]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نحن الدولة .. والدولة نحن !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-04 ، الوقت: 13:20:52
  • تقييم المقالة:

 

 

كثيرا ما نعيب على الدولة ، أو الحكومة ، بمختلف أجهزتها ، تقاعسها عن أداء مهامها الوطنية ، والقيام بإصلاحاتها الضرورية ، وواجباتها الأساسية ، إزاء المواطنين ، والشعب ، والمصلحة العامة . كل جهاز ندينه بالتراجع ، ونتهمه بالتخلف في ميدانه ؛ ونقول بلهجة مستنكرة ، غاضبة ، كافرة :

ـ إن الدولة لا تفعل لنا شيئا .. والحكومة لا تقدم لنا خيرا ...

ومنا من يبلغ به الغضب مداه ، ويشير بأصابع متشنجة إلى قطاع كذا ، أو وزارة كيت ، أو مكتب ذاك ، أو مجلس هذا ... ويشيع عنه أنه لم ينجز للمواطنين عملا ، ولم يحقق للشعب أمـلا . ومنا من يردد في مجالس الغيبة والثرثرة ، بنبرة قاسية ، آسفة :

ـ أنظر إلى حال البلد ؛ إنها لا تسر مقيما ، ولا مهاجرا ، ولا تعجب مواطنا ، ولا أجنبيا .

ثم يسرد لك التفاصيل ، ويحصي الظواهر والآفات ، ويقول لك :

ـ ارم بصرك تـر حولك القاذورات والأزبال منتشرة في كل مكان ..

والطرقات خـربـة للغاية ..                                 

والإنـارة خافتة ، أو منعدمة ..

وقنوات الصرف الصحي مختنقة ، أو منقطعة ..

ومعظم المرافق الحيوية ضعيفة ، وهشة ..

والخدمات ، في عمومها ، هزيلة ، لا تقدم للناس بصورة لائقة ، وفي ميقاتها المعلوم ..

ومصالح العباد لا تقضى إلا بالرشوة ، أو القسوة ، أو الوساطة ، أو .. أو ...

كل شيء ، يا أخي ، يدعو إلى التذمر والسخط والنقد والعيب .

ونصدر جميعا حكما سريعا ، جاهزا ؛ هو أن الدولة ليست في المستوى المطلوب ، وأن الحكومة ـ لا غفر الله لها ـ مقصرة ، خائبة ، وغائبة .

ولكن ، هلا انتبهنا هنيهة ، وسألنا أنفسنا بشيء من الحياد ، والموضوعية ، وحاسب كل فرد ضميره ، بروح رياضية وشجاعة ، وقـيـم كل واحد منا عمله بإخلاص ونزاهة ؟!

من يضع هذه الأزبال والنفايات في كل ركن وشارع ، وفي كل حين وفرصة ، بل ويضعها بصورة غير مهذبة ، وغير لائقة ؟!  

أليس فرد منا ، أو حتى أفراد كثيرون ؟!  

من يشوه معالم الطرقات ، ويفسد جمال المدينة ، ويملأ الأرصفة بالكراسي ، والمناضد ، وصناديق الخضر والفواكه ، وأكياس الحبوب والبيض والدجاج والأرانب والألبان والزيوت والمشروبات ... ومختلف السلع والبدع ؟!  

من يستحوذ بضمير فاسد ، وعقل ماكر ، على الأماكن العامة ، وعلى النواصي ، ويوظفها لحسابه الخاص ، ونفعه الشخصي ؟!  

أليس نوع من الأفراد ، هو منا وعلينا ، يخرقون النظام والقانون ، كما تخرق الحشرات القوية خيوط العنكبوت ؟!  

فالقانون ، عندنا ، أوهن من بيت العنكبوت ، لا يسقط فيه غير الضعفاء ، وغير المغفلين ، وكل المواطنين البائسين ، الذين من الدرجة العاشرة .

ولنسأل أكثر وأكثر :

من يحدث  العطب في أدوات الإنارة ، ويتعمد التلف في مصابيح الكهرباء ، ويرميها بالحصى ، ويهشمها بالعصا ؟!  

من يخنق مجاري المياه ، ويمزق خيوط الهواتف ، ويقلع الورد والشجر ، ويحطم اللوح والأثر ؟!

أليس شباب مستهترون ، أو أطفال عابثون ، لم نحسن تربيتهم ، أو ربات بيوت غبيات لم نرشدهن إلى المصلحة العامة ؟!   

ثم من لا يحترم الآداب العامة ، ولايتقيد بالنظام والقانون ، ولا يراعي القواعد الحسنة ، ولا ينضبط بفن السلوك ، ولا يحسن الخطاب أو التصرف ، ولا يبالي بالآخرين ؟!  

أليس معظمنا من الأفـراد ؟!  

من يقوم بكل هذه المخازي ، في النهار والليل ، وفي الظاهر والخفاء ؟!  

ألسنا نحن ، مع سبق الإصرار والترصد ، والتربص والتفنن ؟!  

ثم بعدها نشكو ، ونتذمر ، ونتأفف ، ونتحسر ...

أليس هذا هي الخسة عينها ، والعار نفسه ؟!

ألا نبدو بهذه التصرفات الرعناء ، وهذه السلوكيات الخرقاء ، دون المستوى ، بل دون البشر الأسوياء ، وبعيدين كل البعد عن المواطنين الصالحين ؟!

ألا نكون ـ صراحة ـ قوما همجا ، وشعبا بدائيا ، غير جديرين بالمدنية والحضارة ، ولسنا كفؤا للمواطنة والإنسانية ، وأهلا للحقوق والرعاية والتنمية والخدمات ؟!

لاحظوا جيدا كيف نمشي في الأسواق . وكيف نسير في الشوارع . وكيف نعيش في الأحياء . وكيف ندخل إلى المقاهي والمطاعم ، وإلى كل الأماكن العامة . وكيف نشاهد مباريات كرة القدم ، أو غيرها من ألعاب المنافسة ، في الميادين أو القاعات . وكيف نتصرف في أجواء الحفلات والمهرجانات ، وفي دور السينما ، وفي قاعات العروض والغناء والمسرح ، وفي مراكز الشباب ، وفي الشواطئ ، وفي حفلاتنا الخاصة ، وفي الأعراس بالذات ... حتى في المساجد ، أقدس الأماكن فوق الأرض ، لا نحسن التصرف والمعاملة ؛ ترانا نندفع بالأرجل ، ونتدافع بالمناكب ، ونصرخ ونزعق ونرفث ونفسق ، ونشتم بعضنا البعض ، ونتفنن في بذيء الكلام وقبيح الأفعال  !!!

حياتنا اليومية كلها صخب وفوضى وضجيج واضطراب وعنف وعبث وشغب ... ثم نتحسر على غيرنا ، ونقول يا ليت كنا ناسا محترمين ، وأشخاصا مهذبين ، ومواطنين صالحين ، مثل أهل الغرب وناس أوروبا وأمريكا وحتى إسرائيل ... وندعو إلى أن نكون مثلهم ، وتشبه دولتنا دولهم ، وتحذو حكومتنا حذو حكوماتهم ، ونطالب المسئولين ، وحدهم ، بالإصلاح والعلاج ، ونأمرهم بالبر والإحسان ، وننسى أنفسنا وأبناءنا وإخواننا وبيوتنا وتلاميذنا ومدارسنا ومتاجرنا ومقاهينا وأسواقنا  !!!

 ننسى ما في حوزتنا ، ونهمل ما في أيدينا ، وتحت أمرنا ، وفي مقدورنا .

إن الدولة ليست كائنا هلاميا ، غريبا عن جنسنا ، ومنفصلا عن ذواتنا . وأعمالنا بدورها ليست مجزأة وبعيدة عن أعمالها .

و إنما الدولة هي كل الناس ، داخل وطن مشترك من أصغر مواطن في القاعدة ، إلى أكبر مسئول في القمة .

الدولة هي القانون ونحن ..

هي النظام ونحن ..

هي التحضر ونحن ..

هي الأخلاق ونحن ..

هي كل شيء جميل وحسن ومتقن ونحن . ( نحن جميعا لا فرق بين مواطن ومواطن ) .

فإذا لم نطبق القانون في أنفسنا ، ولم ننتظم في تصرفاتنا ، ولم نتحضر في ممارساتنا ، ولم نتمسك بالأخلاق مع بعضنا البعض ، ولم نسع دائما وراء كل جميل وحسن ، ولم نتقن باستمرار أعمالنا وواجباتنا ... فلا كنا ، ولا كانت الدولة . ولا يجدي أن تصنع لنا الدولة شيئا ، أو تنجز لنا عملا ، أو تقدم لنا خدمة ؛ فالدولة ليست خادما مطيعا مثل الحمار اشتريناه من السوق بأموالنا ، نأمره أن يجلب لنا الطعام والفاكهة متى نشاء ، نتناوله على موائدنا الخاصة ببلاهة وانتشاء ، وعندما ننتهي من الأكل نرمي بالقشور والفضلات على وجهه باحتقار واستعلاء !!!

كلا .. إن الدولة هي مجموع من الخدم العقلاء ، يخدمون أنفسهم ، ويخدمون غيرهم ، في نفس الوقت ، فيكونون بذلك أسياد الجميع .

أيها المواطن الكريم : كن أنت الدولة أولا تجد الدولة حولك . فكما جاء في الأثر : « ولاتكم أعمالكم ، كيفما تكونوا يول عليكم » فإن صلحت أعمالك صلحت دولتك ، ولا يمكن لأعمال فاسدة أو مضطربة أن تبني دولة سليمة أو العكس .

والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .  
 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق