثل هذه النوعيه من المحسوبيه  في كل العالم،  المتقدم ايضا كما نوهنا سابقا،  فعلي سبيل المثال نذكر هنا قضيه  في صورة المحاباة ، والتي حصلت  في الولايات المتحدة الامريكيه في  مشكلة " جوجل ومياكرو صفت" عندما اختارت الحكومه مناقصه "مايكرو صفت" عن قرينتها "جوجل" والتي  هي بالتالي أخدت قضيتها للمحاكم في نوفمبر 2010 علي انها قضيه محسوبيه محاباة ليس إلا . فهناك امثلة لا تحصي في هذه النوعيه المدمره، ولكن  ندع لقرائنا الكرام الفرصة لسردها كيف ما ارادوا.

ولكندعني قبل مغادرة ،هذا النوع من المحسوبيه، ان أطرح هنا مثالا أخرا وشائعا للتوضيح وليس للتخصيص ولا الحصر، فعندما يكون هناك مثلا  إعلان عن وظيفه مدير لقسم ما في مؤسسه ما، و يذهب اثنان من الاشخاص  لطلب  نفس الوظيفه المعلن عنها ،ولكن لايتمتعان بنفس الكفاءه المطلوبه للعمل في المؤسسه الحكوميه علي سبيل الايضاح، فواحد له من العلم ، والتعليم العالي ،والخبره اللازمه التي تؤهله للعمل  في الوظيفة المعلن عنها، وله من "الكرزمة " اي القبول، والصفات المطلوبه لقيادة العمل بجداره ومن السلوك المهني المرغوب والنادر ايضا. والأخر له من الزاد العلمي الا القليل، وليس له من  صفات القياده من شئ، واسلوبه في المقابلة  ضعيف، وغير مثقف، فالمشكلة هنا أن احداهما فُضل وأُختير للعمل وهو غير كفء، و باسباب غير معلنه،  او واضحه ،ولكن رياح المحاباة اعلنت اثقالها بطريقه سريعه ووصَلت  نتيجة المقابله للشخص الذي لم  يُقبل اولم يفوز بالوظيفه نفسها،  او حتي بغيرها بتاتا .

 فهذهالمعامله الغير مهنيه ، و هذا  النوع من السياسه الاداريه، التي هي  سيئة بأساليبها، وغير موضوعيه  في قراراتها، والبعيدة عن اساليب الادارة النافعة المنتجه، ستجلب من ورائها عدة مشاكل  إقتصاديه ،وعمليه ،ونفسيه للمؤسسه نفسها حينما تتفشي فيها المحسوبيه كنظام قائم . وكذلك تؤتربشكل مباشر  في الشخص الذي كان يتمني، ويريد، او يحتاج للوظيفه . لان قناعته بانه قادر، وصالح لمواصفات الوظيفه، ولانه يحمل كل الصفات اللائقه واللازمه لقيادة المؤسسه  الي البناء الصالح لها وللبلاد ايضا. وثم يستبدل بما هو" اضعف" علما منه،  و اقل خبرة، وثقافة، وليس عنده فنون لباقه الكلام،بل سؤ السلوك هي شهرته ، وسمعتة "من يكون واين كان " هي في عالم الغيب، ولا يحضي بركائز الشخصيه القياديه ،والاساسيه للمنصب المرجو، فاليأس  بالطبع سيحل عند الشخص الذي لم يفوز، والخيبة ستحكم قلبه، والكسل سيشل حركته، وبها سيفقد  الثقة التي تتسم بها اخلاقه، وتخسر البلاد من امثاله الكثير .

 ومن اضخم هذه المشاكل التي تسببها  المحسوبيه هي تأتي في صورة البطاله ،التي تكثر  في البلا د بنسب مخيفة من 30% الي ما يفوق 45% في أغلب بلداننا العربيه، والاسلاميه. وذلك  بسبب سؤ الادارة،وتهميش القادرين علي خدمة ، ونصرة البلاد. فهذا النوع من التصرف الغالب في الدوله، والغير إداري، لا يجني من ورائه الا التخلف ، لمؤسسات  البلاد الكبيرة ،والصغيرة منهاٍ، وكذلك عدم  سرعة الرقي، اوكثرة الانتاج  كما هو مرجوا منها. ولا ننسي إنتشارالرشوة، و السرقه، وبالتالي يكثر الاجرام ، بسبب البطاله. لان الرجل الكفء والقادر علي العمل  والانتاج استبعد لغرض في "نفس يعقوب"وحاشي سيدنا يعقوب من هذا التشبيه . فهذه النوعيه من المحسوبيه ،بشكل عام ، من الصعب إتباته، لانها منبعته من  احساس عاطفي وغير موضوعي  ولكنها موجوده في عالمنا، ومحسوسه من جانب الشعب كافة.

2-القناع التاني للمحسوبيه هو  محسوبية الصداقه ، فالمؤسسات التي تبني منهجها واسلوبها  و اعمالها بيد المحسوبيه التي اغلبها تتركز وتتمركزعلي الصداقة والزماله،والوساطه، تجدها غير منتجه وغير صالحه للعمل، ولا يجني من وراءها الا القليل او لا شيء البته.  فجمع الصداقه والعمل في إطار واحد ،عمليه  خاسره ، وغير مهنيه ، وستؤدي الي فقدان احداهما اوكلاهما. والامثال في هذه الناحيه كثيره ومعروفه لأهل من ذاقوا مشاقها. فالشفافيه تغيب "بنذاله" ولا يكون لها  وجود، اوليست من الاولاويات في اي قرارات التوظيف، والعمل. فالوظيفهالتي استقر عليها صديق او زميل، لان له معرفة  بمن له الشأن في ادارة شؤون التوظيف، او بمدير المؤسسه، او بحاكم الامر فيها’ ستكون كحجر عقبه لاي تقدم. والاسوء من ذلك ان اغلب الوظائف  في هذه المؤسسات والغير شاغره،  لم يعلن عنها  للعامة ، وذلك بغرض السريه الغامضه، و لتقليل تكافؤ الفرص للأخرين .

 محسوبيةالصداقة اعتبرها اظلم وجوه المحسوبيه  والخائبه ايضا، لانها عقيمه في كل اتجاهات العمل، لانه ، اي العمل ،لا يسير في طريق المنفعة للمؤسسه نفسها، وبلتالي لا يستطيع ان يُنفع البلاد ايضا باي منفعة، او مصلحة شامله، لان" الوظيفه" واطلق عليها هنا  اسم "الهديه"  استعملت لمصلحه  شخصية لا غير.  فالاحساس "الخائب" بان لعلي وعسي  يوما ما يرد هذا الصديق  "المختار" المعروف ، والجميل هو فعلا اساس المشكله. او الاحساس بالذنب عند عدم توظيف  الصديق، او حتي عدم  ترقيته .فإذا أساس البناء نفسه في قيادة اي مؤسسه  بُني بمادة ضعيفه، وهشه من البدايه، فكيف للبنيان ان يتكامل ويواجه اي عقوبات مهنيه اوانسانيه وهو نفسه متأكل من داخله.

  3- القناع الثالت للمحسوبيه، والمتداول ، والمتعارف عليه في كثير من  بلدان العالم ،وفي اعمالها وخاصة الحكوميه منها، هو توظيف افراد العائله، والاقربون. فمثلا في عهد الرئيس الامريكي السابق "كندي" نجده قد ساهم في انتشار المحسوبية في عهده، عندما عين اخوه " رابرت  كندي" كمدعي عام مثلا. فلانسان هو الانسان  تسيره عواطفه و لكن تحكمه وتقننه الاحكام  السليمة، والقوانين الثابته  إذا وجدت،  ليسود العدل وتكافؤ الفرص لكل افراد الشعب.

  فالمحسوبية التي تلبس  وجه  "المتكابر والاناني والاستبدادي " بغرض البقاء والسيطرة علي املاك وتراب الوطن وخيراته، هو وجه مريض، ،ويقود البلاد الي الوراء، بابعد المسافات، ويعرقل مسار النهضه والازدهار بكل مفاهيمها الاقتصاديه، والعلميه، والاجتماعية، والصحية ، والنفسية.   هذه الاداره "الصبيانية"  تمنع إناس مؤهلين ، واكفاء لخدمة البلاد، والذين يتميزون بالدقة، والشفافية المسؤولة، والأمانة المهنية. وتسمح لنفسها بجلب "الاقربون" وتجعل من المؤسسة او الدولة بلأصح كانها "لمة عيله" ولا تعتني الا بمصالحها من "تكويم" اي جمع الاموال بدون وجه حق، وتسرقه  بدون حدود .فهو في الواقع ابتزاز "ومص دم" البلاد من غير رحمة او انسانيه. فاين العمل الصالح هنا ؟ واين خدمة الصالح العام والوطن من هذا كله؟ أين؟ .

عندما تسن القرارات الاداريه في البلاد  بطرق غير موضوعيه صرفه، بل تدار  بعشوائية التفكير، او مصدرها غير عملي ،اوتسيربغير القوانين اللازمة ، فيبقي هناك إنفكاك، وخلل اداري عميق ، غير صالح  للبقاء.لان ، كما نعرف،  عند غياب القوانين والعداله سنجد هناك ابتزاز لاموال العام، وسيوزع علي "من يحبوا ويرضوا"،  اعتقادا بانها "تركتهم" من جدودهم .فعندما يُترك "الحبل علي الغارب" وتسير  البلاد بمفهوم "علي بابا والاربعين حرامي" ، عندها تلغي الرقابه، وتغيب  المسؤوليه،وتنعدم المحاسبه،وبهذا "مافية"  الحكم  تزداد شرا وقوه، ويزداد  معها السرقه،والنهب، والانتاج ينعدم ، او  يكاد لايذكر، لانه ليس في اعتبار منظومة قراراتهم، وزد علي هذا ستري البلاد في متاهات، وتضيع من بين قضبان التخلف الفكري  والسياسي، وغيره.

  يعتبر هذا النوع من اسلوب الادارة العشوائي  الفاشل  بالحكم الشمولي والديكتاتوري ايضا، و ليبيا الحبيبة بلادي عاشت تجاربه، و كثم أنفاسها من شدة شذوذه، لعقود عدة. انه اسلوب "الضرب علي الذقون"، فهو  معتم في النهار ، ضيق قاتم اللون في كل ساعات الايام،  ،ظالم و منحل بانحلال هيكلتة الاداريه "الاهليه المتخلفه " وبصورة مكشوفة تضرعيون اصحاب القلوب النيرة الامينه، وتشمئز منها النفوس الوطنية الحره. ويبكي منها  حتي الطفل الذي لم يعيش طفولته المرحه، وتحزن الشيخ المحروم، ويثور منها الشعب كله بقوه، لاسترداد ارضه، وخيرات بلاده من افواه "العقارب".

وعشتم أحرارا، بدون محسوبيه،ولا وساطه،ولا تسلط،ولا حكم "ركيك" القياده والمنهجيه.........

د. وداد عاشوراكس                      


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق