]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ربيع الثورات العربية بين لسان الحال ولسان المقال!

بواسطة: المرابط ولد محمد لخديم  |  بتاريخ: 2012-07-08 ، الوقت: 12:48:10
  • تقييم المقالة:

منذ القرن الواحد والعشرون والعالم يعيش جملة من المفاهيم كالإيديولوجبا, والصراع الطبقي , والامبريالية العالمية, وحق الشعوب في تقرير المصير, وحركات التحرير...الخ

ولاشك أن هذه المفاهيم كانت تؤسس نظاما فكريا معينا, وفى مقابل هذه المفاهيم,  ظهرت مفاهيم أخرى في العقدين الماضيين تختلف جملة وتفصيلا عن المفاهيم السابقة مثل: النظام العالمي الجديد, نهاية التاريخ, صدام الحضارات, العولمة, حوار الحضارات...الخ   

وهى تشكل في الوقت نفسه نظام فكرى مختلف تماما عن السابق..

لقد نتج عن اندفاع العالم العربي والاسلامى  وراء كل جديد براق دون أن يكلف نفسها عناء التمييز بين الماء والسراب للحاق بعجلة الركب باعتدال أو بغير اعتدال أن أصبح كالمريض الذي يشتد عليه وقع المرض وتلوح له النهاية فيتمسك بأهداف الحياة ويقبل بتجربة كل دواء ولو كان مما لا يستسغيه العقل, وهاهو يحصد عاقبة هذا لاندفاع حيث تكونت لديه عقلية مشابهة للعقلية الغربية, في مفاهيمها وأفكارها ونظرتها إلى الحياة , لأن  الباب الوحيد للعلم والتثقيف هو ذالك الذي يفضى إلى هذه الثقافة, التي تلقن  في المدارس من طرف الحكومات في البلاد الإسلامية, على نمط المدارس المنشأة فى البلاد الأوربية : من ابتدائية وثانوية وعالية. وهذه الثقافة بشكلها الحاضر وجميع ملابساتها أخذت واقتبست من الثقافة الأجنبية, وهى نفسها في الدواوين الحكومية وفى المهن الحرة وفى مجالات الحكومية المختلفة.. 

إن عقدة الغرب هذه أصبحت تحدد أفقنا المعرفي والفكري. بتساؤلات مازالت تغض مضاجعنا:

كيف نلحق بالآخر؟ الذي أنتج العقلانية والحداثة وهاهو اليوم ينتج العولمة؟

أين يكمن القصور في الذات أم في الآخر؟

في التاريخ أم في الفكر؟

المهم أنه كلما حاولنا النهوض بالواقع وكلما حاولنا الانخراط في التاريخ انتصب هذا الآخر في وعيه كطرف ضروري لامناص منه لتحديد العلاقات التي تربطنا به, تعاون, مشاركة, هيمنة, فسواء تعلق الأمر بمسائل التنمية الاقتصادية أو أنظمة الحكم  والتسيير أو باختيار المشاريع المجتمعية, بل وحتى قواعد الفكر والسلوك نجدها تطرح أمامنا إشكالية الآخر وكيفيات تدبير العلاقات الآنية والمستقبلية معه سواء على مستوى الواقع أو الخيال, لدرجة أصبح معها الغرب يحدد أفقنا التاريخي.حتى أصبحنا مجرد ناشرين, أو مفسرين, أو حتى معلقين,على ما يقدم لنا من فكر الغرب وعلومه .

وحدث أن وجد في العالم العربي والإسلامي امتدادا لهذا الفكر من بني جلدتنا من ينظر إلى تراثنا نظرة ازدراء, وقد أفرغ جهده في نقد التراث, وتسفيه السلف.. ولم نجد أن ذالك صنع منهم عباقرة ولا مخترعين, وإنما وجدنا من أكثرهم أنانية منفردة, وأخلاقية عمل ضعيفة, ونزوعا إلى الاحتيال, والوصول إلى المنافع الخاصة من أي باب, ومن أقصر طريق.. متخذين من حرية التعبير عنوانا براقا يتسترون ورائه, وحرية الرأي هذه تنكمش وتذوب عند مناقشة قضايا جليلة لها خطرها في اليوم والغد, وتتسع وتتماع  عندما تكون غطاء لنيل من الإسلام والمساس بقدسيته. وهذا ما يظهر خطورة الغزو الداخلي بالمقارنة مع الغزو الخارجي حيث أن هذا الأخير نوع تقليدي يتم من أطراف فاعلين من خارج المجتمع المغزو ، وهو غير خطير ـ نسبيا لأنه مكشوف وظاهر(لغير العميان).

أما الغزو الداخلي فإنه غزو ذاتي وهو مضمون النتائج وسليم العواقب.والغزو الخارجي تستطيع محاربته لأنه مكشوف وتحاكمه لأنه معروف، أما الغزو الذاتي فكيف تحاربه وأين تحاكمه، ومن يحاكم من؟ فالمفعول هو الفاعل والخصم قد يكون هو الحكم في نظر القانون!!

وفي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها تنتفض هذه الأمة إذا امتست مقدساتها وكرامتها كما فعلت في حادثة الرسوم المسيئة لنبيها صلى الله عليه وسلم..

وهاهي تفعل الآن فبما سماه البعض (ربيع الثورات العربية)...

 وتعرف الثورة بأنها مجموعة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تؤدي إلى تغيير جذري شامل في المجتمع..

بالنظر إلى تاريخ الثورات عبر العالم  القديم منها والحديث يؤكد المؤرخون أن أقدم ثورة في التاريخ كانت في مصر القديمة، وبالتحديد خلال آخر فترات حكم الأسرة السادسة، ، حيث كانت الأوضاع متدهورة في مصر آنذاك عندها قام بعض الأفراد من الشعب بالدعوة لعصيان الحكام ومحاربة الظلم بالقوة والعنف، ونجحت تلك الدعوة ..

ومن أحدثها ثورة الياسمين في تونس التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي بعد ما يزيد على عقدين من الزمن من الحكم الاستبدادي..

ثم ثورة مصر التي تعتبر من أعظم الثورات في التاريخ لأنها كانت بأيدي الشعب بجميع طوائفه و تياراته و بدون استخدام اى شكل من أشكال العنف أو القوة مع أنهم استخدمت  القوة ضدهم من قبل رجال الأمن و قام المتظاهرون بحرق أقسام الشرطة في كل مدن مصر كدليل على ذالك..

لكن هذه الثورات كانت نتيجة لتراكمات محلية وإقليمية بدأت بالواقع العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة ..

إن سقوط الإتحاد السوفيتي لم يكن يعني مجرد سقوط نظام في الحكم معين، ولا مجرد انحلال تكتل بين دول، ولا مجرد تفتت معسكر يتحدد بكونه يشكل حلفا بين دول، ضد حلف آخر يتشكل من دول أخرى، بل لقد كان سقوط الاتحاد السوفياتي يعني أيضا، وربما في الدرجة الأولى سقوط نظام اجتماعي واقتصادي وفكري، نظام كان يطرح نفسه كمشروع ضروري للمستقبل: مشروع حضاري جديد، هو ما عبر عنه بـ (النظام الاشتراكي العالمي)، وقد كان يبشر بعلاقات إنتاج جديدة، وبنظام سياسي محلي ودولي جديد، وبإيديولوجيا جديدة، بمعنى تاريخ جديد للإنسانية.                               

 وقد دخل كما هو معروف في صراع مع النظام الرأسمالي، القائم آنذاك. وكان الصراع بين النظامين يشمل الاقتصاد والسياسة، والقيم والفكر والعلاقات الدولية... إلخ.      

 وبما أن هذا الصراع لم يتطور إلى صدام مسلح على غرار الحربين العالميتين، بسبب الرادع النووي لدى الطرفين، فقد اكتسى صيغة صراع حول المناطق الإستراتيجية ومواطن الثروة، وأيضا صيغة صراع إيديولوجي استعمل فيه الدين والعلم والثقافة بصورة عامة. إن سقوط أحد طرفي هذا الصراع، كان بدون شك (انتصارا) للطرف الآخر، ولما كان المعسكر الرأسمالي هو المنتصر فإنه لم ينظر إلى هذا الانتصار على أنه انتصار من نوع خاص، فهو لم يكن نتيجة مواجهة يتحمل فيها كل طرف نسبة من الخسارة، ولا نتيجة معاناة تحمل كل طرف على التكيف مع ما جريات المعركة ونتائجها، مما كان لابد أن ينتج عنه تغيير على هذه الدرجة أو تلك في كيانهما ورؤاهما وأساليب عملهما، كلا!

لقد كان انتصار مجانيا، بدون ثمن. كان في الحقيقة إلغاء للمباراة قبل إجرائها، بسبب إنسحاب غير متوقع لإحدى الفرقين. 

   لقد إنهار الاتحاد السوفياتي. ومعه المعسكر الشيوعي.

  أما المعسكر الآخر فقد بقي كما هو بكل عدته العسكرية والاقتصادية والإستراتيجية والعلمية والفكرية، وأيضا بقي في حالة تعبئة وتجنيد، ولكن بدون عدو. لقد خلت له الأرض وخلا بها، فصار وحده (يطلب الطعن والنزلاء).     

 ولكن مع من؟  

  يرى الراحل الدكتور محمد عايد الجابري أن هذه هي المشكلة التي واجهت الولايات المتحدة الأمريكية مع منتصف الثمانينات؟ مشكلة دولة، بل معسكر من الدول، بنى اقتصاده وسياسته واستراتيجياته وثقافته ورؤاه المستقبلية على أساس أنه يواجه عدوا يتربص به، فإذا بالعدو ينسحب، بل يختفي ليظهر وراء خصمه يطلب الإنخراط في نمط حياته ليصير جزءا منه وحليفا له.

 مشكلة ليست سهلة، مشكلة (الأنا) الذي لا يعرف كيف يتعرف على نفسه إلا من خلال (آخر) يواجهه، فإذا هو يفقد فجأة (الآخر) الذي يتحدد به، متسائلا: ماذا يمكن أن ننتظر من هذا الأنا؟. هل ننتظر منه أن يفكك ذاته ويعيد تركيبه؟ كيف؟ وكيانه جميعه موجه ككل وكأجزاء، إلى مضادة كيان (الآخر) ككل وكأجزاء.

 ويجب على سؤاله بقوله إن هذه هي القضية التي طرحت نفسها على (صانعي القرار) في الولايات المتحدة الأمريكية، أولئك الذين يعملون في مالا يحصى من مكاتب الدراسات الإستراتيجية، وهي مكاتب أنشأت في ظروف الحرب الباردة، ومهمتها مراقبة الخصم واقتراح خطط ووسائل لمواجهته، مبينا:

 أن كلمة (إستراتيجية) مصطلح حربي فالمتخصص في الدراسات الإستراتيجية لا يستطيع التفكير إلا في إطار المواجهة بين الطرفين، فإذا انسحب أحد الطرفين كان عليه أن يضع مكانه ما يقوم مقامه في الحال أو في الإستقبال، وإلا إنقطع به حبل التفكير.   

 إن المحلل الاستراتيجي كلاعب الشطرنج، لا يستطيع اللعب وحده! 

ويحلل الجابري في مقاله المطول مقالة لباري بوزان الصحفي المرموق وأستاذ الدراسات الإستراتيجية بأمريكا الموسوم: (بالسياسة الواقعية الجديدة.)

  مشيرا إلى أن مقالة هنتغتون الشهيرة (صدام الحضارات) ما هي إلا إعادة إنتاج بشكل مفصل وبأسلوب استفزازي للأفكار نفسها التي عبر عنها باري بوزان بكثير من الهدوء والتركيز.

ويخلص الكاتب إلى أن التقسيم التقليدي المعروف: المعسكر الرأسمالي (العالم الأول) المعسكر الشيوعي (العالم الثاني)، مجموعة دول عدم الإنحياز (العالم الثالث) فقد معناه بعد أن لم يعد هناك عالم ثاني في  مقابل العالم الأول.  

فالعالم (الثالث) لم يكن عالما واحدا بل كان يتكون من مجموعة من البلدان لم يكن يجمعها كعالم إلا كونها لا تنتمي لا إلى العالم الأول ولا إلى الثاني.

وهذا ما يقودنا إلى تقسيم جديد أصبح فيه العالم مركزا وأطرافا، حيث أن التصنيف الذي درج العالم عليه منذ الحرب العالمية الثانية، قد فقد معناه، بعد انهيار الكتلة الشيوعية، وبالتالي لابد من هذا التصنيف الجديد لفهم الوضع العالمي الجديد، وتفصيل هذا التقسيم يتجلى في أن المركز (هو كتلة رئيسية من الاقتصاديات الرأسمالية المسيطرة على العالم)، وأما الأطراف فهي مجموعة من الدول الأضعف من النواحي الصناعية والمالية والسياسية تتحرك ضمن نمط من العلاقات التي ينسجها المركز في المقام الأول)).      

 وبما أن أمريكا لا تفهم في لعبة الشطرنج فقد استعاضت عنها بلعبة البسبول تلك اللعبة الراسخة على نحو عميق في الروح الأمريكية.  "، والشيء الغير متوقع في هذه اللعبة هو أن ملاعب العرب وأبنائه لعبوا هذه اللعبة بطريقتهم الخاصة ففي العراق استبدلوا الكرة بحذاء وغيروا الاتجاه وذالك برميه بسرعة وبطريقة لولبية مما جعل الحذاء ينعطف في الجو بشكل غريب إلى الكابتن بوش, مما دفع  بالمتفرجين إلى حال من الهيجان في التعبير عن فرحهم. ليس في العراق فقط, بل على مستوى العالم العربي الذي ينتفض إذا امتست مقدساته وكرامته كما أسلفنا..وهاهو الآن ينتفض على الأنظمة التي نصبتها أمريكا وخدمتها كثيرا في المنطقة وأغمضت الأعين عنها وقدمتها للعالم كمثال للاستقرار والتقدم والازدهار...

 في تونس كانت الشرارة الأولي بإحراق أدوات هذا الفكر القمعي الذي حكم عقودا طويلة بالحديد والنار منشئين على أنقاضه ثورات شعبية واحتجاجات في بعض البلدان العربية مبتدعين كلمات مثل: (أرحل) أي degageأو الشعب يريد إسقاط النظام..

ثم يُفعل هذا المنهج في مصر )ميدان التحرير(ويتخذ فلسفة جديدة كتبت مادتها في حوالي1500  ملصقا عبرت عن الشعور الدفين نحو التحرر والعيش الكريم الذي ظل يعتلج صدور المصريين خاصة والشعوب العربية عامة منذ عقود مشكلا مطلبا جوهريا لسان حاله إسقاط الأنظمة التي حكمت شعوبها بالحديد والنار ولسان مقاله: ارحل أو الشعب يريد إسقاط النظام..

وقد تحقق له ما أراد حيث انفرط عقد هذه الأنظمة بسقوط زين العابدين في تونس وحسن مبارك في مصر ...والحبل على الجرار..  لما سيحققه قطار الثورة الذي نراه الآن في اليمن وسوريا والبحرين  والعراق.. ثم يعود إلى مهده الأول المغرب العربي مع الاختلاف بين هذه الدول ففي الوقت الذي شهدت المغرب والجزائر وموريتانيا مظاهرات واحتجاجات طالبت بإصلاحات سياسية وبتحسين ظروف المعيشة  فان ليبيا تشهد ثورة من نوع آخر طالب فيها الثوار بإسقاط النظام ومحاكمته إذ بدأ أعنف وأقسى في التعاطي مع مطالب شعبه الأعزل، مستخدما ضده مختلف أنواع الأسلحة بما فيها سلاح الجو والدبابات وراجمات الصواريخ وهذا ما يشاهده العالم يوميا من خلال الفضائيات العربية والعالمية وهي المشاهد التي تظهر صورا تقشعر لها الأبدان وتموت لها القلوب كمدا, من هول الموقف فمثلا: أجسام متفحمة, وأشلاء آدمية, واستخدام لمرتزقة في سابقة غير مسبوقة على شعب أعزل, خطف الجرحى وفتلهم , وسط صراخ: الأطفال والنساء والشيوخ وبين تلك الأصوات الصارخة في معركة غير متكافئة، يحس الإنسان منا ضميره الإنساني و هو يشاهد تلك الصور المقززة, يسأله ألهذا الحد وصل بطش القادة العرب بشعوبهم ؟  وبأخذ ينعم النظر محدقا ببصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا، ويملأ به قلبا. وان لم يكن موجودا في أرض المعركة بجسمه, فانه يعيشها من موقعه عاطفة وعقلا. متناسيا أن هذا النظام المتوحش قد جثم على صدور الليبيين أكثر من 42 سنة صال فيها وجال وفكر وقدر وألف أفكار ونظريات لا توجد إلا في مخيلته.. مغيبا هذا الشعب العظيم عن واقعه المعيش طيلة السنوات الأربعين الماضية.. هذا الشعب الفريد الذي قرأنا عن بطولاته وتضحياته ضد المستعمر الايطالي نراه الآن بالصوت والصورة  يكتب فصولا من حريته بدمائه وصدوره العارية في مواجهة آلة فتاكة لا ترحم غير آبه هذا القائد الوسيطي أن العالم أصبح قرية واحدة وأن عيون العدسات والفضائيات كشفت المستور  وما كان يحاك وراء الكواليس..

وأن الغرب الذي خدمه كثيرا في محاربة الإسلام والمسلمين والذي يستنجد به الآن تارة بفزاعة القاعدة و تارة أخرى بالحرب الأهلية, هو ذات الغرب الذي تبرأ من أمثاله والذين كانوا يصورون الإسلام بأنه وحش سيلتهم الغرب إنهم غادرا الحكم الرئيس المخلوع التونسي  وحسن مبارك المصري.

وأن الثوب الذي ألبسه هذا الغرب لأزلامه قد تكشف للعالم بفعل ثورات الشعوب العربية على قول شاعرها:

ثوب الرياء يشف عما تحته             فإذا التحفت به فانك عاري 

إننا نعيش في عالم جديد تجتاز فيه الإنسانية منعطفا حادا، ومثلما تدرجت في عصور الرعي والزراعة.والصناعة ها هي ذا تدخل الآن في عصر المعلومات ، الذي تتنامى فيه العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، وتتبدل فيه مقاييس التقدم ومعايير ارتقاء الأمم وتترك خصائصه آثارها العميقة على طرف التفكير، وأنماط العيش وسبل التخاطب, وأساليب التربية والتعليم, وقواعد السلوك وسائر العلاقات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية المحلية منها والإقليمية والدولية.

وككل التحولات الكبرى في التاريخ سوف نضطرب خلال مراحل تحول القيم والموازين وأنماط السلوك ،وسوف يقاوم الإنسان التغيير ويدافع بحكم الاعتياد إلى أن يستقر الجديد وتثبت فعاليته وجدواه.

و ان اختراق المعلومة لكافة الحدود والسدود والحواجز والقيود، وغزارتها بما يشبه طوفان نوح ، تنهمر بها الفضائيات من السماء، وتنبجس بها الشبكات العنكبوتية عيونا من الأرض، وسهولة تخزينها وتصنيفها واسترجاعها،سوف يغير أذواق الناس وأنماط تفكيرهم وأساليب تعاملهم وتحصيلهم وأن تعدد الخيارات أمام الملتقى ووفرتها بين يديه، سوف يكسر احتكارات المعرفة، ويضع الجميع أمام فرص متكافئة يفوز فيه من مكان أحسن عملا. ولسوف تسقط الوصايات الفكرية وممارسات القمع والحجر، وتنفتح.. الإيديولوجية والتيارات الفكرية والثقافات ويسود الحوار.

لقد استفدنا في العقد الأخير من هذه التقنيات حيث تكسرت احتكارات المعرفة, ووضع الجميع أمام فرص متكافئة على عتبة سباق واحدة تشمل على الغنى والفقير والقوى والضعيف. وتعددت الخيارات أمامنا, وانهارت كل السدود والحدود والقيود, وتدفقت المعلومات والمعارف بين أيدينا مثل الطوفان, لنلتقط منها ما يروق لنا, ونعيد  سياقته كما يحلوا لنا بعد أن أستخدم ضدنا فترة من الزمن وبهذا السلاح كشفنا زيف فلسفة المحافظون الجدد الذين بشروا العالم بالديمقراطية والعالم الحر, ولم يشاهد هذا العالم إلا الدمار, والخراب, طيلة حكمهم: في العراق، وأفغانستان، وفلسطين، والصومال،ولبنان..

 في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير،أو الجديد, الذي يسوق تحت شعار التحديث والإصلاح، الديمقراطي والاجتماعي والتربوي واللغوي، للانخراط فيه كرها طبقا لنظريات هنتغون وفوكا ياما في صدام الحضارات ونهاية التاريخ، تحت وطأة الضربات الاستباقية بالمطرقة الثقيلة، كما في تورابورا والفلوجة، وإرهاب فضائح التعذيب في غوانتناموا وأبي غريب..الخ

وقد يسأل المشاهد المنصف عن الحالة المتردية التي وصلت لها الأمة العربية بفعل الغرب وعملائه في المنطقة, أهذا هو الشرق الأوسط الجديد الذي كان يقصده بوش بكلامه؟ لقد غاب عن هذا الكابتن,  أن الحروب التي قادها وتشجيعه لعملائه في المنطقة بالاستحواذ على مقدرات الأمة المادية والمعنوية مقابل أمن إسرائيل.. أنجزت ما لم تنجزه العرب مجتمعة عبر تاريخها الطويل. حيث أيقظت الروح العربية الخالدة من سباتها العميق وبينت على مرأى ومسمع من الجميع العدو والمتواطئ, والعاجزوالمتخاذل.وحققت (شرق فجر جديد), وعززت لأول مرة ضرورة امتلاك سلاح الكلمة والصورة ومهدت لثورات عربية كانت الكلمة والصورة ديدانها من المحيط إلى الخليج لسان حالها الحرية والعيش الكريم ,ولسان مقالها: الشعب يريد إسقاط النظام.!!

                                                                                                            

                                                               

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق