]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

راحلـة .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-07-01 ، الوقت: 14:38:03
  • تقييم المقالة:

تحية من لا ينتظر ردا .. وبعد :
سيدتي : قبل أن تفكري أن ترحلي إلى أي مكان بعيد في العالم ، ارحلي إلى نفسك القريبة أولا ؛ فالذي يسكن إلى نفسه ، وتسكن فيه نفسه ، يجد السكون والسكينة ، في أي مكان يسكن فيه ، ولو كان يعيش في كوخ حقير ، مع شخص فقير !!
قبل أن تبحثي عن أي شيء آخر في هذه الدنيا ، ابحثي عن نفسك أولا ، واعثري عليها بين أنقاض الخيالات الفارغة ، التي لا تصمد أمام الواقع لحظة واحدة ، وبين خرائب الظنون الباطلة التي لا تغني من الحق شيئا ... اعثري عليها وحيدة ، خالصة ، غير متعلقة بالأوهام والمستحيل ، ولا مرتبطة بالتمويه والأكاذيب .
لا تفرطي في نفسك قيد أنملة ، أو خيط شعرة ، مقابل أي ثمن ، ولو كان هذا الثمن كنوز الأرض كلها ؛ فالنفس الحرة الكريمة هي أغلى ما يملك الإنسان الحر ، الكريم ، الحقيقي .
لا تقضي أيامك في الجري وراء « سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب » .
فكل يوم يمضي يسقط من حساب العمر ، ويضاف إلى رصيد الموت .. والموت ـ يا سيدتي ـ لا يمنح للحي فرصة ثانية .
لا تبيعي حياتك لأي كان ؛ فحياة المـرء لا تتكرر مرتين ، ولا تصدر ، ولا تستورد ، من أي بقعة في الأرض ؛ فهي واحدة لا شريك لها ، ولا بديل عنها .. لا يحدد قيمتها ثمن ، ولا يخضع لقانونها زمن ؛ هي الزمن .. وهي الثمن .. وهي القانون ... إذا مضت يمضي معها حتى الإنسان !!
وأخيرا ، لا تسعي وراء كسب الآخرين ، والفوز برضاهم ؛ فرضا الناس ـ ومنذ تكاثر الناس ـ غاية لا تدرك . وكسبهم ـ ومنذ قدم الأواصر ـ مهمة صعبة ، وهي شبه مستحيلة في وقتنا الراهن !!!
ولكن اكسبي ذاتك أولا ، وارضي نفسك دائما ، فذلك أجدى لك .
والمسيح عليه السلام قال : « ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه ؟ » .. طبعا لا ينفعه شيء أو أحد !!
ولا أظن أن أحدا ، ومنذ أبناء آدم الأولين ، استطاع أن يربح العالم وقد خسر نفسه قبل ذلك . ولكن ، أكيد ، أن كثيرين ، بفضل عقولهم الراجحة ، وقلوبهم المتبصرة ، استطاعوا أن يربحوا أنفسهم ، ويحافظوا ، في نفس الوقت ، على علاقات طيبة ، وذكية ، مع الآخرين !!
وإذا كان لا بد من معايشة الآخرين ، فليخالط المرء الذين يحبهم ويحبونه معا ؛ فبمثل هذا الحب المتبادل تكتمل السعادة المتوازنة ، وتظلل برياشها الجميع .
 إن من أشد مظاهر غرور الإنسان ، في رحلة حياته ، و من أبرز صور خداعه للنفس قبل خداع الآخرين ، ظنه أن العالم قد جاء لإتباع أهوائه ، وأن الناس قد خلقوا ليقضي منهم أوطره ، فيسعى جاهدا ، وبكل وسيلة وطريقة ، لتحقيق ذلك ، ثم في النهاية لا يحصل على شيء ؛ فيحس بالعذاب غصصا ، ويبوء بالخسارة حصصا ، وذلك هو جزاء الأشقياء !!!
ويحك يا سيدتي ، أتحبين أن يمضي بك قطار الشقاء ، فوق قضبان الإنتظار ، ثم يخلفك ، في نهاية السفر ، عند محطة الندم ؟!
انزلي من ذلك القطار ، وبدلي وجهة السفر ، وعودي إلى نفسك ، تجدي في الإنتظار أولائك الذين يحبونك .
أتدرين ماهي مشكلتك الحقيقية ، أو بالأصح معضلتك العويصة ؟!
هي أنك لست واثقة من اختيارك ، ولست شجاعة في حسمك للأمور ، ما تقبلين منها وما ترفضين ، فتظلين جامدة ، خامدة ، لا تقدرين على الحركة ، بملء حريتك ، بكل ما يملؤك من حب وكراهية ، بكل ما يعتمل في داخلك من رضا وسخط ، بكل ما يعتريك من انفعال وهدوء ... فتغدو حياتك بلا طعم !!!
اسألي نفسك : ماذا تفعلين بحياتك ؟!
عندئذ سوف يبدو لك كل شيء تافها ؛ دون ثقل ، دون فائدة ، خاصة حينما تعين أن العدم في انتظارنا ، والموت يلاحقنا ، والعمر يخذلنا .
عليك ـ وعلينا جميعا ـ كما يقول محمد برادة ، أن نتحمل مخاطر اندفاعنا نحو ما نحس أنه يملأ الكيان ، بعد ذلك لا يهم أن نغير الموقف ، أن نعلن قناعة جديدة ... لأن ذلك يضمن ، على الأقل ، اشتعال الوجدان ، والتحمس لشيء يجتذبنا .
هل فهمت ؟!
هل ترحلين ؟!
أراحلة أنت ؟!
ما هَمَََّ والوقت ليس لنا الآن .
وختاما : في قلبي شجرة حب كبيرة ، جذرها اليأس ، وفروعها الأحزان ، تتضخم أكثر كلما زارني طيفك ذو كآبة في الأحلام !!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق